يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1377-14 مايو 2..8
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربي ودولي <<
الرأي <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالي <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 
 

سلامة موسي أول و آخر الموسوعيين المصريين:

 
 

العلمانية دعوة للتمدن والحرية الإنسانية

 
 

بقلم : د. رفعت السعيد

 

 

 « ومع أني في كتاب «هؤلاء علموني» قد ذكرت نحو عشرين من الأدباء والعلماء والمفكرين الذين وجهوا نشاطي الذهني وربوا نفسي، فإني لم أذكر معهم كارل ماركس داعية الاشتراكية، والآن أحب ان اعترف أنه ليس في العالم من تأثرت به وتربيت عليه مثل كارل ماركس، وإنما كنت أتفادي ذكر اسمه خشيه الاتهام بالشيوعية، ولو كنت قد وجدت الحرية أيام الحكومات الملوكية السابقة لألفت عن الاشتراكية بما كان يوجه ويرشد.

تربية سلامة موسي - ص29.»

الأب كان موظفاً مرموقاً « رئيس تحريرات مديرية الشرقية » ، وكان من ثم ميسور الحال. والفتي

« سلامة» يقرأ كثيرا، يتفجر حيوية وسعياً نحو المعرفة ، لكنه بقدر حبه للمعرفة المنطلقة بعيداً عن أي قيود ، بقدر ما تعثر في دراسته، المدرسية المنتظمة والمقيدة بقيود مناهج كان يراها ضيقة الأفق.

تعثر الفتي في دراسته، حصل علي الشهادة الابتدائية بالكاد وهو في السادسه عشرة من عمره عام 19.3 . « ولد عام 1887» والتحق بعد ذلك بالتوفيقية الثانوية ثم الخديوية الثانوية ، لكنه لم يطق صبراً . نحي الكتب المدرسية جانباً وانطلق يثقف نفسه بنفسه وفق هواه وليس وفق المناهج الدراسية . انغمس الفتي في قراءات متنوعة متعددة المنابع قرأ لرفاعه الطهطاوي وفرح انطون وشبلي شميل وأحمد لطفي السيد ومحمد عبده .. والتهم مجموعات كاملة من الجامعة والمقتطف والهلال... الخ.

يعتمد الفتي علي ميراثه من أبيه الذي توفي سريعاً تاركاً إياه في الثانية من عمره ، وهو ميراث من عديد من الافدنة اسماها الناس «عزبة» كانت تدر عليه إيراداً شهرياً حوالي 3. جنيها . وهو مبلغ كبير بمعايير هذا الزمان ، فعاش الفتي مرفهاً ، خالي البال ، وامتلك ما يكفيه ويكفي ما يريد شراءه من كتب، بل ويكفيه كي ينطلق وهو في العشرين من عمره »19.7« إلي باريس . هناك عاش الحياة الباريسية الثقافية بطولها وعرضها .. تعرف علي جريدة « الاومانيتيه» » جريدة الحزب الاشتراكي ثم الشيوعي فيما بعد« وتلقن أفكار الاشتراكية والعدل الاجتماعي ، وهناك طالع - وربما لأول مرة - كتباً ودراسات عن مصر الفرعونية، وانسكبت في أعماقه حالة من العشق الفرعوني ، وكثيراً من الدهشة : كيف يهتم الغرب بدراسة آثار وأمجاد وحضارة الفراعنة، بينما يتجاهلها المصريون ؟ ومن باريس يعود مباشرة إلي الصعيد ليمضي هناك شهرين كاملين يتأمل فيهما أمجاد أجداده، ويضيف إلي هجائيته مبدأ جديداً .. الفرعونية .

هو الآن : مثقف ، موسوعي ، اشتراكي ، فرعوني .

ثم يتراكم حوله لوم الأقارب ، مادمت تقرأ وتدرس فلماذا لاتحصل علي شهاده ؟ويسافر إلي لندن بأمل أن ينتظم في دراسة أكاديمية ليحصل علي ليسانس الحقوق . لكنه لا يلبث ان يترك ذلك كله منغمساً من جديد في قراءات لا تنتهي، قراءات تتشعب في مختلف المجالات . فتسمح له أن يكتب مقالات شديدة التنوع : القهوة وتاريخها ، العلاقة بين الفرس والعرب ، الفولكلور ، الكلب وأثره في الأدب العربي ، السحر وتأثيره في العقل المصري ،الحزن عند المصريين ، الزواج وفوائده ، ويردد في ذلك كله وفي غيره افكاراً طالعها لمالتس وداروين ونيتشه وغاندي وسبنسر وهافلتوك وبرنارد شو ، وويلز وعشرات آخرين من الفلاسفه والمفكرين.

ويتسلح سلامة موسي بوقت وافر، ومعرفه وثيقة بالفرنسية والانجليزية، وقدرة علي العيش الهانئ، فينطلق ليقدم لمصر أول نموذج - وربما آخر نموذج - لموسوعي مصري فتح نوافذ الفكر المصري علي مختلف مجالات المعرفة الانسانية..

وبينما هو في لندن لنضم إلي جمعيتين « جمعية العقليين» وفيها تعرف علي داروين وسبنسر ، و « الجمعية الفابية» وفيها تعرف علي النكهة الفابية في الفكر الاشتراكي ، وتعرف علي برنارد شو وأصبحا صديقين . وكان أول ما جذبه إلي شو دفاعه عن ضحايا دنشواي .

ويواصل الفتي قراءات متعددة ، متناقضة ، متشعبة وتتمدد قراءاته حتي تصل إلي كروبتكين فترجم له فيما بعد « نداء الي الشباب».

الآن.. تجهز الفتي . علماً وافراً . معرفة موسوعية . متناقضة في بادئ الامر ، بل ومتخبطة . لكنه آثر أن ينطلق كجواد جامح في بحار المعرفة الانسانية ، وأن يسكب ذلك كله في ساحة الوطن . بأمل أن يفتح مغاليق العقل المصري علي كل روافد الفكر .. صحيحه وخاطئه.

البداية .. نيتشه

وكان أول كتاب يصدره « مقدمة السوبرمان » » 191.« وكان في الثالثة والعشرين من العمر . وفيه ردد مزيجاً مثيراً للدهشة من أفكار نيتشة وأفكار ماركس.فهو يردد فيه أفكاراً عنصريه ، ناصحاً المصريين أن يتزوجوا من أجنبيات حتي يحسنوا نسلهم ، وفيها يؤيد سيادة الرجل الابيض علي الزنجي « فالزنجي كان منذ مائة عام فقط يأكل أخيه الانسان ، ومن المستحيل أن تكون مشاعره كمشاعرنا مهما طلي نفسه بآداب السلوك»

والانسان السليم والقوي هو الذي يستحق ان يعيش او علي الأقل هو الذي يسمح له بأن ينجب أطفالا.. « فالرقي الذي نجده في كفايات الحيوان إنما لأنه يقوم بقتل الضعيف أولا بأول، فلا يبقي غير الأقوي الذي ينسل نسلا علي غراره، حاصلا علي كفاياته. والانسان كالحيوان، لكنه يختلف عنه من حيث إن نسله العاجز يعيش ، فالغزال الأعرج يموت ، والأسد البطيء يهلك جوعاً في الغابة ، ولكن الانسان الأعرج يعيش بالصدقة، والانسان البطيء يعيش بأي عمل هين » ولهذا فهو يطالب بأن « نقصر الزواج علي الفئات السليمة في الأمة، ويمكن أيضاً اللجوء إلي التعقيم الاختياري »(ط3-ص9).

ثم يقدم طاقماً من أفكار غريبة لعلها أيضا انعكاساً للنيتشوية

« فالاخلاق يجب أن تكون حرة ،لأن حرية الاخلاق تدعو إلي انقراض الفاسد منها وبقاء الصالح .. وليس من مصلحة الانسان ان يعيش في قفص من الواجبات الاخلاقية ، لأن من طبيعة الاخلاق الفاسدة انها تقتل صاحبها ، فلنترك السكير يسكر كما يشاء لأن سكره ينتهي بموته المبكر ، ولنترك النهم يشره إلي كل طعام فإن معدته تسوقه إلي قبره»

وفي « مقدمة السوبرمان » يقدم أيضاً تصوراً مثيراً للدهشه حول الدين فهو ينتقد « الأديان الراهنة لأنها تتدخل في أمور العالم وتعرقل سير الترقي .. لأن الرقي يقتضي التغيير ، ولا تغيير بغير بدعة جديدة. ولكن الأديان للصفة المقدسة التي تتصف بها تقف جامدة لا تقبل تغييراً فتعمل بذلك لجمود الأمة » ثم « والدين إذا خرج من دائرة علاقة الإنسان بالكون ، وأخذ يقرر أصول المعاملة بين الناس من تجارة وزواج وامتلاك وحكومة ونحو ذلك فإنه عندئذ يقرر الموت لكل من يؤمن به » لكنه مع ذلك يؤكد وبوضوح تام « أن الدين ضروري لكل أمة ولكل فرد .. ولا يمكن ان يعيش الانسان بلا دين لأنه مادام قد شرع يفكر في الكون زماناً ومكاناً فقد شرع يفكر في الدين . ومن ينظر الي السماء في ليلة صافية ، ويتأمل في أبعاد النجوم والكواكب يعجب كيف يمكن لانسان ان يجزم بهذا المذهب او بذاك عن أصل هذا الكون ونهايته»(ص21)

وفيما بعد كتب سلامة موسي مقالا عن ويلز بعنوان « أديب ينشد ربه » يتحدث فيه عن دين جديد يؤمن بوجود الله ، لكنه إله « لا وجود له من حيث المادة او الفضاء ، لكن له وجوداً زمنياً كوجود التيار الفكري. وهو ينمو بنمو الانسان ، .. يتطلع بأعيننا إلي هذا الكون ويعمل بأيدينا فيه ، وكل مالنا من حقائق ، وكل مالنا من قصد أو عمل عظيم يجمعها في نفسه .. فهو الذاكرة الانسانية التي لا تموت وهو الإرادة الانسانية الدائبة في الازدياد .. وليس للديانة الجديدة و حي وليس لها مؤسس .. ومن ينشدها ينشد حقيقة لا يرشده اليها غير ما في نفسه من القداسة»(مختارات سلامة موسي . ط.2ص22).

وفي خضم ذلك كله يتحدث في مقدمة السوبرمان عن الاشتراكية فيقول: « والعلمانية نزعة أوربية تشمل جميع الأمم المتمدينة تقريباً .. وهذه النزعة هي علة نزعات أخري منها الاشتراكية التي انتهت في أوروبا بالشيوعية، وليس في العالم قطر متمدين إلا وبه حركه إشتراكية تدل علي أن العالم يتجه نحو نظام إشتراكي . إن لم يكن في جميع صناعاته ففي نحو النصف او الثلثين »(ص6)

فابية أم .. تقية ؟

والحقيقة أن قراءات واسعة متعددة الجوانب لابد لها أن تنعكس علي فكرته عن الاشتراكية، فهو يصوغ إشتراكيته مغلفة او مغموسة في بحار هذه القراءات المتعددة الاتجاهات والمتلاطمة الامواج.

ويحاول البعض ان ينسب فابية سلامة موسي الي إنتسابه الي جماعة الفابيين . لكنني أعتقد ان مكونات عديده افرزت هذا النمط من «الفابيه» .. اولها هذا الفيض من القراءات المتنوعة والمتعاكسه ، وهناك أيضا خوفه او عدم رغبته في التصادم » ثمه قصة رواها صديق له : كان عائداً في إحدي رحلاته من اوربا عام 195. ، وكان يقرأ كتاب رأس المال لماركس في السفينه وكان لقلقه وخوفه من وجود جواسيس حتي علي السفينة يلقي في البحر بكل ورقة يقرؤها بمجرد الانتهاء منها» (محمود الشرقاوي- سلامة موسي المفكر والإنسان - ص44.).

وهناك كذلك المهرب التقليدي من ضغوط الأمن خاصة في زمن الاحتلال: فهو فابي تماماً مثل حزب العمال البريطاني الذي كان يحكم أحياناً في هذه السنوات، وربما كان في الأمر إحساساً بأن الفكرة الاشتراكية الصافية يصعب تقبلها من جانب العقل المصري الذي كان سلامة يمتلك عليه ملاحظات سلبية كثيرة .

وبإختصار سأورد بعضا من كتابات سلامة موسي عن الاشتراكية فليقرأها القارئ واضعاً في اعتباره كل هذه العوامل متفاعلة معاً.

وفي مقدمة كتابه « الاشتراكيه» (1913) يقول : « يدعوني إلي كتابة هذه الرسالة الوجيزة كثرة السخافات والغباوات التي تحكي عن الاشتراكية .. فغرضي الأول منها تنوير الرأي العام عن ماهيتها » ثم يقول « ولست طامعاً ان تعد هذه الرسالة دعوة للجمهور إلي الاشتراكية ، ولا أن تكون سببا في تأليف حزب او جمعية ، ولكني أطرحها أمام الجمهور عسي أن تكون خميرة تختمر بها الافكار إلي حين تستعد البلاد للاشتراكية » (ط2-ص5).

لكنه وأيا كانت المبررات فإننا لانجد مفراً من القول بسذاجة الفكرة الاشتراكية عند سلامة موسي. ونقرأ له : « وعندنا الآن من الاعمال التي تعملها حكومتنا ما هو اشتراكي النزعة مثل مصلحة السكة الحديد الاميرية .. فإن هذه المصلحة تدارالآن لفائدة الأمة و يجمع الفائض من إيراداتها ويصرف علي مرافق الأمة»(ص21)

ثم: « وعندنا أيضا بلديات كثيرة توزع المياه والضوء علي سكان المدن، وتنشئ المتنزهات العمومية ، وتؤلف الجوقات الموسيقية للذة الجمهور» (ص22).

واذا كان الأمر كذلك « فإن غاية ما يطلبه الاشتراكي ان تتدرج البلدية من امتلاك المياه والضوء كما هو حاصل عندنا الآن إلي امتلاك الأراضي والمعامل والمناجم وتديرها كما تدير هذه السكك الآن » (ص21)

وحتي ذلك يطلبه الاشتراكيون «علي سبيل التدرج الوئيد لا الطفرة السريعة ، وكل خطوة نخطوها نحو الاصلاح الاشتراكي تكون مصحوبة دائماً ، بل ومتوقفة علي درجة التنوير السارية في الأمة» (ص 22)

أما الريف فقد أعد له سلامة موسي برنامجاً مثيراً « فبدلا من أن يحكم القرية عمدة ليس لأهلها رأي في تعيينه يحكمها مجلس منتخب .. ويعين هذا المجلس خفراء القرية وقاضيها ومهندسها وطبيبها .. وتؤسس المدارس الزراعية العالية فلا يشتغل في الارض إلا من نال شهادة منها» (ص2.) واشتراكية سلامة موسي لا تعرف الثورة ، ولا تقبل بها .. فهو يعدد اعتراضات البعض علي الاشتراكية ويقول: « ومن الاعتراضات أيضا القول بأن الاشتراكيين ثوريون ينوون الاستيلاء علي الحكومة عنوة ويعملون بعد ذلك علي مصادرة الأملاك ومطاردة الاغنياء ، فان هذا الكلام أولي أن ينسب إلي تخبط المعتوهين منه إلي تفكير العقلاء ، وجهاد الاشتراكيين في الانتخابات البرلمانية دليل علي أنهم يدخلون البيوت من أبوابها .. ويريدون الوصول إلي أغراضهم بالوسائل الشرعية (ص28)..

أما موقف الاشتراكية من الدين فيقول عنه « ومن الاتهامات أيضاً ان الاشتراكيين ضد الدين ينوون إلغاءه عندما يستولون علي أزمة الحكومه وهذه فرية لا أساس لها .فإن الاشتراكية تضم بين دعاتها المؤمن والمعطل ، والمسيحي والمسلم واليهودي علي السواء . وهي قبل كل شيء نظام مالي لا دخل له في الدين » (ص28)

وهكذا وكما أن ماء البحر لا يمكن فصل مائه عن ملحه الا بعملية تبخير . فإن إشتراكية سلامة موسي تحتاج الي عملية تحليل متأنية حتي يمكن فهمها في إطار الظرف الموضوعي لعام 1913 .

السياسي

.. وفي أغسطس 1921 يعلن الحزب الاشتراكي المصري، ويكون سلامة موسي واحداً من أربعه وقعوا بيان تأسيسه .

ولكن سلامة موسي كان من فرط فابيته يسعي لتأسيس جمعية وليس حزباً ، فينشر في الاهرام مقالا يقول فيه «إجتمع عدد غير قليل من الاشتراكيين المصريين، وأكثرهم من الذين عاينوا بأنفسهم النضال القائم في أوربا بين رأس المال والعمل ،وقر رأيهم علي تأليف جمعية تضم شملهم وتمكنهم من المذاكرة في زرع هذا المذهب وتطبيقه علي الاحوال المصرية- الأهرام 18/8/1921 » . وعندما تعثرت المفاوضات بين مؤسسي الحزب، كتب سلامة موسي إلي الاهرام : « ومالم يتم الاتفاق حول تأسيس الحزب فإننا سنؤلف جمعية غايتها الدرس أكثر من السياسة » (الأهرام 17/8/1921).

ولكن الأربعة الذين أصدروا بيان التأسيس تركوا مسألة السكرتير العام مفتوحة، فأسرع الأهرام ليقول أن د. علي العناني هو السكرتير العام. فنفي علي العناني ذلك.. ونفي ذلك أيضا سلامة موسي فوجه إلي الأهرام رسالة يقول فيها: «ولما كنت واقفا علي حقيقة الحال أعلن للقراء أن الدكتور العناني ليس سكرتيرا» (الأهرام 17/8/1921).ولكن الاأربعة الذين اصدروا بيان التأسيس تركوا مسألة السكرتير العام مفتوجة، فأسرع الأهرام ليقول ان د. علي العناني هو السكرتير العام. فنفي علي العناني ذلك.. ونفي ذلك ايضا سلامة موسي فوجه إلي الأهرام رسالة يقول فيها: « ولما كنت واقفا علي حقيقة الحال أعلن للقراء أن الدكتور العناني ليس سكرتيرا» الأهرام 17/8/1921.

وفيما يبدو أن سلامة موسي كان يري أنه الأكثر جدارة بهذا الموقع، فاسرع لينشر « نداءً الي الأمه المصريه» يناشد الشعب المصري وجمعيتي الهلال والصليب الاحمر جمع تبرعات للشعب الروسي الذي يعاني من المجاعة» ووقع النداء « سلامة موسي - سكرتير الحزب الاشتراكي المصري ». لكن التوجهات الفابية الصارخة كانت تحول بين سلامة موسي وموقع السكرتير العام لحزب يتأهب كي يصبح شيوعياً. وما أن يقرر الحزب إنتمائه للتوجه الشيوعي حتي ينسحب سلامة موسي من الحزب ، وكالعادة نشر بيانا في الاهرام تحت عنوان « عام في الاشتراكية » قال فيه « منذ عام تقريباً تألف بالقاهرة حزب اشتراكي معتدل المذهب يسير علي خطة نيرة رشيدة يقوده زعماء أكثرهم تربي في آوربا و شاهد بعينه الحركة الشيوعية في إقبالها وإدبارها ، وغلوها واعتدالها وكلهم مع ذلك وطني يعرف أن مصر لم تبلغ بعد الدرجة التي تستطيع فيها أن تهمل الرابطة الوطنية مستعيضة عنها بروابط أخري شعبية أو اجتماعية .. لهذا السبب أراد مبتدئو الحركة في مصر أن تكون صبغتها مصرية بحتة تتكيف بتكيف المزاج المصري ولا تنقل عن أوربا نقلا . كما أرادوا أن ينهجوا نهج الاعتدال والثقة في خطتهم بحيث لا يجد ولاة الأمور مجالا للتخوف أو الشدة في سيرهم » ثم .. « إني أعتقد أن الاشتراكية لن تفلح عندنا حتي يرضي بها المتوسطون - إن لم أقل الاغنياء - قبل العمال لانهم الطبقة المستنيرة التي تستطيع فهم مبادئها» وأخيراً« إن الثورة في بلاد مثل مصر مقضي عليها بالفشل ، ولو نجحت لكان نجاحها شراً من الفشل» (الأهرام- 4/3/1923).

وينسحب سلامة موسي من الحزب .. ومن ميدان السياسة ، إنسحاباً نهائياً لارجعة فيه .

ومع ذلك فقد ظل سلامة موسي ملاحقا.. كشيوعي. نقرأ في المجلة الجديدة تعليقا علي كتاب صدر بغير توقيع يحمل عليه حملة شديدة فيقول : «وتعليقا عن كاتبه في إدارة المطبوعات فعرفت إنه ابن أخ رشيد رضا الصحفي السوري المعروف، الذي وفد علي بلادنا كما تفد الطواعين وخص نفسه بشتم الشبان المصريين واتهامهم بالإلحاد والشيوعية» ويورد سلامة موسي بعضا من الشتائم التي حشدها صاحب الكتاب ضد سلامة موسي، ويقول : «وهكذا بحيث تحتاج إلي أن تغسل يديك عقب قراءة هذا الكتاب، وقد تناولنا هذا السوري السافل بتهمة الشيوعية والدعاية لها.. فوضع نفسه بالوضع الذي يستحقه..وهو وضع الجاسوس» (المجلة الجديدة - يوليو 193.). وفي عام 1946 قبض علي سلامة موسي ووجهت له تهمة ظل يتحاشاها طوال حياته.. فقد اتهم بالشيوعية.

المثقف والأديب

لعل الكثيرين لا يعرفون أن سلامة موسي هو الذي اشتق من اللغه لفظ « ثقافة» و « مثقف » وقد إشتقه من الجذر اللغوي « ثقف» وفي المعجم « ثَقَفَ السهم أي جعله مدبباً قادراً علي إصابه الهدف» وهكذا تكون « ثقافة» هي تهيئة العقل ليكون قادراً علي إصابة المعرفة والتوصل إليها».

وهو اشتقاق بالغ الذكاء .. والي سلامة موسي يرجع الفضل في استخدامنا هذا الاشتقاق اللغوي.

والمثقف عند سلامة موسي موسوعي المعرفة فهو لا يقف عند مساحة معينة من إصابه المعارف .. بل يحاول أن يتجول في بحار المعرفة سعياً وراء النهوض بالعقل .. والتنوير .

أما الأدب عند سلامة موسي فهو « أدب هادف » فهو يهاجم أدباء عصره « لأنهم خانوا الأمانة وجعلوا الأدب لعبة سخيفة، ورياءً كاذباً، ومكراً سيئاً فكانوا يمدحون السلطان عبد الحميد في الوقت الذي كنا ننتظر منهم أن يعلنوا استبداده ، وكانت تنشر لهم دواوين لحمتها وسداها تمجيد عظماء المال والجاه »( مختارات سلامة موسي - مقال الأدب في نقد الحياة - ص1.).

وفي مقال آخر يقول : « وأدباؤنا ليس لهم غايه ، فان الانكباب علي الصنعة قد استغرق جهودهم ولم يترك لهم من الوقت سعة لدرس الفلسفة او الاجتماع او العلوم » (مختارات سلامة موسي- مقال القديم والجديد في الأدب- ص 45).

الصحفي

.. ويعمل سلامة م وسي بالصحافة . يكتب كثيرا.. بل وكثيرا جدا، يصدر مجلته الخاصة «المجلة الجديدة» ويفتح لنفسه مساحة واسعة من التعبير الهادئ والماكر في أحيان كثيرة.

وكان سلامة موسي هو صاحب الاكتشاف الماكر.. ان ينشر رسالة من قارئ مجهول تتضمن سؤالا ماكراً.. ويجيب عليها.

مثلا نشرت المجلة الجديدة تحت باب «أسئلة القراء ». «الاسكندرية - مصر .ع.م ما الفارق بين هذه الألفاظ الاشتراكية - الفاشية - البولشفية - الشيوعية » ويجيب سلامة موسي : الاشتراكية هي التدرج بالطرق البرلمانية القانونية الي جعل العقارات المغلة التي تحتاج لاستخدامها إلي استخدام عمال كالأرض والمصانع والمناجم ملكا للأمة - اما الشيوعية والبولشفية فكلتاهما مسمي لشيء واحد، وهي تشابه الاشتراكية في النتيجة ولكنها تختلف في الوسيلة لانها تعتمد علي الثورة والانتفاض كما حدث في روسيا» (المجلة الجديدة - العدد 1.- المجلد 1- أغسطس 193.-ص1287).

وينشر سلامة موسي دراسة ممتعه عن «مكسيم جوركي» الذي اسماه «اديب الصعاليك» (المجلة الجديدة - يوليو 193.).

ونعود مره أخري إلي الأسلوب الماكر فتنقل مجلته عن مجلة أجنبيه حديثا لها مع العلامة أينشتين يقول فيه:

« س : أليست آسيا هي أم الأديان ؟

جـ : يبدو انهاالكنز العظيم للافكار ، بل لقد عرفت ان الشيوعية نفسها قد جربت في آسيا قبل آلاف السنين.

س : هل تظن ان العالم الغربي سيمر في طور شيوعي ؟

جـ: اذا حدث هذا فإني لا أدهش.

س: وكيف تكون حياتك في هذا النظام؟

جـ : تكون لا بأس بها .

س: هل توافق لينين علي أن الحرية الاقتصادية من أوهام الاغنياء والطبقات المتوسطة؟

جـ . ربما كان لينين صادقاً. فالحرية الكاملة لاتتفق والحضارة . فإذا كنت لا أحب ان يدوسني أحد ، فإني أضطر إلي الخضوع لانظمة تحد من حريتي ، وكلما زاد رقي الأمه زادت تضحيات الفرد وهذه التضحيات هي ثمن الحضارة» (المجلة الجديدة- ابريل 193. -ص746)..

وفي المجله الجديده نقرأ سؤالا حاداً كسكين « من يملك مصر؟» وتكون الاجابة أكثر حدة « المصريون لا يملكون مصر ، وإنما يملكها من يمتلك الارض الزراعيه فيها وهم 122ر.97ر2 مالكا. وسائر الامة الذي يبلغ 13 مليونا لايملك شيئا من هذه الارض . والأغرب من ذلك أن يملك نصف الثروة الزراعية في مصر أقل من ...ر3 فرد» (المجلة الجديدة- سبتمبر 193.).

وتنشر المجلة الجديده مقالا عن الملكية الزراعية يقول « إن أكثر من 15% من كبار الملاك هم من الأجانب ، وأكثرهم سلب أملاكه بطريق الربا الفاحش» ويتحدث المقال عن نظام الملكية المشاعة الذي حققته روسيا في كثير من أراضيها مؤكدا « ان الملكية المشاعة سبقت من الناحية التاريخية الملكية الشخصية، فالأرض في العصور التاريخية الأولي كانت ملكا مشاعاً لجميع الناس ، يستثمرها من يشاء ثم يقول «إن الامتلاك الفردي للأرض يؤدي إلي إنتشار الجوع . والعلاج الوحيد هو جعل الأرض ملكاً مشاعاً . فالامتلاك الفردي مناف للطبيعة. فكما ان لجميع الناس حقوقاً متساوية في الهواء والضوء ، كذلك يجب ان يكون لهم حقوق متساويه في الارض» (المجلة الجديدة - ابريل 1934-ص43)..

ويهاجم سلامة موسي احتكار الشركات الغربية للتجارة مع مصر ويقول : « ومما زاد هذه الشركات طغيانا ثقتها بأن الحكومه المصرية تقاطع روسيا ، ، وتكره الاتجار معها ، والحقيقه انه لا يوجد ما نخشاه من الاتجار معها. كأن نستورد منها البترول بثمن منخفض مقابل تصدير القطن اليها مثلا » (المجلة الجديدة - ابريل 193.-ص111).

وهكذا نجد أنفسنا امام صحفي ينفذ من ثقب الابرة ملحاً في نشر أفكاره .. وهي الدعوة للاشتراكية .

وتتقلب الاحوال .. يتغير الزمان .. وما يتغير سلامة موسي ، يظل يكتب ويكتب كلما أتيحت له الكتابه حتي في صحف أخبار اليوم .. ولكنه في كل حين يكون قادراً علي ان يفلت ما يريد، وإن غلفه غلافاً سميكاً.

في العمل العام

وواصل سلامة موسي وبشكل دائم تواجده في العمل العام المصري. جعل من جمعية الشبان المسيحية مرتكزا لنشاطه .. وجمع حوله هناك صفوفاً لاتنتهي من تلاميذ ومريدين ينهلون من فيض معارفه. وأسس «المجمع المصري للثقافة العلمية» وأسس « جمعية المصري للمصري » التي دعت لدعم الصناعة الوطنيه، واستلهمت نموذج «غاندي» في الاعتماد علي الذات وعلي المنتج المحلي .. ويصيح سلامة موسي في بيان نشره بالصحف «أيها الشباب المصريون كفوا عن معاملة الاجانب، لا يشتر أحد منكم شيئاً الا من صانع أو تاجر مصري، لأنه بهذا وحده يمكننا أن نحقق استقلالنا» .. وسلامة موسي هو صاحب فكرة إنشاء «شركه بيع المصنوعات المصرية » فقد كان يغضب كل يوم مرتين وهو يمر في « شارع فؤاد» سائراً علي قدميه ذاهباً او عائداً من جمعية الشبان المسيحية لأن هذاالشارع الذي يمثل شريان الحياة التجارية لايوجد فيه متجر مصريا واحدا. وظل يلح ويكتب ويجري اتصالات شخصية حتي أقنع المسئولين في بنك مصر بافتتاح شركه بيع المصنوعات المصريه .. وتشجيعا لها تبرع لها سلامة موسي بألف جنيه وهو مبلغ كبير بمعايير هذا الزمان.

ويظل سلامة موسي ممسكا بقلمه ، مستغلا كل ثقب إبره يمكن أن تنفذ منه كلماته ..

يظل يكتب ويكتب .. فالكتابه كانت حياته وطموحه وأمله وعذابه ومحرابه، ظل يكتب حتي آخر نسمة من حياته. ويرحل دون أن يتحقق حلمه الكبير..

لكن كتاباته المبدعة والموسوعية تظل تراثاً ثميناً لفكرنا.. تراث يندر أن يتكرر، أو أن يكون له مث

 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى الورقية  تصدر صباح الأربعاء  وتصدر على الانترنت صباح كل خميس-  ويصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 -يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون  الاشارة الى الجريدة