|
استضافت ندوة مجلة «أدب ونقد» الشاعر
الكبير سيد حجاب في أمسية شعرية أدارها الشاعر حلمي سالم،
الذي بدأها قائلا: الليلة عندنا «صياد وجنية» أما الصياد
فسيد حجاب والجنية مشواره الطويل مع الشعر والجمال.
وأشار حلمي إلي دور «حجاب» مع جيل
السبعينيات حين كان يقيم ندوة أسبوعية أوائل السبعينيات في
مجلة «الشباب» التي كان يصدرها الاتحاد الاشتراكي، وكان هو
المسئول الثقافي للمجلة، وفي أمسيته الأسبوعية التقي هذا
الجيل كله، ومعظم أبناء هذا الجيل يدينون لورشته التي تخرج
منها الكثيرون من الشعراء، لهذا نقول دائما إن ما فينا من
حسن فهو راجع إلي «سيد حجاب» وما هو سييء فينا هو راجع
إلينا.
وأضاف حلمي قائلا: «ولكن لم يكن ذلك
وحده هو فضل الرجل، فقد كان قبل ذلك واحدا من القليلين
الذين انتقلوا بالشعر العامي من إطار الزجل أو ما شابه إلي
ما سمي بـ «القصيدة المصرية الحديثة»، متواكبين مع حركة
الشعر الحر الفصيح.
نقد الثقافة
وقد بدأ «حجاب» الأمسية بشهادة حول نقد
«مشروع النهضة العربية» بادئا كلامه قائلا: «أنا مجرد شاعر
علي باب الله والإنسانية، وإذا كانوا قديما قد قالوا: إن
الشعراء يسعون إلي الخير والجمال، فأعتقد أن الخير هو
الوطن والإنسانية كلها».
وأكد أنه يجب أن يبدأ الأمسية بالحديث
عن فكرة الثقافة والحداثة والتجديد في الشعر لأنه يعيش
هموما كثيرة، منها الأسئلة المتعلقة بمستقبل الثقافة،
فالحداثة والشعر الجديد وغيرهما من القضايا أري أنها غير
مأخوذة بالشكل الصحيح، فمن أجل أن نفهم الحداثة والثقافة
الوطنية علينا أن نلم بالثقافة الإنسانية، فمازلنا في
الشرق نعتمد الطرائق الكلاسيكية في فهمنا الوجود بالإضافة
إلي وجود الحكم العشائري الاستبدادي، وإلي الآن لم تصغ
قومية - في هذا الشرق الأوسط الكبير - خصائصها المميزة،
فلا أحد فينا أنجز ثورته الثقافية ولا دولته الحديثة، كذلك
لا وجود للقواعد الأساسية لحقوق الإنسان من الإخاء والحرية
والمساواة، والفصل بين السلطات، أما في مصر فنحن نواجه
صدمة حضارية منذ أكثر من قرنين من الزمن وتحديدا منذ
الحملة الفرنسية، ودائما ما نجد عندنا عقليتين متصادمتين:
العقلية التقليدية ذات المرجعية
الماضوية والعقلية التحديثية التي بدأت رؤاها علي يد
التنويريين الكبار أمثال رفاعة الطهطاوي، الذي طرح مفهوم
«أن يكون الوطن محلا للسعادة» وأن «ينبني هذا الوطن علي
المدرسة والمصنع، إذن كان الهم الأساسي لدي هؤلاء
التنويريين هو بناء مصر الحديثة، وقد ظهر ذلك جليا من
محاولات رفاعة الطهطاوي في «تهذيب البنات والبنين علي
الأسس العقلية»، وترجمة عثمان جلال لأعمال موليير، الذي
التفت لضرورة الاقتراب من اللغة اليومية للناس.
وقد أحسنا بهذا التجديد - بعد ذلك - في
الكتابة عند خليل مطران وأحمد شوقي خاصة في أعماله الموجهة
إلي الناشئة والأطفال، وكتاباته الغنائية لعبدالوهاب والتي
استفادت من اللغة العامية المصرية.
جماليات التمرد
وأضاف سيد حجاب قائلا: «أتصور أن كل
الثقافات الحديثة تكمن في إعمال العقل فيما هو منقول، حدث
هذا عند الطامحين للثقافة الوطنية من الشعراء في جيل
الخمسينيات الخارجين من التقليد إلي الحداثة، فكان الحل
علي يد نازك الملائكة وصلاح عبدالصبور وبدر شاكر السياب
ولويس عوض الذين غيروا موقع الشاعر داخل القصيدة، حيث تغير
المفهوم الفني، فصار الشاعر لا يرصد الوجود وإنما يرصد
وقوع الوجود علي الذات الشعرية.
وهنا دخلت الثقافة في شكلها الشعري إلي
عالم الحداثة، وهذه النقلة حدثت بالتوازي بين شعراء من
العامية والفصحي فصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي
بالتوازي مع فؤاد حداد وصلاح جاهين.
أما فؤاد حداد فقد ارتكز علي جماليات
اللغة العربية.
ويري سيد حجاب أن البداية الحقيقية
لشعر الحداثة في مصر كانت علي يد عبدالصبور وجاهين، بينما
حجازي وحداد جددا لكن في إطار تقنيات القصيدة القديمة،
وبالمثل كانت تجربة الشباب فالحداثة مبنية علي موقف الشاعر
من الوجود.
وأعلن «حجاب» أنه بصدد الانتهاء من
تأليف كتاب عن «صلاح جاهين» نظرا لأنه يراه مؤسس القصيدة
الجديدة في العامية المصرية، وأنه أول من أدار ظهره
للمرجعية العربية للقصيدة باتجاهه إلي الثقافة الشعبية وفي
تعامله مع القيم الشعبية التي أعمل فيها العقل والفكر
فكأنه مارس المسألة المعروفة بـ «قتل الأب» ولكن من خلال
مناقشة عقلية جادة.
أصوات شعرية
بعد هذه الرؤية والإبحار في هموم
الثقافة والشعر قرأ «سيد حجاب» عددا من القصائد مثلت
المراحل الشعرية المختلفة التي مر بها بداية من قصيدة «ابن
بحر» - من ديوان «صياد وجنية» التي كتبها عام 1961، ثم
قصائد «لبن العصفور» و«جبال المغناطيس» و«4 قصايد من نجيب
محفوظ» والتي كتبها عام 1964 بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاده
الخمسين، وقصيدة «الموت في عز الفجر» التي يقول في مطلعها:
«في الليل إذا ضلم/ الفجر يصبح شعر/ والشعر مادته/وكل شاعر
بلال».
وقصيدة «زمن الزنازين» التي يقول فيها
«أنا مش نبي/ لكني دقتك يا عذاب الأنبيا/ في عيون صبي/
لمعتها مقتولة بسوء التغذية».
ثم قرأ مجموعة من قصائد ديوان «أصوات»
والقصيدة الطويلة «اتنين في العتمة» بالإضافة إلي مجموعة
من أغنياته الشهيرة. |