|
الفتح العربي الإسلامي لمصر عام 21 هـ
اكتست الشخصية المصرية صورتها النهائية بملامحها الخاصة
وقسماتها المميزة. إذ لم يكن هذا الفتح غزوا كالذي شهده
التاريخ المصري من قبل، بقدر ما كان نقلة حضارية أسفرت عن
تعريب المصريين، وفي الوقت ذاته تمصير سكانها من العرب
الذين استقروا بها بعد الفتح، وهجرة الكثير من القبائل
العربية لتتخذ من مصر وطنا. لقد
وقع الامتزاج العرقي بين الدم العربي والمصري، بصورة لم
تحدث من قبل في عصور الاحتلال الفارسي واليوناني والروماني
والبيزنطي، حيث حافظ المصريون علي مقومات شخصيتهم الوطنية،
كما ذكرنا سلفا.
كما أصبحت اللغة العربية لغة
المصريين إلي حد أداء الشعائر
الدينية المسيحية باللغة العربية التي أصبحت اللغة الرسمية
ولغة التفاهم اليومي في آن.. كما أصبحت لغة العلم والثقافة
إلي حد كتابة الأقباط تاريخهم الكنسي
بالعربية.
بديهي ألا يتم هذا الامتزاج الحضاري
دفعة واحدة، بل استغرق عدة قرون شهدت مصر إبانها قيام
أسرات حاكمة عربية وتركية وكردية ومملوكية تنتمي إلي أعراق
شتي قدر لها جميعاً أن تنصهر في بوتقة مصرية، قوامها
الموروث الحضاري المصري والوافد العربي الإسلامي.
أجمع
المؤرخون علي ترحيب المصريين بالفاتحين العرب، بصورة غير
مألوفة في موقف المصريين من الغزاة. كما أجمعوا علي
استعانة الفاتحين بالمصريين في الإدارة والمشاركة في
الجندية كمتطوعين، فضلا عن إقرار مباديء الإسلام بصدد
المؤاخاة وحرية حيازة الأرض والعدالة الاجتماعية في كثير
من العصور ناهيك عن إتاحة الحرية الدينية إلي حد كبير.
هذا فضلا عن اضطلاع المصريين
بالنشاط الاقتصادي وإسهامهم في الحركة العلمية والثقافية،
بما كفل لهم الإسهام الإيجابي في بناء صرح الحضارة العربية
الإسلامية.
ولم لا؟ وقد
اختص القرآن الكريم مصر بالذكر كبلد آمن، واعتبر الرسول
(صلي الله عليه وسلم) أهلها «خير أجناد الأرض» وأوصي
الصحابة بأقباطها خيراً.
وفي ذلك تفسير لدور مصر في الاضطلاع
بأعباء الفتوح الإسلامية في بلاد المغرب والأندلس تطبيقا
لحكم الرسول (صلي الله عليه وسلم) بأنها «أرض رباط إلي يوم
القيامة» كما كانت قنطرة عبور وجسر تواصل حضاري بين مشرق
العالم الإسلامي ومغربه، بفضل موقعها الجغرافي ومكانتها
الحضارية التليدة.. وبفضل
نيلها العظيم وأرضها الزراعية الخصبة. أصبحت بيدر القمح
لمسلمي شبه جزيرة العرب. وبفعل
ثرواتها المتعددة المتنوعة، عزت من أهم موارد بيت مال
الخلافة.. لذلك أسهمت بعد الفتح في الأحداث السياسية
الكبري في عصر الراشدين، كما اختصها الخلفاء باختيار معظم
ولاتها من أفراد الأسر الحاكمة، أو من القواد الأكفاء.
ونيط بعض هؤلاء الولاة بإدارة أمور الحكم في بلاد المغرب
والأندلس.
كما استوطنها الكثيرون من الصحابة
والتابعين، ووجد فيها «آل
البيت» مستقرا آمنا.
وعلي الرغم من وجود الأحزاب السياسية
الدينية بمصر - كسائر الولايات - ظل المصريون محافظين علي
إسلامهم المعتدل ولعل ذلك - وغيره كثير مما لا يتسع له
المقام - كان من أسباب تغني المؤرخين والجغرافيين بمآثرهم
وفضائل أهلها، إلي حد اعتبارها «فرضة الدنيا». بل اختصت
مصر بنوع خاص من الادب التاريخي، عرف باسم «أدب الفضائل»
الذي برع فيه الكثيرون من المؤرخين من أمثال «الكندي»
و«ابن زولاق».
كما لا يستع المقام أيضا لذكر إسهامات
علمائها وفقهائها وأدبائها في مجال العلوم الدينية
والدنيوية في آن. وحسبنا
الإشارة إلي «مدرسة الفسطاط» التي نافست في هذا المجال
مدارس حواضر الخلافة كدمشق وبغداد.
لذلك، وجد الطامحون إلي الحكم في
مقدراتها عونا للاستقلال بها عن الخلافة، كما هو حال
الطولونيين والإخشيديين والفاطميين والآيوبيين، كما جري
إحياء الخلافة بها في العصر المملوكي بعد سقوط الخلافة
العباسية علي يد المغول عام 656هـ.
وأصبح
من يستقل بحكمها قادرا علي تكوين إمبراطورية تضم الشام
وشبه الجزيرة العربية وبلاد النوبة. كما نيط بمصر مواجهة
الغزاة الطامعين في العالم الاسلامي برمته، كما هو الحال
مع الصليبيين والمغول.. علي أن
مكانة مصر الخاصة جعلتها مطمعا للغزاة والطغاة باعتبارها
«البقرة الحلوب» التي استنزفوا لبنها ثم دماءها. ولاقي
الشعب المصري عنتا وعاني الكثير من المظالم.
وهو ما شهد به بعض المؤرخين
الذين اعتبروا «مصر سفينة وأهلها مساكين يعملون في
البحر»..!! ناهيك عن التمايز
العنصري من قبل حكام أجانب من الفرس والترك والأكراد
والمماليك ذوي الأصول العرقية المتعددة.
كما
عاني الأقباط من جراء التعصب الديني في عهود بعض الولاة
والحكام. إذ جري هدم الكنائس وتحطيم الصلبان واختصاص
الأقباط بزي خاص.
بل لم يتورع هؤلاء عن تحريم
ركوب الخيول علي الأقباط، أو رسم القرود والخنازير علي
أبواب دورهم.
ففي العصر الراشدي، كان بعض الخلفاء
يبالغون في جباية الضرائب والمكوس، خصوصا ضريبة «الرأس» -
الجزية - التي جري فرضها أحيانا علي الأقباط حتي بعد
إسلامهم. أما الخراج - المفروض
علي الأرض الزراعية - فقد ضوعفت مقاديره. واختص بعض خلفاء
الأمويين بإقطاعات شاسعة، فضلا عن أخري لأفراد البيت
الحاكم والولاة وقواد الجيش وكبار رجال الإدارة، علي الرغم
من فتح معظم أرض مصر صلحا، بما يلزم أن تظل الأرض مملوكة
لأصحابها المصريين ناهيك الضرائب الأخري من مكوس وعشور..
فضلا عن السخرة القسرية.
لكن يقتضي الإنصاف التنويه بأن بعض
الخلفاء وولاتهم راعوا مباديء الشريعة في العدل والتسامح،
كما هو حال عمر بن عبدالعزيز الذي لم يدخر وسعا في مساءلة
وعزل الولاة والعمال الجائرين.. وأقر حرية الاعتقاد، ورفع
الجزية علي من أسلم من الاقباط، فضلا عن رجال الدين
المسيحي والرهبان والعجزة والنساء والأطفال.. وخالف جده
«معاوية بن أبي سفيان» الذي اعتبر المصريين عديمي الآدمية،
فنعتهم بأنهم «ليسوا بناس»!! كما خفف عمر بن عبدالعزيز
الضرائب الشرعية وألغي المغارم الجائرة لأن «الله بعث محمد
صلي الله عليه وسلم هادياً لا جابيا». كما قام الخلفاء
العباسيون الأوائل بتحقيق مبادئ الإصلاح والعدل والمساواة
التي طرحوها إبان مرحلة الدعوة.
علي أن الإنصاف يقتضي بالمثل ما تعرض
له ال هذا المقال - بتبيان صور المقاومة الشعبية في مصر
إلي نهاية عصر ا فقط شاركت عناصر عربية في حركات المقاومة
إلي جانب الأقباط ومن أسلم من المصريين.
اندلعت المقاومة خلال
عهود ولاة بني أمية، الذين
طبقوا سياسة الإجحاف الاقتصادي والتعصب العرقي والاضطهاد
الديني، استجابة لمشيئة الخلافة.
إتخذت المعارضة صوراً متعددة. منها ما
درج عليه الفقهاء بدفع الضرائب علي محاصيل الأرض الواقعة
في زمامها.
وإذ لم يجد أسلوب المقاومة هذا، عول
الكثيرون من الفلاحين علي واحد.
منها أيضا
إقبال الأقباط عل
وبعد
وفاته، عادت سياسات التغريم إلي سابق عهدها مم الأوائل
بمهمة «الإصلاح الزراعي»، إلا أن تلك السياسة لم تنفذ في
مصر بصورة مرعية، نظرا لفساد ولاتها من الفرس ثم الأتراك.
لذلك ناصر المصريون حركات العلويين في مصر تعاطفاً مع آل
البيت من ناحية، وأملا في الخلاص من النظام من أخري.
وإذ فشلت هذه الحركات وقمعت بوحشية،
إندلعت ثورة فلاحية سنة 216 هـ بإقل ورشيد، وهي التي عرفت
باسم ثورة البشمور إذا اعتصم الثوار بالأحراش والمستنقعات
هربا من سطوة الجيش العباسي. لكن
الخليفة «المأمون» تمكن كذلك من قمعها والإثخان في الثوار.
ومع ذلك، إنضم المصريون إلي بعض
الحركات العلوية بالإسكندرية والوجه البحري، لكنها فشلت
بالمثل لافتقارها إلي المال والعتاد.
وظل الحال علي هذا المنوال حتي قيام
الدولة الطولونية بوحشية وعنف، سواء إبان العصر الطولوني
أو الإخشيدي.
خلاصة القول، أن المقاومة الشعبية
اندلعت في مصر لأسباب إقتصادية إجتماعية، وليس لعوامل
قومية وطنية، كما ذهب بعض المؤرخين. |