|
عفواً.. ولكن دائماً ما يلح علي ذهني
سؤال هل الأديان ضد المرأة؟! في الغالب الأعم إذا طرح هذا
السؤال علي أي إنسان فسوف يجيب بالإجابة المشهورة بأن
الأديان ليست هي التي تقف ضد المرأة ولكن رجال الدين هم
الذين يقفون ضدها والمقصود برجال الدين هنا (المشايخ
والقساوسة) علي حد سواء.
أو قد تأتي الإجابة في نفس السياق
السابق بأن الأديان في حد ذاتها لا تقف مع أحد ضد أحد خاصة
إذا كانوا جميعا ينتمون لنفس الديانة ولكن المشكلة تكمن في
تفسير النص وتأويل المتن وما إن نصل إلي هذه النقطة حتي
نجد أنفسنا أمام السؤال الأول إذا كان (رجال) الدين هم
الذين يقومون بتفسير النصوص وشرح المتون فهل يقف رجال
الدين موقفاً عادلاً من قضايا المرأة؟! الشاهد والملاحظ
يقول بعكس ذلك لأنهم وإن كانوا رجال دين إلا أنهم في
الحقيقة ينتمون لصفتهم الأولي (رجال) أكثر مما ينتمون
للثانية (الدين).
الطلاق الفوري
ü شرط الزواج
المعروف أنه يجب أن يكون هناك شهود علي عقد القران ولكن لا
يجب أن يكون هناك شهود لوقوع الطلاق فما إن يتلفظ الزوج
بلفظ الطلاق ألا ويقع الطلاق علي الفور وتنفصم عري الزوجية
بين الزوجين وهذا معناه أن إجراءات الزواج تحفظ للمرأة
حقوقها ولكن الطلاق بهذه الطريقة هو أمر مهين للمرأة ولا
شك فما معني أن يرمي الرجل بالكلمة في وجه زوجته حتي تتغير
صفتها الاجتماعية في الحال.. وقد يقول قائل إن هذا هو
الشرع وهو الحال الذي كان يقع به الطلاق في زمن النبوة
وهنا تكون عليهم الحجة وليست علينا.
لقد تغير الزمان ولم يتغير الفقه رجال
الدين بالمرصاد لكل محاولات التغيير والتجديد بحجة الحفاظ
علي ثوابت الدين ومحاربة البدع وقد يشطح بينهم الخيال
فيظنون أنهم يحاربون العلمانية بحفاظهم علي هذا الموروث
الفقهي العتيد.. وينسون أو يتناسون مايلي..
ü إن الإسلام
يعترف في جوهر بنيته بما يسمي (أولي الأمر) وقد تتغير صفة
(أولي الأمر) بل وقد يتعدد (أولو الأمر) في نفس المجال
ونحن في هذا المقام لا نطالب بأكثر من أن يدخل (أولو
الأمر) في صلب المشكلات التي تواجه المجتمعات الإسلامية
بعقلية مستنيرة تتيح لهذه المجتمعات التمتع بأكبر قدر من
الهدوء الاجتماعي والبعد عن الخوف والضيق النفسي.. إذا كان
الشرع نفسه أباح الطلاق فهذا معناه أن الشرع في العقيدة
الاسلامية لا يري في جوهر الطلاق هدما للأسرة ونحن هنا لا
نطالب بتسهيل الطلاق ولكننا نطالب بآدمية (المطلقة)
وإنسانيتها هذه الإنسانية المهدرة بحكم هذا الأسلوب الذي
يقع به الطلاق في الوقت الحالي.. فإذا كان الزواج لا يتم
إلا بالشهود والوثائق فيجب أن يكون الطلاق مثله بالشهود
والوثائق.
وما نعنيه هنا ليست (قسيمة الطلاق)
المعمول بها ولكن نعني وقوع الطلاق ذاته الذي يقع بالفعل
حينما يتلفظ (الرجل) بلفظ التطليق وهذا هو ما يستلزم تدخل
(أولي الأمر) لتقنين هذا الوضع غير المتحضر فمن الثابت ان
عقد الزواج (عقد) تسري عليه أحكام العقد وإذا كان العقد
شريعة المتعاقدين كما تقول القاعدة القانونية المعروفة فما
ايسر أن توضع في هذا العقد شروط وأسس تكون بمثابة الشروط
المتفق عليها بين الطرفين فإذا أخلف أحد الطرفين هذا الشرط
يتحمل هو نتيجة مخالفته بناء عليه تستطيع الدولة أن تضع في
قسيمة الزواج شرطا يلزم الزوج بألا يقع منه الطلاق إلا
أمام القاضي حتي إذا تلفظ الزوج بلفظ الطلاق لا يقع الطلاق
(شرعا) نظراً لمخالفته شروط (الإيجاب) المتفق عليها بين
المتعاقدين..
ولكي يحدث هذا يجب أن يصاغ في شكل أما
قانون أو إقرار والاثنان في مجتمعاتنا تخضع لهوي الرجال
وذلك نظراً لان المجتمعات الإسلامية بطبيعتها ذكورية
السيادة.
إن إشكالية وقوع الطلاق الفوري تعد من
أهم إشكاليات الواقع الإسلامي المعاصر ومن أهم قضاياه
الجوهرية.. والشاهد للعيان أن هناك كثيرا من حالات التطليق
تقع بسبب الغضب العابر أو المشاحنات الزوجية المعتادة فلو
علمنا أن حد الطلاق في الإسلام ثلاث طلقات ولا تحل الزوجة
بعد ذلك لزوجها إلا بمحلل كما هو معروف لعلمنا حينذاك حجم
المأساة التي تعيشها المرأة (والرجل أحيانا) والتي تواجهها
المرأة في الغالب وحدها نتيجة اكتساب الرجل وحده حق
التطليق بناء علي إرادته المنفردة. لكن لو أصبح الطلاق
مصاغا في صورة قانونية ملزمة في قسيمة الزواج بألا يقع
الطلاق إلا إمام القاضي لكان هذا أمرا أشد رشادة بدلا من
جعل الأمر خاضعا للفظ قد يقع بسبب ثورة عابرة.
الطلاق الغيابي
أما الأمر الثاني هو موضوع الطلاق
الغيابي وهو وثيق الصلة بالموضـوع الأول الخاص بالطلاق
الفوري وأنها لمأساة حقيقية أن تتغير الصفة الاجتماعية
لإنسان دون أن يعلم.. فنحن نعلم جميعاً أن في مقدور الزوج
أن يذهب من تلقاء نفسه ويطلق زوجته وفي اللحظة التي يقع
فيها هذا الطلاق أن يذهب من تلقاء نفسه ويطلق زوجته وفي
اللحظة التي يقع فيها هذا الطلاق تكون الزوجة بناء علي
جهلها بهذا العمل علي علم بأنها لاتزال زوجة وهي في الواقع
قد أصبحت مطلقة وهي لا تعلم.. وقد يستمر هذا الوضع أياماً
أو أسابيع.. أنه من غير المتصور حضارياً وإنسانياً أن
تتزوج فتاة دون أن تعلم وليس متصوراً أيضاً أن تطلق دون أن
تعلم.. فالطلاق مثل الزواج يجب أن يتم بعلم الطرفين في نفس
اللحظة التي يتم فيها.
وهنا تثار بعض الاسئلة.. ألا يقع
الطلاق فعليا بمجرد التلفظ؟ وأن الشرع قد وضع شروطاً لعقد
الزواج مختلفة عن شروط وقوع الطلاق؟! وأن الزوج غير ملزم
شرعا بإعلام زوجته بخبر طلاقها وأنه يستطيع فعليا وشرعيا
تطليقها دون علمها.
وليس هذا فحسب ألا يعد تدخل الدولة
بقانون تصاغ من خلاله شروط قسيمة الزواج يكون من شأنها منع
وقوع الطلاق إلا إذا تم أمام القاضي مخالفاً للشريعة
الإسلامية؟ وسؤال بديهي آخر ألم يكن في مقدور النبي (صلي
الله عليه وسلم) أن يشرع إشهار الطلاق مثل إشهار الزواج
ولكنه لم يفعل وبناء عليه فلا يحق لنا الآن المطالبة بما
امتنع النبي عنه؟! وللإجابة علي ما سبق وحتي لا نقع في فخ
التكرار نوجز قولنا فيما يلي.
بيئة ذورية
إن البيئة التي ظهر فيها الإسلام بيئة
بدوية (وهذا في حد ذاته لا يعيبها إنما هو رصد للحال) وهذه
البيئة البدوية ذكورية بطبيعتها ورغم كل ما يقال عن مكانة
المرأة وقتها إلا أنه من الواضح أن السيادة كانت للرجال
وكان هؤلاء الرجال يزوجون بناتهم.. وكان من البديهي أن
يقترن هذا الزواج بالإشهار حتي يكون هناك التفسير الكافي
في المجتمع القبلي آنذاك لغياب الفتاة عن أسرتها وإلحاقها
برفقة رجل جديد فالإشهار واعلام الفتاة بزواجها أمر بديهي
والشرع الإسلامي كما نعلم لم يأت مفارقاً للواقع البدوي
آنذاك بل كان متوافقاً معه في كثير من الأحيان فإذا كان
هناك داع لإشهار الزواج فليس هناك داع لإشهار الطلاق (الذي
هو فعل ضرر) كان هذا فيما كان.. أما الآن فالأمر جد مختلف
لقد تغير الوضع وتبدل المكان واختلف الزمان ولكن العقليات
لم تختلف والمجتمعات لم تتطور وأي محاولة للتطور يجابه
بالرفض والاستنكار. (رفض التغيير هنا يكون من جانب المجتمع
نفسه وليس من جانب الحكومات كما هو معتاد) إن دعوتنا
لتقنين الطلاق الفوري وامتناع الطلاق الغيابي ليست ضد
الدين في شيء بل ضد الفقه.. الدين من عند الله أما الفقه
فمن عند البشر ولا سلطان لبشر علي بشر.. ان دعوتنا لتدخل
الدولة بتقنين الشكل الإلزامي لشروط قسيمة الزواج بحيث تنص
صراحة علي عدم وقوع الطلاق شرعاً إذا كان بالتلفظ فقط لا
تتعارض مع الحق الذي أعطاه الشرع للزوج بأحقيته في التطليق
في أي وقت شاء لانه كما سبق وذكرنا العقد حين انشائه شريعة
المتعاقدين والمتعاقدون هنا ارتضيا بالشروط المعنية
والخاصة بالاشهار في الطلاق مثل الاشهار في الزواج فإذا
وقع الطلاق من جانب الزوج في هذه الحالة بمجرد التلفظ لا
يعد طلاقا شرعياً لانه خالف شرطاً مسبقا قام عقد الزواج
علي أساسه وهو عدم وقوع الطلاق إلا أمام القاضي.
إننا نحتاج أشد ما نحتاج إلي الدولة
الحارسة إلي الدولة الراعية التي تقوم بما تملك من سلطات
بالتدخل لصالح الحياة الرشيدة الكريمة والآدمية لجميع
مواطنيها. فالمجموع في حد ذاته لا يملك سن القوانين كما
أنه لا يملك في كثير من الأحيان طرح شروط خاصة في عقود
معمول بشروطها الرسمية.. كما انه من المرفوض اجتماعياً من
الأساس أن يشترط أحد الأطراف شروطا معنية وبخاصة في هذه
النوعية من المعاملات ولكن إذا كانت الدولة هي المشرعة وهي
الشارطة بهذه الشروط فلسوف يرضخ لها الجميع إما بالاقتناع
أو بالإلزام القانوني وإن كنا نتمني أن يكون المجتمع اكثر
قبولاً لهذه النوعية من الأفكار بوعي وإدراك.
إن الطلاق الفوري والغيابي يتعارضان مع
ابسط قواعد حقوق الانسان ويعلم الله أننا كنا سوف نتخذ نفس
الموقف لو كان التطليق بالتلفظ حقا للطرفين.. فالمسألة
مبدأ من الأساس... فبناء الأسرة ليس بالأمر الهين وهدمها
أيضا يجب إلا يكون هينا والسؤال الذي نود أن نختم به
حديثنا هنا هل تقنين الطلاق الفوري والطلاق الغيابي يساعد
علي هدم الأسرة أم هو عامل من عوامل (المراجعة) التي يكون
الجميع في أمس الحاجة إليها في لحظات الثورة والانفعال؟!!!
وهل ما نطالب به يتعارض بالفعل مع جوهر الدين أو أنه
يتعارض مع شكليات الفقه.. هذا الفقه الذي تسيد وأصبح نمطاً
ونسقاً وأصبح الخروج (المعنوي) منه اشد صعوبة من ولوج
الجمل في سم الخياط علي حد التعبير القرآني البليغ.. فمن
لها؟!!
elsorory@ yahoo.com |