لم تكن تهاني الجبالي هي أول قاضية مصرية بل سبقتها لذلك المنصب الرفيع ديفورا القبطية في مصر القديمة التي ناضلت ضد الحاكم العسكري لبني إسرائيل المتواطئ مع الهكسوس وايضا كانت «الشفاء» أول قاضية
في الإسلام والتي عينها عمر بن الخطاب لتولي قضاء الحسبة في السوق وكانت مصرية أيضا.
فتولي منصب القضاء ليس جديدا علي المرأة المصرية انما له جذور تاريخية عميقة وطرح الموضوع للمناقشة الآن يضع كثيرا من علامات الاستفهام علي محاولة البعض تحويل الرأي العام عن قضايا مهمة تمس مستقبل الوطن في الفترة القادمة. فلا يجوز أن يطرحوا علينا الاشكالية ونحن ندور في فلكها بدون وعي.
هكذا تحدثت تهاني الجبالي أول قاضية في مصر في حوارها لجريدة «الأهالي» فهي أيضا أول محامية منتخبة لعضوية مجلس نقابة المحامين وأول محامية عربية لعضوية المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب، وكانت «محكم تجاري دولي» في كل من جنيف وباريس وهو منصب قضائي قبل توليها القضاء في مصر، و«خبير قانوني» رفيع المستوي لدي جامعة الدول العربية، لتصبح وعن جدارة «نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا» الآن.
> ما الموانع القانونية والدستورية التي يستند اليها رافضو تولي المرأة للقضاء؟
>> عشنا 60 عاما منذ حكم مجلس الدولة للدكتور عائشة راتب 1951 بأنه لا توجد موانع شرعية ولا دستورية لتوليها المنصب لكن عقول الاغلبية ظلت جامدة طوال هذه الفترة وعطلت قرار المحكمة.
ومنذ 8 سنوات 2002 عقد المجلس الاعلي للهيئات القضائية والذي يشارك فيه كل رؤساء الهيئات بمن فيهم مجلس الدولة وناقشوا مجددا موضوع تولي المرأة للقضاء وفقا للمادة 173 من الدستور واصدر قراره بالتعيين وترك لكل هيئة قضائية اتخاذ الترتيبات اللازمة لتوليها المنصب.
وصدرت عقب هذا القرار المدروس مذكرة رسمية عن الأزهر ودار الافتاء ووزارة الاوقاف، جميعا إنه لا توجد موانع شرعية لتولي المرأة ادارة العدالة وكل هذه الاجراءات كانت قبل مبادرة المحكمة الدستورية العليا بتعيين قاضية، يعني كل الاجراءات القانونية مستوفاة قبل صدور أي قرار سيادي بتعيين س أو ص.
> البعض يقول إن من تم تعيينهم من النساء كن في محاكم الاسرة وما شببها لانها لا تصلح للقضاء العام؟
>> غير صحيح فبعد ثلاث سنوات من تعيين قاضية تم تعيين 42 زميلة في القضاء العادي والمحكمة الدستورية وقضاء مجلس الدولة ومحكمة النقض والمحاكم الاقتصادية والقضاء الجنائي والأحداث في جميع أقاليم مصر، وعلي مدار سبع سنوات كلهن يمارس عملهن بكل جدارة في الهيئتين ، ولم تكن هناك أي شائبة في أحكامهن والبعض تمت ترقيته مثل فاتن شعراوي حيث تولت رئيس هيئة المفوضية العليا للمحكمة الدستورية، وهذا العام تولت زميلة رئاسة دائرة كما يحصلن علي درجات عالية في التفتيش الفني ومن يتابع الجريدة الرسمية للمحاكم يجد ثلثي موضوعاتها من عمل تهاني الجبالي.
وقت مناسب
> جيد لكن لماذا لم تدخل القاضيات حتي الآن مجلس الدولة والنيابة العامة؟
الحقيقة لا نعرف سببا ظاهرا لعدم تعيينها بهاتين الهيئتين رغم أن هناك هيئات أعلي وتم تعيينها فيها ، وكنا ننتظر الوقت المناسب لدخولها مجلس الدولة والنيابة العامة لكن اندهشنا، عندما أعيدت مناقشة الموضوع وهو حق أصيل ودستوري في الوظائف العامة أمام القانون «تكافؤ الفرص» ولا يجوز لأحد أن يستفتي علي حق دستوري وقانوني في الدولة، كما حدث في الجمعية العمومية لمجلس الدولة. وكان لابد أن يكون النقاش حول الضوابط ومعايير الاختيار للانسب وليس رفض التعيين.
> في رأيك ماذا يثير مثل هذا القرار المخالف للدستور في المؤسسة القضائية؟
>> هو يثير شكلا من الارباك للسلطة القضائية بالكامل، حيث أعلن عن اجتماع دعا إليه بعض اعضاء الجمعية العمومية في مجلس الدولة وطرح سؤال واحد «هل تقبل تعيين المرأة في المجلس؟» ولا نعلم من الذي طرح هذا الاستبيان.
> هل من رئيس المجلس الخاص أو رئيسه أو من الأمانة العامة أو أعده مجموعة مستشارين.
>> وما ازعجنا فعلا انه استفتاء علي اصل حق في مجلس الدولة قضت به ذات الهيئة منذ 60 عاما لصالح المرأة ويعد بقوة الحكم المقضي ولا يجوز مخالفته وفقا للأعراف القضائية وايضا هل يمكن تجاوز قرار صادر عن المجلس الاعلي للهيئات القضائية 2002 بدعوي اعادة النظر في كونها ملائمة أم غير وهل يجوز لأي قاض أن يقضي علي خلاف المستقر في أنه لا مانع شرعي ولا دستوري من توليها القضاء.
وأنا اتساءل هل يمكن لحيثيات بهذا الشكل تخالف القانون والدستور والمجلس الأعلي للهيئات القضائية بأسبقية التعيين في الدستورية وما لها من حجية مطلقة في مواجهة سلطات الدولة الثلاث «التشريعية والتنفيذية والقضائية» وفقا لاختصاصها أن تنفرد كل هيئة بوضع قاعدة مخالفة لما تم الاتفاق عليه وشاركت كل الهيئات فيه هذه معضلة أصبحنا في مواجهتها الآن.
حماية الحريات
> ما هو دور مجلس الدولة في المؤسسة القضائية؟
>> دور مجلس الدولة حماية الحريات والحقوق الدستورية وهو الحارس علي الشرعية القانونية لذلك اطالب السادة اعضاء المجلس باعادة النظر في هذا القرار حفاظا علي دوره التاريخي ووحدة المعايير وعلي حق الشعب المصري في تثبيت دور مؤسساته.
وأيضا حتي لا تشعر المرأة بأن المشرعين قد مارسوا موقفا تمييزيا ضدها يخالف مبدأ المساواة أمام القانون في الحياة العامة وفقا للمادتين 40، 11 من الدستور ووفقا للالتزامات الدولية التي وقعتها مصر فيما يتصل بحقوق المرأة حيث يستدعي التعامل بحس مسئول يتجاوز الخلاف الشخصي للحماية العامة.
> البعض يشكك في قدرة المرأة علي تولي القضاء ما رأيك؟
>> نحن لا ندافع عن أنفسنا ولكن اعمالنا هي التي تدافع عنها حيث اثبتت كل القاضيات جدارة حظيت باحترام زملائنا في المؤسسات القضائية فجينات الشجاعة موجودة في الشعب المصري منذ فجر التاريخ ، وأنا فخورة بموقف الشارع المصري المتضامن مع القاضيات فقد احتج عدد كبير من الرجال والنساء في صعيد مصر أمام مجلس الدولة في أسيوط دفاعا عنها وايمانا بها وقدراتها علي العدالة والانصاف لما لها من سابقة تاريخية في مصر القديمة «القاضية ديفور» القبطية والتي كانت تدافع عن الشعب ضد سلطة الحاكم العسكري الإسرائيلي وايضا الشفاء أول قاضية في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب.
تيار سلفي
> ألا ترين أن هناك تيارا سلفيا كبيرا يسيطر علي المؤسسة القضائية؟
>> أنا لا أجزم أن هناك تيارا سلفيا داخل القضاء لكن كان لابد أن يكون الانتماء الفكري والثقافي للقاضي خارج احكامه وفي إطار الدولة لأنه لا يحكم بعلمه انما وفقا لدستور وقوانين متفق ومتعارف عليها.
> ما رأيك في كون المرأة عاطفية؟
>> الرجل ايضا عاطفي أليس له قلب ومشاعر، لكن الحقيقة التي لا يعرفها الكثير أن القضاء ليس عملية استنباط شخصي انما يخضع لقانون صدر عن المؤسسة التشريعية ويطبق النص حتي لو خالف رأي القاضي الشخصي، وايضا هو مؤسس الولاية، السلطة فيه للسلطة القضائية ذاتها ليس لأفراد السلطة وأي حديث عن ولاية فرد علي القضاء خطأ جسيم في تنظيم الدولة دستوريا سواء كان القاضي رجلا أم امرأة.
> بعد اثبات المرأة جدارتها في مجال القضاء لماذا هذا الجدل حول صلاحيتها من عدمه الآن بالذات؟
>> كل هذا جدل وارهاق للأمة علي حساب قضايا جوهرية تهم الوطن والشعب المصري ويحمل ردة علي قرار مجتمعي تم اتخاذه منذ 8 سنوات وانتهي الأمر.
> هل مثل هذه القرارات تؤثر في دور مصر الريادي؟
>> نعم فقد سبقتنا «39» دولة اسلامية و«11 دولة عربية في تعيين المرأة في القضاء بـ 45 سنة فقدت مصر فيها دورها الريادي في الأمة العربية ، وكنا نعتبر أن القرار الصادر منذ 7 سنوات بتعيينها رد للمرأة الاعتبار بأثر رجعي لكن قرار الجمعية العمومية لمجلس الدولة آخرها علي الأقل 50 سنة أخري.
القضاء الواقف
> هل هناك نسبة كبيرة من النساء في مصر تشتغل بالقانون؟
>> ليس لدي نسبة محددة لكن هناك 52% من اساتذة القانون في مصر من النساء كما أنها احاطت بكل المهن في القضاء الواقف والمحاماة والنيابة الإدارية وهيئآت خبراء وزارة العدل والطب الشرعي وهيئة قضايا الدولة وهي مواقع ثبت ما لدي المرأة من جدارة وعلم يسمح لها بتوليها القضاء.
> لماذا لم تدخل المرأة حتي الآن النيابة العامة في مصر؟
>> الحقيقة لا يوجد قرار في النيابة العامة بالمنع، ولا نعرف لماذا يعطل تعيينها حتي الآن لكن يسأل في استبعادها وزير العدل والنائب العام.
> صدور مثل هذا القرار من مؤسسة قضائية ضد نصف المجتمع إلا يعبر عن مشاكل تعاني منها المؤسسة القضائية في مصر؟
نعم فهناك كثير من الآراء الإصلاحية في القضاء التي تطالب بتحسين أوضاع العدالة واستقلال القضاء وتقصير فترة التقاضي وإصلاح البنية الأساسية للمؤسسات والمحاكم ورواتب القضاة والاشكالية الكبيرة المتعلقة بعلاقة السلطة التنفيذية بالقضائية وتطوير ما يسمي أعوان العدالة كخبراء العدل ومشاكل المحامين باعتبار المحاماة قضاء واقفا، أري أنها قضايا جوهرية تخص أجندة الإصلاح القضائي عموما.
تجربة حياة
> هل هناك اي تنازع بين دورك كزوجة وأم وبين كونك قاضية؟
>> لا لم يكن في حياتي في أي مرحلة أي تنازع في ادواري الاجتماعية نفي الاسرة والمجتمع واسرتي ممتدة حيث لا تقتصر علي الزوج والابناء انما الاخوات والاخوال والأعمام. وانا لا انظر نظرة قاصرة او ضيقة في اي من مسئولياتي فعار علينا ان يطرحوا علينا الاشكالية ونحن ندور في فلكها فالكثيرات اثبتن نجاحا في مهن كثيرة وتجاوزن هذه النظرة الضيقة لهن.
- التعليقات
المستشارة تهاني الجبالي لـ «الأهالي» : قرار الجمعية العمومية لمجلس الدولة يخالف القانون والدستور والمجلس الأعلي للهيئات القضائية













