في تحد واضح لموقف
اساتذة الجامعات من أوضاعهم وحقوقهم بعد سن
السبعين ترفض حكومة نظيف مطالبهم وتصدر
القانون من مجلس الشعب متجاهلة ما قدمته
مؤتمرات هيئات التدريس فيما يخص نظم التعيين
والاجور والمكافآت، وكانت اضرابات ومؤتمرات
اساتذة الجامعات قد رفضت مقترحات هاني هلال
وزير التعليم العالي الخاصة بزيادة المكافآت
عن طريق الحوافز وليس عن طريق زيادة الأجر
الاساسي، ورأوا في هذه الطريقة مساساً
بكرامتهم، وفتحاً لابواب المحسوبية عند
تحديد الحوافز، وطالبوا بتصحيح أوضاع
الاساتذة فوق سن السبعين، بالعودة للاوضاع
السابقة علي عام 2000 التي كانت تنص علي
حقهم في التعيين والرعاية الصحية، وتحفظ لهم
كرامتهم، لكن حكومة نظيف في تحد سافر
للاساتذة تقدمت بآراء هاني هلال لمجلس الشعب
وأصدرت القانون الجديد، واستطلعت الاهالي
رأي عدد منهم.
سلاح ضدنا
د. عمر السباخي الاستاذ
بهندسة الاسكندرية يقول أن صدور هذا القانون
من مجلس الشعب يخالف ما وافق عليه الوزير
هاني هلال مع اللجان التي سبق وشكلها،
ويخالف كل ما ردده الوزير في أجهزة الاعلام
المختلفة من ناحية الشكل، أما من ناحية
الموضوع فإن التعديل لا يعدو أن يكون صورة
طبق الأصل من المادة 123 من القانون 82 لسنة
2000، والتي ألحقت اضراراً عديدة وبالغة
بالاساتذة فوق سن السبعين علي مدي ثماني
سنوات، فالتعديلات الجديدة تعاني من نفس
العيوب، فمازال تعيين الاساتذة غير
المتفرغين مرهوناً بموافقة المجالس الجامعية
بما يهدد استقرارهم مادياً ومعنوياً، فترك
الأمر للمجالس الجامعية يمكن استخدامه كسلاح
للترهيب والترغيب، فلن يتم تعيين الاساتذة
الذين لهم آراء معارضة، ويؤكد الدكتور عمر
السباخي أن القانون الجديد سيجعل نظام
التعيين سلاحا ضدهم، وحينما تشكل وفد من
الاساتذة فوق السبعين لمقابلة شريف عمر رئيس
لجنة التعليم في مجلس الشعب، فلم يكن اللقاء
أكثر من جلسة استماع بدون أي نتيجة ، وتبخرت
وعود التعيين للجميع، واصبح التعيين مرهونا
بموافقة المجالس الجامعية التي نشكك في
حياديتها وعدم تفرقتها بينهم واستخدامها
ضدهم.
غيبة المزايا العلاجية
ويضيف د. السباخي أن
التعديلات الجديدة جاءت خالية من أي مزايا
علاجية للأساتذة غير المتفرغين، وأكدت علي
ثبات قيمة المكافأة عند حد 90% مما يتقاضاه
الاستاذ في سن السبعين، وهذا معناه أن تظل
قيمة المكافأة ثابتة بينما الاسعار في
ارتفاع جنوني، كما أن التعديل جعل تعيين
الاساتذة جوازياً وليس وجوبياً، ولذلك فإن
هذه التعديلات في مجملها لا تمثل الحد
الأدني من مطالب اعضاء هيئات التدريس، التي
صدرت عن المؤتمر العام الرابع في 29 نوفمبر
2007، ولا تقدم هذه التعديلات حلاً جذرياً
لمشاكل الاساتذة، ولا تستجيب لمطالبهم التي
طالما نادوا بها، وسوف تجري مناقشة أوضاع
جميع الاساتذة والمطالب التي تقدموا بها في
اضراب 23 مارس 2008، لتعديل مرتباتهم، والتي
وعد الوزير بتحقيقها في يوليو القادم، وإن
كانت التجربة في وعود الوزير تجعلنا نشكك في
تحقيق هذه الوعود.
جواز التعيين باطل
د. ثريا عبدالجواد استاذ
علم الاجتماع بجامعة المنوفية نقول إن
المجتمع الاكاديمي الجامعي فوجئ بالصيغة
المعيبة التي جاءت متنافية مع كل المطالب
التي طالبنا بها، حيث نصت المادة المعدلة
علي ما يلي:
يجوز عند الاقتضاء تعيين
الاساتذة ممن بلغوا سن السبعين من العلماء
الممتازين، للقيام بالاعمال التي تخص الجودة
والتطوير، علي درجة اساتذة غير متفرغين بعد
موافقة مجلس الكلية أو المعهد.
وقد دعت هذه الصيغة إلي
اجتماع نوادي اعضاء هيئة التدريس، لبحث هذا
المقترح الذي قضي نهائياً علي امكان تحقيق
مطالب الاساتذة بعد سن السبعين، وتركزت نقاط
الرفض لهذه المادة علي رفض جواز التعيين عند
الاقتضاء والمطالبة بوجوب التعيين، لان كلمة
جواز التعيين ستؤدي إلي التخلص منهم نهائيا
عند بلوغ سن السبعين، ويجب أن تكون المادة
واضحة في رفض عبارة عند الاقتضاء، ورفض
موافقة مجلس الكلية أو المعهد والاكتفاء
برئيس الجامعة، ورفض تعبير العلماء
الممتازين لأن ذلك سيفتح الباب للانتقاء في
ظل مناخ اكاديمي يفتقد إلي الاستقلالية
والشفافية، ويجعل سلطة رئيس الجامعة المعين
رهناً بتحقيق مصالح النظام السياسي، حيث
يكون العلماء الممتازون في هذه الحالة من
غير المعارضين للنظام، وبعد المناقشة تم
الاتفاق علي تعديل هذا المقترح، حيث تضمن
رأي الاساتذة مقترحين:
الأول هو العودة للقانون
القديم قبل مذبحة مفيد شهاب سنة 2000،
والثاني تعديل النص المقدم من وزير التعليم
العالي ليتضمن الحقوق والمطالب الاساسية
للاساتذة فوق السبعين وشمول الرعاية الصحية
لهم، وأن تكون المكافأة بنسبة 100% من راتبه
قبل سن التقاعد، لكن القانون الذي وافق عليه
مجلس الشعب جاء خاليا من الاستجابة لهذه
المقترحات، ونتساءل لماذا تقوم الحكومة
بمحاصرة العلماء؟ ولماذا تدخل الدولة في
صراع مع عقول الامة ومفكريها بدلاً من
قيامها بدورها في توفير المناخ الملائم
والوضع المادي الذي يحفزهم علي استمرار
أعمالهم البحثية والفكرية.
فانتازيا التعليم العالي
د. يحيي القزاز الاستاذ
بجامعة حلوان يري أن القانون الذي وافق عليه
مجلس الشعب أسوأ من القانون رقم 82 لسنة
2000 المعروف بقانون مذبحة الاساتذة فوق
السبعين، فالقانون الجديد يحوي في جنباته
تفريقاً واضحاً بين الاساتذة الموالين
للسلطة والاساتذة اصحاب الرأي الحر، حيث أنه
باستخدام كلمة يجوز أرسي امكان القبول أو
الرفض، والتحكم في مصيرهم بين المرغوب فيهم
والمغضوب عليهم سياسيا، كما أن نسبة الزيادة
المقررة بمرتباتهم لا نعرف كيف ستحسب وعلي
أي أساس، والغريب أن وزارة التعليم العالي
تعرض شيئا أقرب إلي الفانتازيا، يتمثل هذا
العرض في موافقة من يرغب من الاساتذة في
زيادة مرتباتهم، أن يوقع علي اتفاق يلزمهم
بضوابط معينة، ولا ندري من أين تأتي هذه
الضوابط.
وتنسي وزارة التعليم
العالي أن هناك ضوابط واحكاما تحاسب عضو
هيئة التدريس المنفلت إلي درجة عزله من
وظيفته، وفقا لضوابط القانون رقم 49 لسنة
1972، لكن الضوابط الجديدة تستحدث ما يسمونه
بالجودة، ولا نعرف كيف يحاسب الاستاذ غير
المتفرغ علي تحقيق هذه الجودة، حيث إنها لم
تحدد في القانون، وتركت لتخضع لأهواء وزير
التعليم ورؤساء الجامعات، وللأسف فقد تم
اهدار 13 مليون يورو منحة من الاتحاد
الأوروبي و150 مليون دولار منحة من البنك
الدولي، وجار رصد مليار جنيه من ميزانية
الدولة للانفاق علي ما يسمونه مشروع الجودة،
ولم تأت جودتهم هذه بجديد للتعليم، فكل ما
نراه هو عملية تخريب للجامعات وتجهيل
للمجتمع المصري، فلا يوجد جامعات باسماء دول
أخري في أي دولة من دول العالم إلا في مصر،
وهي جامعات تبث ثقافاتها هي. وسوف يتم دراسة
الوضع بعد صدور القانون في اجتماع الجمعة 2
مايو.
نرفض هذا القانون
د. سالم سلام الاستاذ
بطب المنيا يري أن القانون الذي وافق عليه
مجلس الشعب بالنسبة للاساتذة فوق السبعين هو
قانون خاطئ، ولن نوافق عليه لانه يكرس هيمنة
الدولة علي اعضاء هيئة التدريس، فتعديل
المادة 123 يبدأ بكلمة يجوز تعيين، وكانت
هذه المادة قبل سنة 2000 تنص علي أنه «يعين
بصفة شخصية»، أما التعديل الجديد فإنه يربط
التعيين بسلطة إدارة الجامعة أو المعهد،
والاستاذ غير المرضي عنه أو المعارض لن
يعين، وسوف نقاوم هذا التعديل وهذا القانون
الجائر، مع العلم كما يقول الدكتور سلام -
إنه افضل قليلا من قانون مفيد شهاب سنة
2000، وسنناضل من أجل أن يكون التعيين
وجوبياً لجميع اعضاء هيئات التدريس الذين
بلغوا سن السبعين، وقد قابل وفد من اعضاء
هيئة التدريس الدكتور شريف عمر رئيس لجنة
التعليم بمجلس الشعب وقدموا له مقترحا
بصياغة متوازنة تعبر عن اعضاء هيئة التدريس،
وللأسف لم يأخذ المجلس بهذه المقترحات،
والتزم برؤية الدولة والوزير ورؤية رئيس
الوزراء.
حاولنا التعديل ولكنهم
رفضوا، وسوف نستمر في مطالبتنا برجوع المادة
لما كانت عليه قبل سنة 2000 وقبل قانون مفيد
شهاب الجائر، ونطالب بأن يعين الاستاذ بصفة
شخصية من رئيس الجامعة، ويؤكد سلام قائلاً:
أننا كأساتذة نرفض هذا القانون لجميع
الاساتذة فوق السبعين، لانه تعديل مهين،
ويزرع الفرقة بينهم ويميز البعض منهم،
وسنضغط بكل الوسائل من أجل كرامة أعضاء
هيئات التدريس، ومن اجل تغيير هذا القانون
الجائر.
تقرير حقوقي جديد حول حرية الدين والمعتقد
في الربع الأول من 2008
كتبت أميرة عبد السلام :
أصدرت المبادرة المصرية
للحقوق الشخصية تقريرها حول حرية الدين
والمعتقد خلال الربع الأول من عام 2008
ويرصد التقرير عدداً من أهم التطورات التي
شهدتها مصر في مجال حرية العقيدة وتشمل هذه
التطورات كلاً من الأحكام القضائية
والتشريعات والقرارات الحكومية المتعلقة
بالشأن الديني، وأهم حالات التمييز الديني
وغيره من انتهاكات الحق في حرية الدين
والمعتقد، وأحداث التوتر أو العنف ذات
الطابع الطائفي.
بالاضافة الي قراءة في
عدد من الأحكام القضائية الهامة الصادرة هذا
العام، وعلي رأسها الأحكام الصادرة لصالح كل
من البهائيين والعائدين للمسيحية والأقباط
الراغبين في الزواج الثاني بعد حصولهم علي
أحكام قضائية بتطليقهم، فضلاً عن الحكم
بإحالة مسألة الحق في تغيير الديانة إلي
المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدي
اتفاقه مع مبادئ الشريعة الإسلامية.
كما تضمن التقرير
توثيقاً للاعتداء المسلح الذي تعرض له دير
أبو فانا بمركز ملوي بمحافظة المنيا في
يناير الماضي، والاعتقالات التي طالت بعض
المنتمين لطائفة (الأحباش) بتهم تتعلق
بأفكارهم الدينية، وغيرها من حالات التمييز
الديني وانتهاكات حرية المعتقد. ويستعرض
التقرير القانون الجديد الذي أقره مجلس
الشعب في فبراير الماضي لتنظيم تبرعات
المساجد، والتعديل المقدم من أحد نواب الحزب
الحاكم لتغليظ عقوبة "ازدراء الأديان".
يتذكر فاروق القاضي يوم 9
فبراير في جامعة فؤاد الأول قائلا: صباح يوم 9
فبراير شهدت الجامعة أكبر حشد في تاريخها،
تجمع الآلاف من طلبة الجامعة وطالباتها وكن
يشتركن لأول مرة بعد أن فرضن وجودهن الثقافي
والسياسي، كما كان ظاهرا بوضوح حضور طلاب
الثانوي والمعاهد والمدارس، وتذكر فاطمة زكي
من بين الطالبات اللاتي اشتركن كلا من حورية
مصطفي وصفية فهمي وسعدية عثمان وحورية عفيفي
وبرلنتي السروجي وفاطمة زكي وزاكية رياض من
كلية العلوم، ولطيفة الزيات وآسيا النمر
ونجيبة عبدالحميد وجنفيف سيداروس وثريا أدهم
من كلية الآداب وعائشة راتب ونبيلة عبدالحميد
ونعمت بدر من كلية الحقوق.
وفي الموعد المحدد ظهر
عبدالمحسن حمودة الطالب بكلية الهندسة وألقي
خطابا حماسيا ألهب مشاعر المؤتمر وتعرض لبشاعة
الاستعمار وتهاون القوي الرجعية وبؤس حال
الطبقات الشعبية، وأن قضية الجلاء هي مسئولية
الجماهير صاحبة المصلحة في التحرير، وكان
الطلاب يهتفون بشعارات: الجلاء بالدماء، الشعب
الشعب يحيا الشعب ثم تحدث مصطفي موسي رافضا
الاستراتيجية الاستعمارية والأحلاف العسكرية،
وضرورة تحقيق الجلاء، وأصدر هذا المؤتمر
الطلابي عدة قرارات، تطالب بضرورة رفض الحكومة
للرد البريطاني وعدم الدخول في مفاوضات إلا
علي أساس الاعتراف بحق مصر في الجلاء ووحدة
وادي النيل، وضرورة التخلص من التزامات معاهدة
1936، وإلغاء اتفاقيتي السودان، وسحب
عبدالحميد بدوي مندوب مصر في الأمم المتحدة
بسبب مواقفه المخزية، وأجمع الطلاب علي
الاستمرار في النضال من أجل تحقيق هذه الأهداف
وضد أي حكومة لا تعمل علي تحقيقها، وأن الطريق
هو نفس طريق الشعوب التي هبت وثارت منذ نهاية
الحرب، وقرر المؤتمر الخروج في مظاهرة إلي قصر
عابدين لرفع قراراتهم إلي الملك والمطالبة
بإقالة الحكومة، ويؤكد فاروق القاضي أن
المظاهرة لم تخرج للذهاب إلي قصر عابدين بل
للإعلان عن رأينا وسط الجماهير التي أردنا
إشراكها في النضال حسب التقاليد العريقة
للحركة الطلابية ويؤكد القاضي أن محمد عودة
يشاركه هذا الرأي حيث يؤكد عودة في كتابه
«فاروق بداية ونهاية» أن صوتا ارتفع من الحشد
ودعا للخروج إلي الشارع وإلي الجماهير صاحبة
الحق واستجاب الكل واشتعل الحماس وتدفقت خارج
السور أكبر مظاهرة طلابية حددت تراث الكفاح
وأثارت ذكرياته وأثبتت أن الطلبة مازالوا أهم
الطليعة والقوة الضاربة الأولي وفقا لما يراه
محمد عودة في كتابه المذكور.
مذبحة كوبري عباس 1946
تدفقت جموع الطلاب الحاشدة
خارجة من حرم الجامعة باتجاه ميدان الجيزة،
حيث انضم المواطنون إلي المظاهرة، وحيا عمال
شركة الدخان القريبة من ميدان الجيزة وعمال
الترام المتظاهرين بهتاف يقول يحيا الطلبة مع
العمال، ورد عليهم الطلاب المتظاهرون بشعار
العمال جنود الثورة، واستمرت المظاهرة حتي
بلغت كوبري عباس لتعبره إلي القاهرة ويتفق كل
من الدكتور شوقي الفنجري الذي أصيب في هذه
المذبحة ويعرف بالشهيد الحي (كما كان يعرف
إبراهيم شكري بالشهيد الحي لمذبحة 1935) مع
فاروق القاضي الذي شارك في هذه المظاهرة مع
شهدي عطية الشافعي في وصفه لهذه المذبحة التي
يقدم فاروق القاضي تفاصيلها بقوله:
لم نكد نقطع الربع الأول
من كوبري عباس حتي لاحظنا أنه أخذ ينفتح،
أبطأنا في السير وتوجه عدد من طلبة الهندسة
إلي أسفل الكوبري وقاموا بالسيطرة علي مفاتيحه
وأعادوا إغلاقه، يقول القاضي: لم ينغلق
الكوبري تماما إذ ظل جزء بسيط عند طرفيه يمينا
ويسارا غير مغلق، لكن الوسط العريض كان كافيا
لعبور المظاهرة، عندما عبر جزء كبير من
المظاهرة إلي منتصف الجزء الشرقي من كوبري
عباس تقدمت نحونا قوات كبيرة حاملة الدروع
والعصي مرتدية الخوذات من فرقة الباشا التي
كونها سليم زكي باشا حكمدار القاهرة وانهالت
بالضرب المبرح، فحدثت موجة ارتداد للخلف وفي
نفس الوقت حدث ضغط من طرف المظاهرة الخلفي
نتيجة هجوم قوات أخري من الجيزة لا تقل عددا
ولا ضراوة عن قوات القاهرة بأوامر من فيتز
باتريك باشا حكمدار الجيزة، فوقعت المظاهرة في
كمين مدبر بين قوات سليم زكي وقوات باتريك،
وأخذت القوات تستفرد بالمتظاهرين صفا صفا وظهر
أن الهدف ألا يخرج مشترك من المظاهرة سليما،
وبسبب قوة الضغط والضرب سقط بعض الطلاب في
الماء عند الجانبين المفتوحين من الكوبري،
وألقي البعض بأنفسهم في النهر فرارا من الضرب
والكسور والجروح، ووفقا للبيانات الرسمية
والمؤرخ عبدالرحمن الرافعي فقد أصيب في هذه
المذبحة يوم 9 فبراير 84 طالبا بإصابات بليغة
ونقل الكثير منهم إلي مستشفي قصر العيني،
وبينما يؤكد فاروق القاضي أن القوات لم تكتف
بالمحاصرين فوق الكوبري بل لاحقت الفارين داخل
البيوت المجاورة وخلف سور السينما الصيفي
المجاورة للكوبري، ويؤكد إصابته بشومة فوق
ذراعه ويؤكد الدكتور شوقي الفنجري أن إصابته
كانت عبارة عن كسر بالجمجمة أعقبه نزيف بالمخ
وشلل نصفي ونقل ضمن مئات الطلبة المصابين إلي
قصر العيني وتصور الأطباء وفاته فنقلوه إلي
المشرحة وأعلنت الصحف الأحد 10 فبراير 1946
وفاته غير أن الدكتور لطفي أبوالنصر وجد فيه
نفسا بالمشرحة فأجري له عملية وظل أربع سنوات
يعالج بمستشفي قصر العيني من الشلل ومضاعفاته
ولذلك أطلقت الصحف عليه لقب الشهيد الحي
لمذبحة كوبري عباس.
احتجاجات الجامعة وثورة
الشعب
احتج عمداء جامعة فؤاد
الأول في رسالة بعثوا بها إلي وزير المعارف
عبدالرازق السنهوري باشا طالبوا فيها بضرورة
التحقيق فيما وقع من مجازر لأبنائهم الطلاب،
واجتمع مجلس النواب الذي ندد عدد من أعضائه
بالمذبحة وبالحكومة وطالبوا بالتحقيق فيما
حدث، وارتفع صوت الدكتور طه حسين بمقولة لا
تنسي نشرها في جريدة الوفد المصري في ذلك
الوقت، يقول فيها: لو حوكم صدقي علي جرائمه
سنة 1930 لما ارتكب النقراشي جرائمه، يجب أن
يقدم هؤلاء السادة للمحاكمة وقبل كل شيء أن
تعرف الأمة المصرية بالضبط عدد القتلي والجرحي
وأن كان قتيل واحد يكفي لمحاكمة ألف وزارة
وألف نقراشي.
ويقول المناضل النقابي
حسين كاظم: كانت مذبحة كوبري عباس هي الشرارة
حيث اجتمع بعدها قادة النقابات في مؤتمر
نقابات عمال القطر المصري بمقر نقابة عمال
المحال التجارية في 6 حارة الشواربي وقرروا
ألا تذهب دماء أبنائهم الطلبة هدرا، وحركت هذه
المذبحة الجسد العمالي الكبير للانخراط في
الثورة، ويصف شهدي عطية الشافعي الأوضاع
قائلا: هبت المظاهرات محتجة في الإسكندرية
والزقازيق والمنصورة والسنبلاوين، وتجمع طلبة
الإسكندرية واتجهوا إلي حي كرموز حيث قاموا
بمظاهرة كبيرة، وقتل ثلاثة من الإسكندرية
وثلاثة في الزقازيق وواحد في المنصورة، وتعددت
المظاهرات رغم هذا وتعددت الجنازات الصامتة
وقامت معركة بين الطلبة والمحتشدين في قصر
العيني ضد الإنجليز استمرت يوما كاملا، وحاولت
الحكومة وقف المظاهرات بإغلاق الجامعة وبشغل
المواطنين بإقامة احتفال ضخم بعيد ميلاد الملك
لكن الثورة لم تتوقف واضطرت الوزارة إلي
الاستقالة في 15 فبراير 1946.
اللجنة الوطنية للعمال
والطلبة
لكن السراي لم تستسلم،
فبينما كتب الدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته
أن جلالة الملك «فاروق الأول» سقط في عيد
ميلاده السادس والعشرين عن عرشه مهما تأخر
الخلع لبعض الوقت إلا أن السراي في محاولة
لإطالة عمر النظام وافقت علي إقالة وزارة
النقراشي لكنها اختارت إسماعيل صدقي لرئاسة
الوزارة الجديدة، وكأنها بذلك تريد أن تذكر
الشعب بأنها سوف تحكم بالحديد والنار، واعتبرت
القوي الوطنية وجماهير الشعب أن هذا الاختيار
تحد لها فردت علي تحدي السراي باستمرار
المظاهرات في مختلف المدارس ومختلف الأحياء،
وأصدرت اللجنة التنفيذية للطلبة ميثاقا وطنيا
في 17 فبراير 1946 كانت أهم بنوده:
1- الجلاء التام، 2- دولية
القضية المصرية - التحرر من العبودية
الاقتصادية، وختم هذا الميثاق ببيت من الشعر
لأبي القاسم الشابي: إذا الشعب يوما أراد
الحياة..
ويقول المناضل والمؤرخ
العمالي طه سعد عثمان إنه في أحد اجتماعات
اللجنة التنفيذية لمؤتمر نقابات عمال مصر
علمنا أن الطلبة كونوا لجنة تنفيذية عليا
فقررنا الانتقال فورا للاجتماع بلجنة الطلبة
في مدرج كلية الطب، وفي هذا الاجتماع تكونت
اللجنة الوطنية للعمال والطلبة وكان ممثلو
العمال فيها هم: محمد مدبولي سليمان ومحمود
حمزة وحسين كاظم وسيد علي ومحمود الدمرداش
وسيد خضر وعبدالعليم علي عمارة ومحمد شطا
وعبدالمقصود أبوزيد، ويقول فاروق القاضي إن
الأسماء الثابتة للطلبة في هذه اللجنة كانت:
فؤاد محيي الدين وعبدالرءوف أبوعلم وعبدالمحسن
حمودة ولطيفة الزيات وفاطمة زكي، وتقول فاطمة
زكي إن ميثاق 17 فبراير كان إعلانا بميلاد
اللجنة الوطنية وأن ثريا أدهم عن الطلبة وحسين
كاظم عن العمال شاركا في صياغة هذا الميثاق،
ويقول شهدي عطية الشافعي إن اللجنة الوطنية
للعمال والطلبة بعد أن تكونت في كلية الطب
أصدرت قرارا مهما يعتبر وثيقة تاريخية تسجل
مرحلة جديدة في المعركة الوطنية حيث يقول هذا
البيان:
«قررت نقابات العمال
بالقطر المصري وطلبة الجامعات المصرية والأزهر
والمعاهد العليا والمدارس الخصوصية والثانوية
أن يكون يوم الخميس 21 فبراير 1946 يوم
الجلاء، يوم إضراب عام لجميع هيئات الشعب
وطوائفه، يوم استئناف للحركة الوطنية المقدسة
التي تشترك فيها كل عناصر الشعب المصري متكتلة
حول حقها في الاستقلال التام والحرية الشاملة،
يوم إشعار المستعمر البريطاني والعالم الخارجي
أجمع، أن الشعب المصري قد أعد عدته للكفاح
الإيجابي حتي ينجلي كابوس الاستعمار الذي ظل
جاثما علي صدورنا منذ 64 عاما، يوم هو وثيقة
في أيدي المفاوضين المصريين يقدمونها دليلا
للمستعمر علي أن الشعب المصري مصمم علي ألا
يتخلي لحظة واحدة عن الجلاء عن مصر والسودان،
يوم يقظة عامة للشعب المصري يؤكد فيها أنه لن
يقبل أي انحراف أو تهاون في حقه في الاستقلال
والحرية، يوم تتعطل فيه المرافق العامة ووسائل
النقل والمحلات التجارية والعامة ومعاهد العلم
والمصانع في جميع أنحاء القطر، أن جلال هذا
اليوم ليهيب بنا ألا ننحرف بقضيتنا المقدسة
إلي شغب أو تخريب أو إخلال بالأمن العام،
فلنرفع جميعا لواء الوطن عاليا، ولنثبت وحدتنا
التي لا تنفصم، عمالا وصناعا، طلبة وتجارا
وموظفين، شعبا متكتلا يرفع عن نفسه وصمة الذل
والاستبداد».
21 فبراير 1946
يقول فاروق القاضي في
كتابه «فرسان الأمل» إن الإضراب في 21 فبراير
امتد من الإسكندرية إلي أسوان استجابة لقرار
اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، أغلقت المصانع
أبوابها، خرج طلاب المدارس رافعين راياتهم
مرددين الشعارات الوطنية، تجمع عمال المواصلات
منذ الصباح في مخازن وورش الجيزة وشبرا
والعباسية، واصطفوا في مواكب خلف أعلامهم
النقابية وخرجوا في مسيرات تردد نفس الشعارات
الوطنية، وخرج عمال السكك الحديدية في عنابر
بولاق وورش أبوزعبل، وفي جامعة فؤاد الأول
تجمع آلاف الطلاب في الحرم الجامعي كما تدفق
إلي داخل الحرم كل طلاب الجيزة والدقي، ووصلت
مسيرة طلاب الأزهر إلي ميدان الأوبرا حيث
تجمعت عدة مسيرات وتدفقت علي ميدان
الإسماعيلية التحرير حاليا الجموع الهادرة من
خمس جهات: من جامعة فؤاد الأول بالجيزة ومن
السيدة زينب ومن الأزهر ومن العباسية ومن شبرا
حتي ضاق بهم الميدان علي سعته واختلفت
التقديرات بين 40 ألفا و100 ألف حيث يميل
فاروق القاضي إلي الرقم الأكبر، ويتفق فاروق
القاضي مع شهدي عطية الشافعي في القول باقتحام
أربع سيارات بريطانية مصفحة لجموع المتظاهرين
غير عابئة بمن تقتل أو تدهس فغضبت الجموع
الحاشدة واستولت علي السيارات البريطانية
وأشعلت فيها النيران، ويقول القاضي إنها لاذت
بالفرار داخل ثكنات قصر النيل التي كانت تنطلق
الرشاشات من داخلها، فأصابت السيارات المصفحة
والرشاشات عددا من المتظاهرين وسقط القتلي
والجرحي وازداد انفعال المتظاهرين فخلع بعض
العمال والطلبة ملابسهم وغمسوها في بنزين
السيارات المصفحة وأشعلوا النار في الحواجز
الخشبية التي كان يختبئ وراءها جنود الاحتلال،
ونزلت القوات البريطانية المسلحة إلي الشوارع،
ولكن المظاهرات لم تنقطع طوال اليوم، بل خرجت
من حي باب الشعرية السيدات وهن يهتف: أولادنا
فداء مصر، وسقط من الشهداء ثلاثة وعشرون شهيدا
و121 جريحا نذكر منهم: أحمد سيد أحمد سالم
وحسن حامد حسن ومحمد فهمي ومحمد أبوالنصر
وآخرون، وهزت الفاجعة كل الطوائف فلم يتوقف
غضب الجماهير الحزين في كل مكان في
الإسماعيلية وسمنود والمحلة الكبري وطنطا
وغيرها، وكان آخر موقع خيم عليه الهدوء هو
ميدان الجيزة، في الثامنة مساء.
ولقد لبت كل طوائف الشعب
نداء اللجنة الوطنية، لكن القاهرة المثخنة
بالجراح باتت ليلة حزينة، عاد العمال إلي
ورشهم والطلبة إلي أحيائهم يعصرهم الغضب
ويملؤهم الإصرار علي الانتقام، إن دم الشهداء
لم يذهب هدرا فقط كان 21 فبراير بداية هزيمة
الاستعمار الإنجليزي إذ قرر أن ينسحب أمام
الإصرار الشعبي وأن يجلو بجيوشه وأسلحته عن
المدن الكبري وأن تتمركز قواته في منطقة
القناة.
اجتمعت اللجنة التنفيذية
للطلبة وقررت عقد مؤتمرات في جميع الكليات
والمعاهد والمدارس مطالبة الحكومة بصرف
تعويضات لأسر الشهداء وأعلنت التضامن التام
بين الطلبة والعمال في سبيل قضية الوطن، وعقدت
اللجنة التنفيذية مؤتمرا في الجامعة يوم 24
فبراير ثم اجتمعت اللجنة التنفيذية للعمال
والطلبة في 26 فبراير ووافقت علي اقتراح
اللجنة التنفيذية للطلبة بتحديد يوم 4 مارس
لإعلان الحداد العام.
وقد أصبح يوم 21 فبراير
1946 يوما عالميا فكما حدثت مظاهرات الطلبة
والعمال في مصر في هذا اليوم تظاهر في نفس
اليوم في الهند الآلاف من رجال سلاح الطيران
الهندي وتضامن الشعب مع البحارة وموظفي سلاح
الطيران وأصطدم الشعب الهندي بالقوات المسلحة
البريطانية فسقط منهم 25 شهيدا و500 جريح،
ولهذا أصبح يوم 21 فبراير يوما عالميا يحتفل
بذكراه شباب العالم أجمع باعتباره يوما هب فيه
شعبان عظيمان كالشعب الهندي والمصري ضد
الاستعمار من أجل الحرية والاستقلال.
الاثنين 4 مارس يوم الحداد
العام
ظهرت وحدة القوي الوطنية
في أروع صورها يوم 4 مارس حيث جاءت صبيحة هذا
اليوم فإذا الصحف محتجبة والمتاجر والمقاهي
والمحال العامة مغلقة والمدارس مضربة والمصانع
في جميع أنحاء القطر معطلة، لقد استجاب الشعب
المصري بأكمله لنداء اللجان الوطنية للعمال
والطلبة.
وكاد اليوم يمر بسلام لولا
ما فعله جنود الاحتلال في الإسكندرية فقد
أطلقوا النار علي مظاهرة سلمية من العمال
والطلبة عندما وصلت المظاهرة إلي الفندق
المخصص لإقامة بعض رجال البحرية البريطانية
حيث رفع هذا الفندق العلم البريطاني عاليا
وكان رفعه في يوم الحداد الوطني تحديا صريحا
لمشاعر المصريين، وقد أطلق العساكر الإنجليز
الرصاص علي المتظاهرين فسقط الشهداء الذين
بلغوا في هذا اليوم 28 شهيدا و342 جريحا.
وهكذا كان طلاب 1946 كطلاب 1935 و1919 حيث
أشعلوا النضال الوطني من أجل الحرية
والاستقلال، لكنهم في 1946 كما قدموا الشهداء
قدموا للحركة الوطنية قيادة من طراز جديد
تمثلت في اللجنة الوطنية للعمال والطلبة.