ماذا حققت المناطق الصناعية للاقتصاد
المصري.. سؤال تردد بقوة عقب الاتهامات الموجهة لهيئة
التنمية الصناعية بأنها تفتح أبوابها للاستثمار الأجنبي
فقط علي أثر استجواب تقدم به أحد نواب الحزب الوطني
لرئيس هيئة التنمية الصناعية متهما الهيئة بأنها تفتح
أبوابها للاستثمار الأجنبي فقط.
ومن جانبها ردت الهيئة بأنها تحتاج
إلي 3 مليارات جنيه لدعم البنية الأساسية بالعديد من
المناطق.
ويؤكد عمرو عسل رئيس هيئة التنمية
الصناعية أن إقامة مناطق صناعية في مصر ليس مشروعا جديدا
لكنه معمول به في الكثير من دول العالم حيث إن 80% من
دول العالم قامت بإنشاء مناطق صناعية خلال العشرين سنة
الأخيرة وذلك بالتعاون بين الدولة والقطاع الخاص لتحريك
الصناعة، ويشير عسل إلي أن مصر الآن تحاكي النموذج
الماليزي في إنشاء هذه المشروعات وقد انتهينا من المرحلة
الأولي بعد أن طرحنا المشروع وتقدم له ستة مستثمرين في
ست مناطق صناعية في مدينة السادات و6 أكتوبر وبرج العرب
وغيرها علي مساحة 17 مليون متر مربع، أما المرحلة
الثانية من المشروع فتقدم لها 44 شركة تم تصفيتهم إلي 20
شركة وجار التفاوض معهم حتي توقيع العقد وهؤلاء
المستثمرون سيروجون للاستثمار في مصر إضافة إلي أن هذا
المشروع يتم تنفيذه بناء علي دراسات متعددة وتجارب
العديد من الدول التي سبقتنا إليها.
وفي هذا الإطار تقول د. ضحي
عبدالحميد أستاذ الاقتصاد والتمويل بالجامعة الأمريكية
أننا نقيم مناطق صناعية في مصر لنتمكن من النفاذ للأسواق
الأمريكية لأنها من أكبر الأسواق المستهلكة في العالم
ولكن علي أساس تنافس للسلع المقدمة من ناحية الكم والكيف
لذا تقوم مصر ببناء المصانع علي أرضها كما تقدم إعفاءات
جمركية وضريبية وعمالة مصرية فنحن بذلك نبني القواعد
الصناعية ونفتح فرص عمل أمام الشباب ونستدعي الاستثمارات
الخارجية مما يؤدي إلي جلب العملات الصعبة ويحسن من
استثماراتنا ويحقق نفعا عاما.
وتلمح ضحي عبدالحميد إلي أن هذا
المشروع سيتحول لكارثة لو أصبحت مصر مناطق استثمار
ترانزيت بحيث يأتي الطرف الأجنبي بالعمالة من بلده إذا
لم يحقق فوائد أكبر من التكاليف.
ويشير المهندس علي نجيب الخبير
الاقتصادي أن هذا المشروع ما هو إلا مجرد شعارات فحقيقة
الأمر أننا نروج لصناعات الأجانب في مصر فهم لا يصنعون
منتجاتهم لدينا إنما يقومون بتجميعها فقط إضافة إلي أن
القيمة المضافة من هذا المشروع للاقتصاد القومي لا
تتجاوز 2% و3% وما نحتفظ به لا يزيد علي أجور العمال
وباقي القيمة تذهب للخارج فنحن نتفاخر باجتذاب
الاستثمارات الأجنبية ولكن علينا أن نسأل أنفسنا لماذا
يستثمر الأجانب أموالهم في مصر ويقول نجيب إن الحكومة
تبيع للأجانب الأراضي مع تيسيرات سداد قيمتها علي فترات
تصل إلي 10 سنوات دون أي أعباء إضافية إلي تقديم أيدي
عاملة رخيصة فالمستثمر يفضل استخدام عمالة مصرية لأنها
رخيصة.
ويؤكد نجيب أن مصر مختلفة تماما عن
النموذج الماليزي الذي يدعي البعض تطبيقه حيث إن ماليزيا
تعتمد علي المراكز التكنولوجية بشكل كبير في مناطقها
الصناعية إضافة إلي تكامل الصناعة بها وتعميقها والآن
زاد المعدل التكنولوجي في إنتاجها المحلي بالاعتماد علي
المقومات المحلية فالصين مثلا حقق ميزانها التجاري مكاسب
عالية في مجال الصناعات التكنولوجية العالية مع أمريكا
لأنها تصدر إليها أكثر مما تستورد منها فالولايات
المتحدة الأمريكية نفسها تخرج الآن عن مفاهيم التجارة
الحرة وتتحدث عن التجارة العادلة.
الغذاء
والطاقة إعصار تسونامي الصامت
أزمة الغذاء
في العالم تهدد بمجاعة في العديد من الدول
إعداد
عبداللطيف وهبة
دخلت أزمة الغذاء في العالم وكذلك
الزراعة مرحلة جديدة تنذر بحالة من عدم الاستقرار
والمحفوفة بالمخاطر السياسية - هذا ما قاله جوهاشيم فان
برودن - رئيس معهد سياسات الغذاء في واشنطن في تحقيق
مطول حول عمق أزمة ارتفاع أسعار الغذاء في العالم الذي
نشرته مجلة الإيكونوميست البريطانية.. وقد تناولت المجلة
أزمة الغذاء التي تواجه الدول خاصة النامية منها..
والتوقعات المستقبلية للأزمة.
سماكي بكاري - أحد بائعي الأرز في
سوق أبوبوتي في إحدي ضواحي عاصمة ساحل العاج أبيدجان -
ويقول إن وعاء الأرز التايلاني وصل سعره إلي 400 فرنك أي
ما يعادل دولارا للكيلو وهذا أبرز مثال علي ارتفاع أسعار
الغذاء، في الأيام العادية كنت أبيع ما يقرب من 150
كيلو.. اليوم لو بعت نصف الكمية فإن ذلك يعد نجاحا
كبيرا، ويقول عادة يسأل الناس عن السعر.. ثم يتركونا دون
أن يشتروا شيئا وفي أبريل تظاهر المواطنون وشهدت المدينة
أحداث عنف واضطرابات علي مدي يومين لارتفاع أسعار
الغذاء.
لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد.. بل
اندلعت المظاهرات في العديد من الدول، في هايتي تظاهر
المواطنون مرددين «نحن جائعين» بل وأجبروا رئيس الوزراء
علي الاستقالة، في الكاميرون لقي 24 شخصا مصرعهم في
مظاهرات الغذاء.. في مصر اتخذت الحكومة إجراءات مشددة
لزيادة إنتاج العيش، في الفلبين جرمت الحكومة تخزين
الأرز ووضعت عقوبات تصل إلي السجن مدي الحياة.. «إنه وضع
متفجر في العالم بل ويهدد الاستقرار السياسي» هذا ما
قاله جين لويس بيلون رئيس الغرفة التجارية في ساحل
العاج.
متغيرات جديدة
خلال العام الماضي ارتفعت أسعار
القمح بنسبة 77% والأرز بنسبة 16%.. لكن خلال هذا العام
تصاعدت الأسعار وتضاعفت، ومنذ يناير الماضي ارتفعت أسعار
الأرز بنسبة 141% كما ارتفعت أسعار القمح بنسبة تزيد علي
25% في اليوم الواحد.. والناس يصرخون في جميع دول العالم
أسعار الأرز تغلي.. لكن لا نعلم لماذا؟.
ربما تعكس الأسعار متغيرات عديدة في
الطلب علي اعتبار أن المشكلة لم تعد في المعروض فقط، هذه
المتغيرات تشمل ضغوطا متزايدة من جانب الشعبين الصيني
والهندي لاستهلاك الحبوب واللحوم فقد شهدت هذه الدول
طفرة اقتصادية هائلة خلال السنوات الماضية، والأهم من
ذلك الرغبة الجامحة من الدول الغربية التي تنتهج برامج
لإنتاج الوقود الحيوي.. أصبحت مساهمة الذرة في إنتاج
الإيثانول في الولايات المتحدة الأمريكية متزايدة، كما
دخل الاتحاد الأوروبي في برامج إنتاج الوقود الحيوي..
لكن الأمر الأسوأ في أزمة الغذاء العالمي يتمثل في بعض
الممارسات المفروضة علي الأسواق العالمية، قامت بعض
الدول المنتجة للحبوب بوضع حصص تصديرية.
تشجيع المواطنين
هذه التحولات لم يقابلها تطوير في
الزراعة ولا في الأنظمة الزراعية.. علي اعتبار أن
المزارعين عادة ما يحتاجون إلي وقت للاستجابة والأغرب من
ذلك أن هناك حكومات تحاول التلطيف من التداعيات السلبية
لارتفاعات الأسعار في أسواقها المحلية بل وتحاول كذلك
التغطية علي أن هناك تشجيعا لمواطنيها علي الزراعة.
لكن من بين 58 دولة في العالم سجل
البنك الدولي إجراءاتها في مواجهة ظاهرة ارتفاع الأسعار
فإن هناك 48 دولة وضعت ضوابط علي الأسعار وإجراءات لدعم
المستهلكين وأخري بحظر التصدير وتخفيض التعريفة
الجمركية.
كارثة الغذاء في عام 2008 ربما تستمر
في حدتها وقوتها.. بل ستكون دليلا علي مدي اتساع المشكلة
في العالم، وقبل 30 عاما فإن موجة ارتفاع أسعار الغذاء
كانت قد توقفت عندما كان الغذاء رخيصا وهناك دعم للزراعة
حتي في الدول الغنية.. رغم وجود تشوهات في الأسواق
العالمية.
اليوم فإن المزارعين بلا شك سوف
يستجيبون لمواجهة ارتفاع الأسعار عن طريق التوسع في
الزراعة لإحداث نوع من التوازن في الفترة القادمة، ولو
سارت الأمور طبقا لهذا التوقع سيكون هناك وفرة في
المعروض من الطعام مرة ثانية حتي بدون الدعم أو الإغراق
والتشوهات التي كانت موجودة في الفترات السابقة.
الزراعة في الهواء
الزراعة الآن كما يقول المثل
الإنجليزي في الهواء، انتهت حقبة رخص الغذاء وبدأت مرحلة
انتقالية جديدة قد تكون أصعب مما يتوقع أحد.
لكنها كارثة بمعني الكلمة لمن يعيشون
علي نصف دولار في اليوم، لقد بدأ الفقراء في بيع مواشيهم
ومعداتهم وحتي الأكواخ الصفيح التي يعيشون تحتها.. ولو
تعافوا من الأزمة ستكون القضية.. كيفية تدبير تلك
الاحتياجات مرة أخري.
اتساع خط الفقر
وطبقا لأشد الإحصائيات محافظة.. فإن
معدل الإنفاق علي الطعام سوف تتراجع بالنسبة للفقراء في
المدن والمناطق الحضرية خاصة في الدول التي تعتمد علي
شراء غذائها من الخارج بنسبة 20%.
وتقول الإحصائيات الأولية إن هناك ما
يقرب من مليار نسمة يعيشون علي دولار واحد يوميا وهو خط
الفقر و5.1 مليار يعيشون علي ما بين دولار ودولار ونصف
الدولار يوميا لدرجة أن روبرت زوليك رئيس البنك الدولي
يؤكد أن التضخم من الممكن أن يرفع أكثر من مائة مليون
نسمة إلي الفقر عاصفا بكل المكتسبات التي تحققت للفقراء
خلال الحقبة الماضية المعروفة باسم التقدم الاقتصادي.
علي المدي القصير فإن المساعدات
الإنسانية وبرامج الحماية الاجتماعية والسياسات التجارية
ربما تقرر كيف يتصرف العالم مع هذه المشكلة، والسؤال
المطروح الآن.. من أين سيأتي العالم بالزيادة في إنتاج
الغذاء؟، لو جاءت الكميات الإضافية من السلع من المنتجين
الكبار في أمريكا وأوروبا وغيرهما.. ربما يحدث توازن،
فقد زاد محصول القمح الشتوي بنسبة 4% وكذلك الأراضي
المخصصة للزراعة في الربيع قد زادت.. ويتوقع البعض زيادة
في إنتاج القمح بنسبة 13%.
خلال العقود الماضية كانت الدول
المتقدمة تقوم بتمويل مراكز الأبحاث.. لكن مع بداية
الثمانينيات خفضت الحكومات الإنفاق علي الثورة الخضراء
معتقدة أن مشكلة الغذاء قد تم حلها، بهدف إخراط القطاع
الخاص الذي دخل بديلا عن الحكومات حتي تحولت مراكز
الأبحاث إلي مراكز احتكارية، وخلال هذه الفترة وحتي
التسعينيات تراجع الإنفاق الحكومي بمعدل النصف، حدث
انهيار بطيء فإنتاج سلالات جديدة تبدو عملية صعبة تذكرنا
بالجهود المبذولة لإنتاج مصل لأنفلونزا الطيور.
وعلي سبيل المثال عندما تم إنتاج
سلالة جديدة من الأرز عام 66.. بلغ الإنتاج عشرة أطنان
في الهيكتار لكن تراجع معدل الزيادة في إنتاج الأرز من
6% إلي 2% تقريبا، أقل من الزيادة في الطلب، لقد دفعنا -
كما قال زيجلر - ثمن الإهمال علي مدار 15 سنة.
لقد وصل الإهمال والتدهور إلي
الملكيات الزراعية، في الدول المتقدمة تجزأت نظرا لزيادة
عدد السكان.. تراجع حجم المزرعة من 5.1 هيكتار في
الستينيات إلي نصف هيكتار في أندونيسيا ومالاوي وغيرهما.
وأخيرا كما يقول نينتشابي سري
براسيرت الأمين العام لاتحاد مصدري الأرز في تايلاند
«هذا زمن صعب.. سوف يحدد من يعيش ومن لا يعيش».
عن مجلة
الإيكونوميست