الأب متى المسكين باعث النهضة فى الحياة الرهبانية المعاصرة للكنيسة المصرية
تمارا سعد فهيم
فى برية شيهيت عاش ومات.. مثله مثل آبائه وعلى الأخص
أنبا مقار الكبير مؤسس رهبنة برية شيهيت فى القرن الرابع
الميلادى التى ابتل ترابها بدموع التائبين، الأب متى
المسكين الذى أحيا دير أبو مقار ببرية شيهيت بوادى النطرون
مع رهبانه عاش ومات ودفن فى ترابها بصمت يتناسب مع مناخ
عدم الصخب الذى لازمه فى حياته، وشهادة على هدوء غير مفتعل
لمناخ تسوده العواصف..
التقينا مع أحد محبيه وبين زحمة كتب مكتبته الخاصة حيث
مئات مؤلفات الأب متى المسكين منذ بدأ النشر من بيت
التكريس بحلوان وحتى دير القديس أبو مقار ببرية شيهيت..-
نعلم أنك تكتب الآن فى بعض صحفنا المصرية، ولكن ما هذا
الكم من مجلدات الأب متى المسكين فى مكتبتك؟
- جريدة الأهالى آخر من نشر أحد مقالاتى منذ أسبوعين..
والأب متى المسكين أتحدث عنه وكأنه باق معنا، لم يفارقنا
بسبب وجود مؤلفاته بهذا الزخم، والتى تبحث فى جميع مجالات
المعرفة الإنسانية، وأرجو أن أستعين بكتاباته فى حوارنا
الصحفى هذا لتسليط الضوء على بعض كنوزه تاركين المؤلفات
المتخصصة فى النسكيات واللاهوت والطبيعة الإلهية للباحثين
والمريدين.
- قبل الإدلاء بأحاديثه التى تكشف بالطبع عن هويته، نود
إحاطتنا بمزيد من التعريف بشخصه؟
- أبونا متى رجل بسيط ضعيف البنية قوى الإرادة، حكيم
الفكر، مستنير العقل، يقدر المواهب ويستثمر الحسنات،
ويحترم الإنسان ولا يحتقر التزامك الزمنى رغم تجرده عن كل
أطماع هذا الزمان،، ثراء فى العطاء الفكرى، يصوغ كلماته فى
المؤلفات بثقافة بليغة فيها احترام للقارئ المثقف، ودعوة
للنهوض بالقارئ العادى إلى مستوى فكرى أعلى للارتقاء
بالفرد إلى قامات إنسانية راقية.
- كيف ومتى صار راهبا؟
- بدأ سلك الرهبنة فى التاسعة والعشرين من عمره بعد أن ترك
صيدليته بالإسكندرية، ويعتبر أول من ترهب بعد الدراسة
الجامعية حيث شجع ذلك الكثيرين من بعده، ولكنه اتخذ لنفسه
أسلوبا جديدا للحياة الرهبانية العاملة، وأول من صنع
مجتمعا إنتاجيا فى الصحراء لاستثمار الطاقات البشرية فى
الإنتاج واستزراع الصحراء مع العبادة والسمو الروحى والبحث
العلمى الآبائى والكتابة والطباعة والنشر.
- وماذا عن الصراعات التاريخية التى كان هو طرفا فيها؟
- جريدتكم الغراء هذه لا تتسع صفحاتها للسرد التاريخى هذا
من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد تجاوزنا مناخ الصراعات، وها
نحن نجنى الثمار والحصاد وفير ولا يهم إن كان البعض مازال
واقفا بتلك المحطات ويتلذذ بإهالة التراب والرمال، ولا
تأتى عدم الأهمية من اعتقاد تصور عدم تجاوز المرحلة بسبب
جهل الحاضر، ولكن لارتباط سبب الخلاف حتى اليوم من ثقافة
الحاضر التى أفرزت أعمالا كتابية ونهضة رهبانية مستنيرة
تدعو مع ضعف النفس إلى المناهضة!!
- واضح أنه كانت له مدرسة فى الرهبنة، ماذا كانت أهم
تعاليمه؟
- ليست مدرسة بل أكاديمية، فينصح رهبانه بدخولهم طريق
الموت الصادق، والرسمى عن الذات، وحينما يشرق الحب الإلهى
فى قلب الراهب ويكون عمله الوحيد هو حب الله ويسعد نفسه
بهذا الحب، يصبح الدير بالنسبة له عالم المحبة الجديد الذى
يمارس فيها سعادته.
- فهل كان الأب متى المسكين يدعو إلى الانعزال عن العالم
وكيف ذلك؟
- فى كتاب الكنيسة والدولة الذى أصدره فى يونية 1963 أى
بعد خمسة عشر عاما من بدء الرهبنة والذى أثار جدلا شديدا
فى حينه، أوضح العلاقة السوية بين الكنيسة والدولة وجاء فى
أبوابه: الكنيسة والسلطان الزمنى، والكنيسة والوطن، وحرية
المواطن المسيحى، مسئولية المواطن تجاه أنظمة الحكم،
الكنيسة وعقدة الاضطهاد، الكنيسة والتعصب الدينى، الكنيسة
وصلتها بالحروب.
وفى توضيحه لعلاقة الكنيسة بالمجتمع حيث تشمل رعاية الشباب
اجتماعيا وتثقيف العمال وإقامة النوادى والمعسكرات، وترتيب
المؤتمرات ومعلوم أن أى نظام حكم لابد أن يكون له مخطط
معين فى التوجيه لهذه الفئات، وعند عدم تطابق التعليم
الكنسى مع مخطط الدولة فالصدام بين الكنيسة والدولة، أمر
لا مفر منه.
وفى حديثه عن الكنيسة والوطن يؤكد أن الوطن السمائى لا
يلغى وجود الأوطان، والسعى نحو الوطن السمائى لا يعنى
إنكار الأوطان الأرضية، وإن كبت الروح الوطنية نوع من وأد
الروح الإنسانية، ومحاولة توجيه الإنسان نحو وطنه السمائى
على حساب احتقاره للوطن الأرضى قصور فى فهم النفس البشرية
وإضرار بنموها.
- نعرف أنه كان له رأى فى الأحداث السياسية الخطيرة مثل
نكسة 67 وقضية فلسطين؟
- بعد أقل من شهر على أحداث النكسة أصدر الأب متى المسكين
سلسلة كتاب للجميع عن ماوراء خط النار أوضح فيه العوامل
الدينية التى استخدمت لإذكاء العدوان الإسرائيلى ومعنى
استقالة القائد.
لقد أوضح بالشرح والتحليل أن إسرائيل الحاضرة التى اتخذت
لنفسها هذا الاسم كأساس للخدعة الدينية لا تمت إلى إسرائيل
التوراة بأى صلة إلا الصلة العنصرية فقط، فالشعب الموجود
فى إسرائيل الآن ليس إسرائيليا حسب الدين بأى حال من
الأحوال فإسرائيل انتهت وقطعت من أصل شجرة الآباء الروحية
وأصبحوا غرباء عن داود المحسوب أنه رمز للمسيح، وغرباء عن
يعقوب الذى هو إسرائيل الحقيقي! وبرفض المسيح قد قطعوا
أنفسهم من نسب الآباء وكل الأنبياء وكل أمجاد وعهود الله
التى فى العهد القديم.
وتحدث أيضا فى سلسلة كتاب للجميع عن ميناء إيلات وصحراء
النقب وأسطورة إسرائيل وأكاذيبها بحق الاستيلاء على صحراء
النقب وميناء إيلات فى العقبة ومفتاح السيطرة على حركة
السفن، علاوة على مشروع شق قناة فى صحراء النقب تربط بين
إيلات على البحر الأحمر، وغزة على البحر الأبيض للتحكم فى
حركة السفن تمهيدا لإماتة قناة السويس المصرية..
وقد كشفت دراسته زيف استيلاء إسرائيل على أراضى الغير
بمستندات ونصوص توراتية، وأوضح البعد السياسى والجغرافى
وحقيقة النصوص الدينية المزيفة بما لا يدع مجالا للشك بروح
العالم الباحث فى توقيت خطير يكشف فيه ملاعيب إسرائيل
وأمريكا وإنجلترا من ورائها..
- وعن فلسطين؟
- تحدث عن فلسطين والتوراة فى عام 1970 وقال:
من الحقائق التاريخية أن فلسطين كوطن لم تفقد اسمها قط على
مدى التاريخ حتى فى زمن احتلال بنى إسرائيل لكثير من
بلادها. ويعود السر فى ذلك إلى تفوق الجنس الفلسطينى
وتماسكه الشديد مع البطولة الخارقة التى برزت كصفة سائدة
ومستمرة لجيشه. كما أن انتهاء قصد الله من قيام شعب
إسرائيل الذى تبرهن بسقوط مملكة إسرائيل وانقراض مملكة
يهوذا كان بصفة السماح الكامل للفلسطينيين باسترجاع كل
مدنهم وديارهم وكل شبر من أراضيهم لقيام مملكتهم من جديد.
وكانت وعود الله لإسرائيل فى التوراة على حساب الفلسطينيين
ليس بإفناء الشعب الفلسطينى الأصلى بل بإبقائه لتأديب
إسرائيل، كما تقول التوراه: ثم عاد بنو إسرائيل يحملون
الشر فى عينى الرب فدفعهم الرب ليد الفلسطينيين أربعين
سنة، وكذلك أيضا وفى ذلك الوقت كان الفلسطينيون متسلطين
على إسرائيل (قضاة 14).
ويقول أيضا (سفر صموئيل الأول) وحارب الفلسطينيون إسرائيل
فهرب رجال إسرائيل من أمام الفلسطينيين وسقطوا قتلى فى جبل
جلبوع.
وربما يعتبر جيش الفلسطينيين أول جيش فى العالم استخدم فرق
الصاعقة، ومن أعجب الأمور أن التوراة هى أول من وصفت فرق
الصاعقة بفرق المخربين، ولعل تسمية إسرائيل للفدائيين
الفلسطينيين الآن بعبارات المخربين أو الإرهابيين هى
ارهاصات نقل أعمى من التوراه.
- الرهبنة عتق من التزامات الفرد اجتماعيا وأسريا، ولكنه
قيد على الحرية فى أغلب المواقف. كيف استطاعت مدرسة
الرهبنة للأب متى المسكين تجاوز الأزمة؟
- لقد أضاف الأب متى المسكين على منهجية التشدد الرهبانى
القديم أبعادا جديدة أسسها فى كتاباته عن الحرية فيقول:
أما الذى لم يبلغ الحرية بمعناها الحقيقى فقد أخفق فى
معرفة الحق، وإيمانه يصبح بلا وعى، تتحكم فيه كما يتحكم
السيد فى العبد، لا يستطيع أن يحكم فى شيء، بل يحكم فيه من
كل أحد.. وكل من هو ليس حرا فيما يؤمن به، يتعصب له
مضطرا.. وكل متعصب للدين أقرب ما يكون إلى الخطية لأنه
مسلوب الإرادة!
وبصفة عامة كل عمل روحى يعمل تحت اضطرار هو عبودية للأعمال
الروحية وليس عبادة لله وأى إنسان يباشر الأعمال الروحية
تحت اضطرار فإنه يتعصب لها تعصبا أعمى ولا يطيق المناقشة
فيها لأنها تكون قد ملكت عليه وتعبد لها فاستعبدت إرادته
ومنطقه وأبعدته عن الحق وحرمته من الحرية. لذلك فإن
المتعصبين هم أبعد الناس عن الحق وأقل الناس فهما للحرية
بل إنهم يحسبون الحرية ضد الدين!