يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1377-14 مايو 2008
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربي ودولي <<
الرأي <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالي <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 
 

 

 
 
 

لا مفر من نظرية المؤامرة

 
 

 د. أيمن بكر

 

 

 

لست ممن يحبذون نظرية المؤامرة في تفسير الأحداث، لكنها أحيانا تفرض نفسها، وأشعر بأن لا مفر من استخدامها. وكأي كائن بشري ضعيف أستسلم لنظرية المؤامرة حين تزداد مبرراتها.

في الأيام الأخيرة فاجأ رئيس مصر الجميع بقرار رفع الرواتب بنسبة غير مسبوقة 30%، صحيح أن هذا الرقم مخادع إلي حد كبير فنسبة الثلاثين في المائة يتم منحها علي "أساسي" الراتب، الذي غالبا ما يكون هزيلا جدا، لكنها تظل زيادة غير مسبوقة. وفي الوقت نفسه طلب الرئيس من الحكومة أن توفر موارد حقيقية لهذه العلاوة التي بدت للجميع مفاجأة حتي الحكومة. الموارد الحقيقية تعني ألا تلجأ الحكومة إلي طباعة ورق بنكنوت يزيد من معدلات التضخم التي تخطت 15% في الشهور الأخيرة، وكانت الترجمة الوحيدة أمام الحكومة لمسألة الموارد الحقيقية تلك هي زيادة غير مسبوقة أيضا في أسعار الوقود والمواد الأساسية لصناعة الأسمنت، وتحرير سوق الأسمدة (وهو ما يعني زيادة أسعارها)، ورفع الدعم عن المدارس الخاصة، وعن المصانع التي تستخدم الغاز الطبيعي بكثافة، وزيادة رسوم تسجيل السيارات، ورفع الضريبة العقارية.

ترتيب الأمور كما تريد لنا وسائل الإعلام الرسمية أن نفهمه هو كالآتي:

1- قرر الرئيس الإنسان بصورة مباغتة - نتيجة لإحساسه المرهف بمعاناة شعبه من ارتفاع الأسعار العالمي (أي الذي لا دخل له ولا لعماله الذين يعينهم كوزراء ومحافظين ورؤساء مؤسسات كبري)- قرر أن يرفع رواتب العاملين بالدولة بنسبة كبيرة؛ حتي يستطيع محدودو الدخل أن يواجهوا احتمالات الجوع التي تقف علي أبواب ما يزيد علي 41% من الشعب المصري يعيشون تحت خط الفقر.

2- فوجئت الحكومة المجتهدة بهذا القرار وعلي الفور استيقظ جميع أفرادها من سباتهم العميق مواصلين الليل بالنهار لتنفيذ قرار الرئيس.

3- توصلت الحكومة خلال يومين إلي المصادر المناسبة لتوفير الزيادة في الأجور وهي كما ذكرنا، زيادة في أسعار سلع أساسية كالوقود (بنزين وسولار) الذي سيتسبب في ارتفاع سعر كل شيء يستخدمه محدودو الدخل بالذات.

يمكن أن نفهم تسلسل الأحداث السابق بوصفه حلا تلفيقيا من الحكومة علي طريقة "من ذقنه وافتل له"؛ أي توفير موارد يدفع ثمنها المواطن ليحصل علي العلاوة التي قررها الرئيس، ويمكن لأصحاب نظرية المؤامرة أمثالي أن يقفوا عند فكرة الرغبة في امتصاص الغضب الشعبي المتنامي من عجز النظام الشديد في مواجهة الأزمات العالمية، وهو ما تواجهه أنظمة أخري تتمتع شعوبها بالديمقراطية، التي تسمح بتغيير العاجز والبحث عن الأكفاء عبر صناديق الاقتراع. وإكمالا لهذا السيناريو سيكون امتصاص الغضب الشعبي متوافقا مع حلول الذكري السنوية لميلاد الرئيس الذي يريد أن يمر هذا اليوم دون وصمة ترتبط به، كالإضراب الذي أعدت له بعض القوي في مصر في ذلك اليوم.

لكن نظرية المؤامرة يمكنها أن تأخذنا لأبعد من ذلك، فمن الذي قال إن الرئيس فاجأ الحكومة؟ ومن الذي قال إن الزيادات الكبيرة في أسعار السلع الحيوية جاءت تالية لقرار الرئيس؟ أليس من الممكن أن تكون البداية من قرار الزيادة، ثم تكتمل القصة بقرار الرئيس؟ بعبارة أخري:ألا يكون من الأوفق (في ظل عدم الثقة التاريخي بين النظام والشعب المصري) أن تكون الحكومة الغارقة في العجز قد قررت رفع أسعار السلع الأساسية، ثم بحث عباقرتها عن صيغة تموه علي الشعب هذه الزيادة؛ فتزيد الرواتب أولا 30% ثم تزيد الأسعار بعدها في مختلف نواحي الحياة بنسب تتجاوز 40% ويكون الناتج النهائي هو زيادة كل شيء بنسبة 10% دون أي زيادة في الدخول؟.

نظرية المؤامرة هنا تتناسب مع أسلوب النظام المصري في معالجة مشاكله، فحين يكون معظم أفراد هذا النظام محدودي الكفاءة إلا في التمويه علي الناس، يصبح من الأنسب أن نلجأ لنظرية المؤامرة، خاصة في ظل القرارات التي تؤدي إلي نتائج عكس المتوقع منها.

ولعل ما حدث من تعديلات أخيرة في الدستور المصري توضح ذلك بجلاء؛ فقد التف صناع القوانين حول مسائل مؤرقة للنظام (من مثل الإشراف القضائي علي الانتخابات والذي فضح الشعبية الزائفة للحزب الحاكم) وعدلوا الدستور بما يخدم النظام ويزيد من قبضته الأمنية علي الحياة في مصر، ثم لم يتورعوا أن يعلنوا - بجرأة يحسدوا عليها- أن هذه التعديلات لصالح المزيد من حرية الشعب المصري ورفاهيته. نظرية المؤامرة هي الوسيلة الأنسب للتعامل مع النظام المصري، ويبدو أن مهمة المفكر المهتم بالشأن المصري الآن هو أن يحاول ملاحقة المناورات السياسية (الخطابية والإعلامية) التي يمارسها النظام علي الشعب، ليكشف عن التوجهات الحقيقية لهذا النظام المتهالك.

 
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى الورقية  تصدر صباح الأربعاء  وتصدر على الانترنت صباح كل خميس-  ويصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 -يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون  الاشارة الى الجريدة