السائقون يدفعون الإتاوات ل
«الكارتة» و«المرور» .. ويعيدون تحصيلها من جيوب
الركاب!
«طقهان زهقان متضايق، مخنوق مجروح مش طايق أنا إيه اللي
رماني الرمية دي»، «كتاب حياتي يا عين ما شفت زيه كتاب،
الفرح فيه سطرين والباقي كله عذاب»..
مثل هذه الأغاني الهابطة اتفقت تماما مع واقع سائقي
الميكروباص الذين يعيشون يوميا مع مثل هذه النوعية من
الأغاني، لينسي السائق الدنيا والركاب ولا ينسي الأجرة ..
ثم يغيب مرة أخري مع جو الحزن والشجن، ليكون بطل الأغنية
الصاخبة التي يري أنها تعبر بصدق عن أوجاعه وهمومه وأحلامه
الضائعة!
ويا ويل الراكب الذي يتضجر اعتراضا علي الضجيج والصخب داخل
الميكروباص.
وأصبحت كل متعة سائق الميكروباص تنحصر في ربع كيلو كفتة
وعلبة سجائر، وربما سيجارة حشيش أو بانجو، ويا سلام لو
ركبت بجواره سيدة حلوة أوحتي وحشة!.
تغطية النفقات
والأحلام الكبيرة غائبة تماما عن هذا العالم عالم عفاريت
الأسفلت هذا التشبيه البليغ لأحد الأفلام التي عبرت عنهم
بصدق .. فهؤلاء العفاريت الذين لا تتجاوز أعمارهم العشرين
عاما في الغالب يتصارعون علي الطريق في سباق مع الزمن
متجاهلين تماما عواقب السرعة الجنوبية التي تصل لحد إزهاق
الأرواح .
وتشير تقارير الإدارة العامة للمرور إلي أن نسبة كبيرة من
حوادث الطرق تقع بسبب تهور مثل هؤلاء السائقين لأنهم لا
يلتزمون بأبسط قواعد المرور.
كل هذه الفوضي من أجل شيء واحد هو تحقيق مكسب معقول لتغطية
النفقات الكثيرة للسيارة الميكروباص بدءا من رسم الكارتة
المجمعة كل ثلاثة شهور والتي تتحدد حسب خط السير وتبدأ من
400 جنيه لتصل إلي 800 جنيه. مرورا بالفحص السنوي وينفق
السائق آلاف الجنيهات لتجديد السيارة بالإضافة إلي الفحص
الفني الربع سنوي والتأمينات والتأمين الإجباري علي
السيارة بالإضافة إلي رسوم الكارتة التي تدفع يوميا داخل
المواقف، إلي جانب الإتاوات والمخالفات والغرامات.
الاصطباحة!
وهناك أشياء متعارف عليها في هذا العالم المليء بالأسرار
مثل «الاصطباحة» وهي الإتاوة التي تدفع ل «كبير الموقف»
و«صاحب الكلمة فيه» مقابل الدور الأول في الصباح الباكر،
وفي الغالب تكون جنيهين، ليعود السائق بعد ذلك ويدفع جنيها
عن كل «فردة» طيلة النهار أي عن كل دور.
ولا تنتهي الإتاوات التي يدفعها السائقون بدءا من البلطجية
خارج المواقف مرورا بعساكر المرور حتي أمناء الشرطة، وإذا
امتنع أحدهم عن الدفع يتم سحب رخصته وتوقيع الغرامات
والمخالفات عليه ناهيك عن بعض المضايقات الأخري.
سيادة اللواء
عندما تدخل أي موقف للميكروباص سوف تجد شخصا قد لا يتجاوز
عمره الثلاثين عاما هو الذي يحكم ويدير عالم الميكروباص ..
يرتب الأدوار وينظم الحركة داخل الموقف وكلمته نافذة علي
الكبير قبل الصغير، ولهذا السبب يلقبه السائقون ب «سيادة
اللواء».
وصاحب القرار و«لواء» موقف عبد المنعم رياض هو محمد حسن
عبد الحميد ويفسر «محمد» لقب «سيادة اللواء» بأنه يعود إلي
أن أول من تولي أمر مشروع الميكروباص كان اللواء هاني عبد
المقصود وذكر «محمد» أنه يعمل في هيئة النقل العام، وهو
الذي يتقاضي الكارتة اليومية مقابل قيامه بتنظيم العمل
داخل الموقف، ويضيف أنه مسئول مسئولية كاملة عن الموقف بما
فيه من ركاب وسائقين!.
بينما يري عم مصطفي وهو أحد السائقين بموقف عبد المنعم
رياض أيضا أن هيئة النقل العام تسببت في ظهور البلطجية
داخل مواقف الميكروباص، ليحصلوا علي إتاوات علي الرغم من
أنهم كسائقين يدفعون الكارتة المجمعة كل ثلاثة شهور،
والمعروف أن مشروع السرفيس كان يتبع نقابة النقل البري،
ولكن وزير النقل أصدر قرارا قبل خمس سنوات بأن تكون تابعة
لهيئة النقل العام مما أثار غضب واحتجاج السائقين، ومازال
السائقون يطالبون بإعادة مشروع السرفيس لنقابة النقل
البري، لأنهم يعتقدون أن سياسة هيئة النقل العام أضرت بهم
وبالمشروع، حيث يؤكد السائق أحمد حسن أن الهيئة لا تقدم أي
خدمات مقابل رسوم الكارتة المجمعة التي تحصل عليها، وأنه
لا يوجد بمواقف الميكروباص غير الفوضي .. حيث تغيب الإنارة
والنظافة عن غالبية مواقف الميكروباص، وذلك علي عكس ما
كانت تقوم به نقابة النقل البري من صيانة ومتابعة لحالة
المواقف.
اضطهاد متبادل
ويشكو السائقون من ممارسات الضباط وأمناء الشرطة الذين
يستغلون السائقين في مأموريات ويتسببون في تعطيلهم لفترات
طويلة، دون مقابل وإذا لم يستجب السائق .. «فيا ويله ويا
سواد ليله» كما يقول أحد السائقين!
مشاكل سائقي الميكروباص انعكست علي الركاب .. من أول مشكلة
السرعة الجنونية ورفع الأجرة، حتي عدم الالتزام بخط السير،
وتقطيع المسافة إلي ثلاث أو أربع مسافات يتقاضي السائق عن
كل منها أجرة كاملة، وزيادة حمولة الركاب بأكثر من عدد
المقاعد!
من سيارات الميكروباص الشهيرة بارتكاب المخالفات، يوجد نوع
يطلق عليه اسم «الكتكوت الأبيض» وهي السيارة الفولكس ذات
الباب المفتوح والتي غالبا ما تجدها تسير بدون رخصة أو
لوحات معدنية.
وتقول فاطمة محمد محمود إن أي «مشوار» إلي آخر فيصل يكلفها
جنيها ونصف الجنيه لأن السائقين يحددون المسافة علي كيفهم،
ولا يلتزمون بخط السير المحدد، وإذا اعترضت لا تجد سوي
الألفاظ البذيئة والأسلوب الفظ.
ويضيف محمد بهاء من ركاب الميكروباص بين القاهرة والجيزة:
أن هناك الكثير من المواقف العشوائية التي تتسبب في التكدس
المروري خاصة في شارع فيصل حيث يوجد حوالي 3 أو 4 مواقف
عشوائية فضلا عن التعريفة غير القانونية التي يحصل عليها
السائق ولا يلتزم بالمسافة المحددة وإذا اعترض أحد الركاب
لا يسمع سوي عبارة سائقي الميكروباص الشهيرة .. «لو مش
عاجبك إعمل اللي انت عايزه»!!.
ويستمد معظم سائقي الميكروباص قوتهم من صاحب السيارة التي
يعملون عليها .. والغريب أن صاحب السيارة غالبا ما يكون
ضابطاً أو أمين شرطة أو مسئولاً في الحزب الوطني!