|
سبق إيضاح مدي تعبير «النضال الروحي»
الذي قام به الأساقفة والرهبان عن رفض الخضوع للاحتلال
البيزنطي، كذا عن الحفاظ علي مقومات الشخصية المصرية
وإثرائها بمثل المسيحية، برغم محاولات أباطرة القسطنطينية
في تفكيك عراها للحيلولة دون اندلاع الثورات الشعبية التي
قد تسفر - علي الأقل - عن وقف إمداد بيزنطة بالقمح المصري.
ولعل هذا يفسر ظاهرة «عسكرة» النظم
الإدارية والتوسع في منح السلطات للجهاز البيروقراطي، هذا
فضلا عن تشديد الرقابة علي «البؤر» الثورية، خصوصا في
«طيبة» التي انبثق منها النضال الشعبي ضد الرومان، بدعم
قوة حاميتها العسكرية.
ومع ذلك، اندلعت انتفاضات شعبية تستهدف
التخلص من الأعباء المالية المشتطة من ناحية، وتحقيق
التحرر الوطني، ما استطاعت إلي ذلك سبيلا.
تبيان ذلك، لا مناص من تقديم عرض موجز
عن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في مصر البيزنطية علي
النحو التالي..
بصدد الأحوال الاقتصادية، عدل الأباطرة
عن النظام السابق الذي هيمنت فيه الدولة علي الشق الأعظم
من المقدرات الاقتصادية، وعولوا علي نوع من الحرية
الاقتصادية المراقبة من قبل الدولة، بما استلزم تكوين
جهازإداري حازم وصارم.
لتطبيق ذلك، اختفت الأراضي الملكية
لصالح التوسع في الملكيات الفردية، وإن أوقف نصاب من الأرض
علي المؤسسات الدينية، كالكنائس والأديرة، لكن هذه السياسة
أفضت إلي ظاهرة تعاظم «الضياع» المملوكة لغير المصريين علي
حساب الحيازات الصغري التي تملكها المصريون، فنظرا للشطط
الجبائي والمبالغة في فرض الضرائب علي المزارعين، واتباع
القهر والعنف في جبايتها من قبل الموظفين ظهر نظام
«الحماية» الذي كان سببا لظهور الإقطاع الفيودالي في
أوروبا آنذاك.
إذ تنازل صغار الملاك عن أراضيهم لكبار
الملاك، مقابل حمايتهم من عسف الجباة والعمل في ضياعهم بما
يكفل لهم حد الكفاف في المعيشة.
كبار الملاك
لذلك، اتسعت إقطاعات كبار الملاك، حتي
بلغت قري ومدنا بأكملها، وتعاظم نفوذهم إلي حد تعيين
موظفين لإدارتها، ورجال شرطة لحمايتها، علي أن هذا النمط
من الإقطاع مغاير للإقطاع الفيودالي، حيث كان المقطعون في
مصر يدفعون للدولة ضرائب، كما ظل الفلاحون أحرارا لا
أقنان، كما هو الحال في الفيودالية.
ومع شيوع ظاهرة الإقطاع البيزنطي، وجدت
ملكيات صغري للمزارعين المصريين، لكنها أثقلت بالضرائب،
فضلا عن أعمال السخرة، وكانت الضرائب علي الأرض موحدة مع
مراعاة مساحة الأرض وما تغله من محصول، وكان أهل كل قرية
ملزمين مجتمعين بدفع الضرائب المفروضة علي زمامها.
والمحصلة النهائية، أن هذا النظام أفضي
إلي نقصان الإنتاج، ومن ثم علي مدخول الدولة من إيرادات،
فحاولت تعويضه بفرض المزيد من الجبايات والمغارم التي
أثقلت كاهل الفلاحين، ومن ثم عولوا علي الهرب من الأرض
ولاذ بعضهم بالأديرة للعمل في مزارعها، ثم لم يجدوا بدا من
الثورة.
تدهورت الصناعة أيضا، كما وكيفا، نظرا
لتمركزها أساسا في الإسكندرية، وملاحقة الحرفيين بالضرائب
المشتطة والمكوس الجائرة، لذلك فقدت السلع جودتها، ولم تعد
قادرة علي منافسة نظائرها في السوق العالمية.
كساد الزراعة والصناعة
وإذ ازدهرت التجارة الخارجية نسبيا -
وفي بعض الفترات العابرة - نتيجة استثمار التجار
البيزنطيين الوافدين رءوس أموالهم في النشاط التجاري، فقد
تدهورت التجارة الداخلية، لكساد الإنتاج الزراعي والصناعي
واحتكار الدولة بعض السلع المهمة الخاصة بتموين جيش
الاحتلال، وتعاظم نفوذ الوسطاء الأجانب، وفداحة المكوس.
مجمل القول: إن السياسة الاقتصادية
أفضت إلي معاناة المنتجين ونقص الإنتاج، لكن ذلك لم يقلق
حكومة الاحتلال طالما تتدفق إليها أموال ضريبة الرأس -
الجزية - التي فرضت علي كل المصريين، والقوافل المحملة
بالغلال التي تحملها السفن البيزنطية من الإسكندرية إلي
القسطنطينية.
تأسيسا علي الاقتصاد تشكلت البنية
الطبقية علي النحو التالي:
أولا: طبقة أرستقراطية شرائحها من
البيروقراطية ورؤساء الجند والإقطاعيين والمشتغلين بالمال
والصيرفة والتجار الأجانب وبعض قيادات رجال الدين المصريين
في بعض الأحيان.
ثانيا: طبقة وسطي منكمشة وهشة تتكون من
التجار المحليين - ومعظمهم أجانب - ورؤساء الحرف الذين
أنشأوا طوائف مهنية بهدف تنظيم العمل داخل كل مهنة،
والتصدي لجباة المكوس، فضلا عن مهام أخري اجتماعية
وأخلاقية.
ثالثا: طبقة دنيا تشمل سواد الشعب
الأعظم من الفلاحين والرعاة والحرفيين - أحرارا وعبيدا -
الذين عانوا شظف العيش وأعمال السخرة الإرغامية، خصوصا بعد
ارتفاع الأسعار وتلاعب الدولة في عيار العملة.
لذلك، تفجرت المقاومة الشعبية في صور
شتي، كالهرب من العمل واللجوء إلي الأديرة التي لم يتوان
رهبانها عن تقديم العون المادي والروحي والمعنوي.
ثورات شعبية
من صور المقاومة أيضا، تهديد الكنيسة
المصرية بوقف شحنات القمح إلي القسطنطينية، والاستيلاء -
فعلا - علي بعضها وتوزيعها بالمجان علي الفقراء والمعوزين
المصريين.
منها أخيرا، اندلاع ثورات شعبية كبري
ذات أهداف اقتصادية - اجتماعية، وأخري تحررية، والواقع أن
حوليات العصر سكتت عن تلك الثورات، وما قدمته من معلومات
طفيفة تتسم بالغموض والتناقض، لذلك تباينت آراء الدارسين
المحدثين بصددها، بدرجة تثير الشكوك، إذ اتسمت أحكامهم
بالإطلاق والتعميم، كذا الخلط والتضارب.
وقد قدر لأحد تلامذتنا النابهين -
الصديق د. إبراهيم الجندي - أن يبذل جهودا محمودة في إجلاء
ما اختلف بصدده الدارسون السابقون ولا يتسع المجال لتبيان
وتثمين هذه الجهود، بقدر ما سنعول عليها عن قناعة وثقة.
وفي هذا الصدد، قامت ثلاث ثورات كبري،
خلط الدارسون بخصوص الثورتين الأولي والثانية، كذا فشلوا
في تحديد سنين اندلاعها، وأسبابها ومراميها، ومثيريها
وقوادها.. إلخ، ونكتفي - في هذا المقام - بذكر ما توصل
إليه الباحث من نتائج.
اندلعت الثورة الأولي في عهد
الإمبراطور «دقلديانوس» عام 291م، وبدأت في «طيبة» - موئل
الوطنية والثورية - كانتفاضة فلاحين، نجحت حامية المدينة
في قمعها، ومع ذلك تمكن الثوار من تجنيد أهل النوبة في
صفوف الثورة، ثم توجهوا إلي الشمال حيث إقليم الفيوم.
ومن المرجح أن الكثيرين من الفلاحين
والحرفيين بمصر الوسطي والدلتا انضموا إلي الثوار في الوقت
الذي انضم فيه التجار إليها بالمثل، وهنا انصرف بعض الثوار
لتهديد طريق التجارة الموصل إلي البحر الأحمر، فاستولوا
علي مدينة «قفط»، وتوجه البعض الآخر إلي مدينة «بورسيس» -
قرب منف، ومعناها بيت أوزيريس - ويبدو أن الحاميات
البيزنطية فشلت في هزيمة الثوار، الأمر الذي حدا
بالإمبراطور «دقلديانوس» إلي قمعهم بنفسه.
أما عن وقائع الثورة فلم تقدم عنها
المصادر أي معلومات، كذا عن تعليلها والراجح أنها اندلعت
لعدة أسباب، منها الشطط الجبائي وفرض ضرائب جديدة، كتلك
التي فرضت علي الفلاحين لإعاشة الجنود، كذا ارتفاع الأسعار
نتيجة التدهور الاقتصادي العام.
أما الثورة الثانية، فقد اعتبرها البعض
محض تمرد عسكري قام به ضابط بيزنطي يدعي «دومتيانوس»،
واعتبرها آخرون ثورة مصرية تزعمها مصري يدعي «أخيلليوس»،
والراجح أن التمرد وقع بالفعل، واستثمره «أخيلليوس» - الذي
كان من رجال دومتيانوس - ليحيله إلي ثورة شعبية وطنية،
تروم تحقيق الاستقلال، إذ بدأت في «طيبة» - كالعادة - عام
297م ثم شملت بعد ذلك كافة الأقاليم، وليس أدل علي
استهدافها التحرير من توجه الثوار إلي الإسكندرية - مقر
الحكم البيزنطي - واتصاله بالفرس الزاحفين إلي الشام، كذا
بالتجار العرب وقبائل البجة في بلاد النوبة.
إخماد التمرد
لعجز الحاميات البيزنطية عن ردع الثوار
الذين تعاظم خطرهم اضطر الإمبراطور «دقلديانوس» أن يأتي
إلي مصر لإخمادها، ولا نعلم كيف وقع ذلك، اللهم إلا نجاحه
في عزل ثوار الوجه البحري عن ثوار الصعيد، ثم هزيمة كل
منهم الواحد تلو الآخر عام 298م.
وقعت الثورة الثالثة عام 365هـ في عهد
الإمبراطور «فالنز» الذي كان أريوسي المذهب - وهو معاد
للمذهب الأثناسيوسي الذي يدين به المصريون - حين أصدر
قرارا بعزل الأسقف أثناسيوس بطريرك كنيسة الإسكندرية، لذلك
اندلعت الثورة في الإسكندرية وتمكن الثوار من هزيمة
حاميتها، وأشاعوا الاضطراب في المدينة، ثم انتشرت عدواها
لتغمر أنحاء مصر، وقاد الرهبان جموع الشعب للتوجه إلي
الإسكندرية وإسقاط الحكم البيزنطي.
اتصل والي الإسكندرية بالإمبراطور
ليتراجع عن قراره بعزل أثناسيوس، فأخذته العزة بالإثم
مطالبا الوالي بالقبض عليه وسجنه، لأنه - في نظره - مدبر
الثورة، لكن الرهبان حالوا دون ذلك ونجحوا في تدبير هروبه
خارج الإسكندرية.
وإذ تعاظم خطر الثوار، اضطر الإمبراطور
للعدول عن قراره ليعود أثناسيوس إلي بطريركيته.. خلاصة
القول، إن المسيحية تحولت إلي «إديولوجية ثورية» في مصر
البيزنطية، وأن المقاومة الشعبية وإن لم تحقق أهدافها في
تحقيق الاستقلال، فقد تمخضت عن إضعاف قوة الوجود البيزنطي
بمصر، بما مهد لفتحها علي يد العرب عام 642م. |