|
مبدعون.. للوطن والشعب
توفيق زياد.. الصقر المغرد
أطلق رفاق نضاله عليه لقب «صقر فلسطين»
فلقد كانت حياة «توفيق زياد» ، عملية نضالية متواصلة، لم
تتوقف يوما.. ضد الغاصب الصهيوني لأرضه ومقدرات شعبه، ومن
قبله ضد الاحتلال البريطاني لفلسطين، ممارسا دوره النضالي
بكل الصور وفي مختلف المواقع:
في الحزب الشيوعي ومع الجبهة
الوطنية وأمام المظاهرات الشعبية.. قائداً شجاعاً.
وبين صفوف البسطاء.. محبا
ومجمعاً وداعما للصمود.
وفي المجالس البرلمانية
والبلديات المحلية.. مدافعا صلبا عن حقوق الوطن وأشواق
الشعب.
ووسط عذابات السجون.. مثالا
لصمود المناضلين.
ومع استمرارية وتعمق دوره الكفاحي -
بالسلاح وبالكلمة وبالقصيدة - كان شديد الثقة بزوغ فجر
الحرية والاشتراكية مهما تأخر انبلاجه، مؤكداً أن «النضال
كالبذور التي يزرعها الفلاح في الأرض، لابد أن تؤتي
ثمارها».
مناضل - من هذا الطراز - لا يمكن
للنكسات والهزائم أن تفت في عضده أو تضعف من تفاؤله
الثوري، فهو القائل:
«أدفنوا موتاكم وانتصبوا
فغدا - لو طار - لن يفلت منا
نحن ما ضعنا..
.. ولكن - من جديد - قد شبكنا».
وبقدر ما كان توفيق زياد قويا بل شرسا
في مواجهة الأعداء، وكان أرق من النسيم تجاه رفاقه..
«أناديكم.. أشد علي أياديكم
أبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول أفديكم»
بل هو القائل أيضاً: «أعطي نصف عمري
للذي يجعل طفلا باكيا.. يضحك
وأعطي نصفه الثاني لأحمي زهرة خضراء..
أن تهلك»
عريان نصيف
«بمناسبة عيد العمال»أســــــرار المگـــــــن
فكري
الخولي
ü فصل من رواية
«الرحلة» لفكري الخولي الصاردة عن دار الغد عام 1990.
أزف الوقت، وأخذ كل منا منديله، وسرنا
في الطريق إلي العمل.. وفي الطريق بدأنا الولد الغريب
بالسؤال:
- إحنا هناكل لحد إمتي من الطابونة؟
الماهية ماتكفيناش ناكل وندفع أجرة السكن.. حد يروح يجيب
لنا زوادة ناكل منها.
وقال السيد الصفطي:
- إحنا هنتمحك تاني.. نستني أما نشوف
أهالينا هيعملوا إيه.. هيسألوا فينا والا لأ؟
وقال الولد الغريب:
- هوه إحنا هنضربهم.. الفلوس هتخلص منا
ولو حد منهم جه مش هيلاقوا معانا ولا مليم.
ثم قال لي:
- ما تتكلم.. اللي هيمشي ورا السيد مش
هيكسب.
- أنت مش وافقت لما تبقي مش قد الشيء
ماتعملوش - هوه أنت هتعمل مناحة كل شويه!! فسكت ولم يجب
بعد أن نظر إلي بعينين يتطاير منهما الشرر..
وعاد الولد السيد وقال:
- خلاص - ناكل من الطابونة، ناكل عيش
خاص وفلافل.. نسيب البلد مدة.
فرد الولد الغريب:
- ده عيش مافيهوش بركة، الواحد بياكل
تلات أرغفة وما يشبعش.
- بكره بطنك تاخد عليه.. أعمل مرة من
البندر هوه أنت ماسمعتش اللي بيقولوه علينا.. عيش مفرفت من
البلد.. يعبوه في أشوله ويسفوا منه «نعمل من البندر مرة»!!
وغطي علي كلامنا ضجيج المكن وزئير
السيور وعجلات عربات اللحمة التي تعدو في الطريق مسرعة..
وأنا علي مكني، اقترب مني بعض العمال المجاورون وقالوا:
- ماسمعتش.
- ماسمعتش إيه؟
- العنابر الجديدة أنفتحت.
وبعد لحظات دخل الرؤساء العنبر
وبأيديهم كشوف من الورق، وساروا مسرعين يتطلعون في الوجوه
ثم يعودون يتطلعون في الورق. وفجأة جمعوا عمال اليومية
كلهم، ومن بينهم الغريب والسيد، وقفا يتطلعان نحوي
ووجهاهما يتهللان بالفرع ويلوحان لي وإذا بالرئيس يأخذ
عمال الانتاج من علي المكن، ويضع آخرين مكانهم، واقترب
مني، وأشار لي ببدء بعد أن نظر في الورق الذي معه، وتوجهت
إليه في تباطؤ، وقبل أن أصل إليه، دفع بأحد العمال ليحل
محلي.
وسألت نفسي.. ماذا حدث؟! وسألت العمال
فلم يجيبوا فهم أيضا لا يعرفون..
وجمعنا الرئيس - وعلي الوجوه كآبة -
وقال:
- انتوا دلوقت أحسن من غيركم هنوديكم
عنابر أخري جديدة هتشتغلوا علي أربع ماكينات - مين عاوز
يستني هنا ومين عاوز يروح العنابر الجديدة؟
وتطلعت إلي مكني وملأ الحزن قلبي، وقلت
للرئيس - سيبني هنا.. وقال غيري:
- سبينا هنا.. اللي عرفناه أحسن من
اللي مانعرفوش، وكان العمال يعلنون تذمرهم الذي يكبتونه..
وعاد الرئيس وقال:
- كل واحد يقف ورا الثاني..
قالها وسكت.. ولم ينبس أحد من العمال
بكلمة.. واكتفوا بهمهمات غير مسموعة.
وأحس الرئيس بما يعتمل في النفوس من
مرارة تختفي وتبدو في وجوهنا الشاحبة.. واتجه إلي الداخل
وسارت العمال خلفه، وبدأ في تسليمنا المكن. وما إن ابتعد
حتي أخد العمال يخرجون ما في صدورهم.
- إيه ده؟ هنشتغل ازاي هوه إحنا قدرنا
علي ماكنتين لما نقف علي أربعة الواحد هيلف حواليهم زي
الحلزونة..
.. وقال آخر:
- هوه احنا هنلاحق نصهم مواكيك.. يا
سنة سودة - ده الواحد لما كان بيروح ماكانش بيقدر يقيم
وسطه من الشغل علي مكنتين..
وقال ثالث :
- المشكلة مش في الاربع ماكينات، لكن
مشكلة اللحمة اللي زي الزفت، الماسورة ما تتحملش أكثر من
ثانية واحدة، لحمة تخينة خيط/12 - مش معقول نشتغل علي قماش
مفتخر ودمور اللحمة بتاعته زي الدوبارة.
وقال رابع:
- ياريت علي قد اللحمة والمكن من غير
شوك توقف المكنة كل ما تخلص ماسورة اللحمة.
وقال آخر:
- هوه ده مكن يشغلوه علي أربعات، ده
مكن جلي من بلاد بره مصدي وعمالين يغسلوه هنا بالجاز.
وقال آخر:
- يا جماعة همه عاوزين يطفحونا الدم،
ويشغلونا مطرح اتنين، ونطلع آخر المدة ولا حاجة تاخدها..
اللي نقبضه علي ماكنتين نقبضه علي أربعة.
وتركتهم يتحدثون ويولولون. واتجهت
متراخياً نحو ماكيناتي الأربعة قائلا لنفسي.. لقد اتخذ
الرؤساء القرار، ليس أمامنا إلا التنفيذ، ولا فائدة من
الصراخ أو الولولة. أو التباطؤ أو التراخي - وتطلعت وإذا
بي أري الرؤساء يرمقوننا من بعيد نظرات حادة ليروا ما
سنفعل.. وتذكرت الحلم الذي رأيتهع وقلت في نفسي.. «أنا ابن
حلال.. الحلم فسر نفسه، واقفين زي الجمل اللي جري ورايا
إلي أن وقعت في الوحل.. ووقف من بعيد يحفر في الأرض ولا
يكتفي بما أنا فيه، بل يريد افتراسي».
وها أنا أري الرؤساء من بعيد يتحفزون
مع علمهم بأن هذا الأمر ليس سهلا.. لسرعة المكن ورداءة
الخيوط، وعدم وجود شوك وعدم اهتمامهم بالتصليح.. وعدت أقول
لنفسي.. «همه دول يهمهم حاجة.. همه عاوزينا نقف علي
المكن.. نقف وخلاس وسطنا ينقطم، نقبض مانقبش، همه مش
خسرانين حاجة».
وفكرت أيضا متسائلاً.. «همه ليه
ماوقفوناش كلنا علي أربع ماكينات».. ولم أجد تفسيراً لذلك
وعدت أفكر.. «نكتب شكاوي.. لمين؟؟ للحكومة زي ما كتبنا»
وفكرت أيضا.. وهيه الشكوي ده مين راح يختم عليها؟ ثلاثمائة
عامل.. أربعمائة.. ألف.. وايه يعني.. الباقي كله مش هيمضوا
ماداموا واقفين علي ماكينتين. «وانتهي بي التفكير إلي ما
يشبه القرار.. هافضل واقف ونفسي مكسورة، وآخر المدة هاعمل
إيه؟.. هوه حد هيديني وأنا في غربة؟ لازم اشتغل علي آخر
جهدي، واكسر نفسي، علشان أدي لأمي وإخواني.. همه عاوزين
يزهقونا ويكسروا نفسنا، ونمشي مانتلفتش ورانا..لازم اشتغل
وأوريهم إني قدها وقدود، هاتعب، الواحد مش هيقدر يقيم
وسطه، مش مهم.. لازم نشتغل.
وبدأت أخلع جلبابي، وشمرت أذرعتي،
وبدأت أدور ماكينة وراء الأخري بعد أن أخذت كل الفتل،
وكتبت اسمي عندما بدأت العمل، حتي لا أتحمل عيوب من
سبقوني.
واتجهت انظار عديدة نحوي، وخاصة من
العمال الكبار الواقفين علي مكنتين، ودار المكن واستمر في
الدوران، وتلفت قائلا لنفسي.. «فين الرؤساء.. فين همه
دلوقت ليروني وأنا واقف علي المكن ليتأكدوا أنني استطعت أن
أديره.. بل استطاع غيري أيضا بشيء من الجهد أن يديروه..
ونستطيع أكثر من ذلك لو بذل الرؤساء معنا بعض الجهد.. إلا
أنهم لا يفعلون».
واشتغلت بحماس، وبدأت ألف كالنحلة حول
المكن.. ولم تقع عيناي علي أحد من الرؤساء.. وعدت ووضعت
يدي علي الفرامل بعد أن فردت وسطي، وطقطقت ظهري، وتطلعت
لما حولي ناظراً للماكينات، قائلا لها في غيظ وهي تدور..
«فين لما كنت باخاف أقرب منك.. فين لما كان عبدالعظيم يمسك
بكلتا يدي ويضعها علي الفرامل قائلا.. ما تخافش.. زق.. زق
وماتخافش.. فين الأول.. وفين دلوقت.. شتان بين موقفين كنت
خايف ودلوقت مش خايف.
وعدت أتأمل المكن وأخاطبه كثيراً ما
أخفتني كثيراً.. ما أرتعب جسدي من الاقتراب منك وقت أن كنت
تدفع بالعمال إلي عجلاتك فتنفجر بطونهم وتتدلي ألسنتهم..
«كان عبدالعظيم علي حق يوم أن حثني أن أهجم عليك ولا
أهابك، وأسيطر عليك قبل أن تسيطر علي وها أنذا الآن لم أعد
طفلاً هارباً من أمه، هاربا من الكتاب، لم يسبق له أن رأي
ماكينة في قريته.. لم أعد مجرد صبي، بل لم أعد مجرد عامل
يعمل علي ماكينتين، بل أصبحت أدير أربع ماكينات.. ونظرت له
برأسي مرفوعة ويدي تتحرك من فرملة إلي أخري وأواصل خطابي
له، أنتم الآن خاضعون لي، بعد أن كنت بالأمس خاضعا لكم
أديركم وأوقفكم عندما أريد، وأستطيع أن أدفع الفرامل بيدي
وأستطيع أن أدفع بها بقدمي دون ماخوف..
وأوقفت الماكينة، وقذفت بالمكوك في
الدرج، ووضعت قدمي في الفرامل، بدلا من يدي ودفعت بها
قويا، فدارت دونما إبطاء.
واجتاحني إحساس بالفرح بعد أن شعرت
بسيطرتي، واتجهت نحو الولد الغريب علي مكنة لأريه ما فعلت
مع مكني، فحاول منعي خائفا، ولكنني صممت علي ألا أديرها
إلا بقدمي وبعد أن دارت نظر إلي في ذهول وهو لا يكاد يصدق،
فأعدت ما قاله عبدالعظيم لي.. كنت أريد بذلك أن أكسر عنده
عقدة الخوف من الماكينة لا بالكلام وحده بل بالفعل كذلك.
وعلي بعد خطوات منا وقف بعض العمال
يراقبونني وابتسموا لما فعلت - واتجهت نحو مكني وبدأت
أديره بقدمي مخاطباً له من جديد.. «أستطيع أن أفكك قطعة
قطعة وأكومك ثم أعود أركبك» كما أستطيع أن اتركك تحت رحمة
الغبار وأحرمك من التزييت إلي أن تحترق وتصد أ».. ونظرت في
ابتهاج للماكينات ثم أدرت ظهري لها وأخرجت القطن الذي كنت
أسد به أذني، حتي أعود فأسمع واستمتع بالضجيج، ضجيج المكن
دون أن تتجه عيناي إلي الساعة المعلقة علي الحائط وسط عنبر
النسيج، وتطلعت حولي إلي العمال بوجوههم الشاحبة وهم يجرون
خلف الماكينات لملاحقة الفتل الزائدة، ولتقطيع العقد التي
تركها عمال السدا، نتيجة استعجال الرؤساء لهم. ورأيت آخرين
وقد أخفوا رؤوسهم، وآخرين منتصبي القامة، وأيديهم علي
الفرامل استعدادا لحدف المكوك في الدرج، وآخرين وهم يسيرون
متباطئين في الطرقات حاملين علي الأكتاف لوحات ملأي بغزل
القطن، وآخرين مائلين مستندين بظهورهم علي أجناب ماكيناتهم
المعطلة في انتظار مجيء الرئيس الذي تعبت الأعين في البحث
عنه، إذ إن الرؤساء كانوا في الحجرة خارج عنبر النسيج -
وعدت وتطلعت إلي المواكيك وهي تندفع من درج إلي درج في
سرعة لم ترها العين، وقلت في نفسي.. «من هذه السرعة
المجنونة، ومن هذا الاندفاع القوي خرج المكوك، خرج من
الدرج نتيجة عيب ما - وبدلا من أن يتخذ الاتجاه الصحيح،
اندفع خطأ، وبنفس هذه الاندفاعة القوية قتل العامل الذي
وقفت مكانه، قتله في الحال. واندفع الدم من رأسه.. أحمر
سائلا ثم لذجا ثم تجمد في الحال علي أجناب المكن وفي
الطرقات وانتهي العامل في لحظات وإلي الأبد.. وكأنه لم
يوجد.. انتهي لخطأ في المكوك، كان من الممكن تلافيه، لو أن
العامل عرف السر، سر اندفاع المواكيك في غير اتجاهها
الصحيح. كم من عمال قتلتها أيها المكوك؟ وكم من وجوه
شوهت.. وكم من عاهات ستبقي إلي الأبد، إلي أن ينتهي العمر؟
من المسئول؟ إنها عدم المعرفة بأسرار المكن أسرار لا
يعرفها العمال لأنانية الرؤساء. يحتفظون بأسرارك ليبقوا هم
أصحاب هذا السر.. وهذا ما دفعني ودفع الكثيرين غيري
لكراهيته.
أما الآن وقد انكشفت تلك الأسرار لي
لحبي الشديد للمعرفة، وانتباهي لهم وهم يقومون بالتصليحات
في بعض الأحيان، وبأعمال الصيانة في أحيان أخري، بحل وربط
الصواميل بعد انتهاء كل سداء لولا انتباهي لما عرفت أنا
الآخر أسرارك، واستمرت كراهيتي لك وإذا كنت أنا قد عرفت
فهناك كثيرون وكثيرون جدا ممن يشحنون في عربات النقل من
بلادهم ومن قراهم، لم يسبق لهم رؤيتك.. إلا أنهم سمعوا عنك
من سنوات طويلة أنك لا تدار الا بالدم.. دم ابن آدم الحي..
كنت بالأمس مثلهم عندما كنت في قريتي، يوم كانت أمي كسائر
الأمهات اللاتي يمنعن الأطفال من الاقتراب من بوابير
الطحين قائلات.. «إياكم أن تقتربوا من هناك، فإنها لا تدار
إلا بعد أن يذبحوا لها أطفالا ويظفروا بدمائهم العدة،
وتدار بعدها بالعفاريت؟».
إنني قد سمعت هذا في القرية، مازالت
أسمعه كلما ذهبت إليها، انها فكرة قديمة، قديمة جداً، لا
أعرف مصدرها، ومازالت تتردد للآن، والكل يرددها مع أنهم لا
يعرفون مصدرها.. أما وقد عرفتك، وعرفت أنك تدار
بالكهرباء.. فإنني أستطيع أن أحبك وأحب المكن كله.. بل
وأعشق الضجيج الذي تحدثه.. أنا لم أعد أطيق الحياة في
قريتي الهادئة التي يسير فيها كل شيء ببطء إنني أحب السرعة
التي تتمثل في حركتك.. وصدقني أنني أحبك مثلما أحب أمي
التي ترملت علي ورفضت الزواج بعد أن مات أبي لكي تجنبني
المهانة والإذلال.. أمي التي اختارت لي أن أكون حراً..
وأحبك مثلما أحب أخي الذي غرس في الكرامة الاعتزاز بالنفس.
وأحبك مثلما أحب الولد الغريب.. والولد السيد الصفطي..
وأحبك مثلما أحب أختي حسنيه، وكل من يحبونها وأحبك مثلما
أحب كل الناس الذين يعملون لكي لا يجوعوا..
أقول ذلك الآن لأنفس عن نفسي قليلاً..
إنني كنت بالأمس أكرهك، أما الآن فأصبحت أحبك، لأن حياتي
أصبحت مرتبطة بالوقوف إلي جوارك والدوران حولك، ولأن فدان
الأرض وتسديد إيجاره أصبح هو ايضا مرتبطا بذلك.. إنني منذ
تلك اللحظة يا ماكيناتي الأربع سأواليك بالتزييت، وسأمسح
عن أجنابك كافة الغبار والأتربة، وسأجعلك كالعروسة في ليلة
الزفاف.. سأجعل كل من يدخل العنبر من الزوار يعود وفي ذهنه
صورة طيبة عن العمال، سأفعل هذا لأن هذا يزيد الإنتاج،
وسأفعل هذا لأننا أصبحنا متلازمين لا غني لأحدنا عن الآخر.
وتطلعت إلي الساعة ورأيتها تلتقي
عقرباها عند الثامنة مساء وعدت وتطلعت للمكن في انتظار
نوبة الوردية الجديدة، مجتهداً أن أترك لزميلي عامل
الوردية الثانية، ما يعنيه علي زيادة الإنتاج، وشعرت بقدمي
وقد تصلبتا، وذراعي وقد تراخيا، ووسطي وقد أصبحت أقيمة
بصعوبة، وجلست بين المكن وقد تمكن مني الإرهارق، وحسست
بيدي علي ما أنتجته من أقمشة ففرحت وعدت أخاطب المكن..
أليس لك صاحب؟! وأين ومن هو؟! بقي لي أن أعرفه!!
كان عقربا الساعة قد توقفا عند
الثامنة، الثامنة مساء، ودخلت نوبة الوردية الثانية، وإذا
بأصوات جديدة عديدة وعفية ترج الجدران!!
نقــد
ســــــــيف
وأرق الصحــــــــراء
اليوميات هي أن يقوم الكاتب بتسجيل
الأحداث التي تمر به في أيام معينة وهي غالبا ما تخضع
لعملية انتقاء بمعني أن يقوم الكاتب بتسجيل أحداث دون
غيرها، وقد تأخذ اليوميات شكل المذكرات وأوضح مثال علي ذلك
مذكرات الكاتب الفرنسي جان جاك
وقد تكتب اليوميات بشكل تقريري أو بشكل
فني وهو الذي يهمنا حيث يخضع النص للاختيار وفنية العرض
وبراعة التحليل وترتيب الأحداث بحيث تعطي دلالات قابلة
للتأويل، وهذا ما فعله سيف الرحبي في يومياته مستخدما
الكثير من تقنيات الرواية كالسرد ورسم الشخصيات والحوار
وصناعة الأحداث، وأهم ما يميز اليوميات طريقة التسجيل حيث
يتحدد الزمان أي تاريخ الأفعال والأحداث سواء كتبت بشكل
فني أو تقريري.
في يوميات الرحبي نجد ما في السيرة
الذاتية من تشويق وإمتاع، وفيها إيجابيات السيرة حيث يجد
القارئ نفسه محبا للكاتب الذي سمح له أن يدخل إلي حياته
ليشاركه تجربته بحلوها ومرها، مستفيدا من تجارب الكاتب -
استفادة فنية ومعرفية - بالإضافة إلي الاستمتاع بسرد
الأحداث وتعليقات الكاتب المشبعة بالمرح والمحملة بالسخرية
اللاذعة أحيانا.
في أرق الصحراء حشد الرحبي كثيرا من
الأحداث والشخصيات والتجارب الحياتية والإبداعية التي مر
بها، وفي هذا إثراء للقاريء وتلوين يغني العمل الفني.. لقد
اعتاد سيف الرحبي عبركتاباته الإبداعية المختلفة أن يحتفي
بالمكان، فالمكان يكاد يكون هو الشخصية الرئيسية في معظم
كتاباته، ولعل حياة الكاتب وتنقلاته الكثيرة وعدم استقراره
بمكان محدد هي التي أسست لهذا الاحتفاء بالمكان.
ثلاثية الإبعاد
المحتوي الدلالي: تدور هذه اليوميات
حول الإنسان المعاصر وأزمته الوجودية واغترابه وتوحده مع
الكائنات الأخري ضد الزمن الذي يهدد وجوده بالفناء والعدم،
وتقدم لنا هذه اليوميات وجبة دسمة من خبرات الكاتب
الحياتية المتراكمة عبر فضاء مكاني وزماني وثقافي متنوع
مستفيدا من تعدد الأماكن وتنوع الأصدقاء وغني القراءات
وتنوعها بين معاصرة وتراثية، إنها سياحة في فكر مفكر أديب
ألبس السرد حلية الشعر وروح الشاعرية مع المحافظة علي
آليات السرد وفنيته.
إن هذه اليوميات هي أحداث ثلاثية
الأبعاد، الشخصية الرئيسية فيها هو الكاتب الذي يمثل
الكائن البشري أو جميع الكائنات الحية، الإنسان الذي يقع
بين مطرقة الزمان الفاعلة وسندان المكان «الأرض المتفرجة
علي ما يجري من تلك المطرقة الشرسة «الزمان» وما تفعله من
أفاعيل «تغييرات» في جميع الكائنات بما فيها «المكان» إن
الإنسان الذي استطاع أن ينتصر بالتقدم التكنولوجي علي كثير
من السلبيات وعلي المكان، لم يستطع أن ينتصر علي شيء واحد
يهدده منذ الأزل هو «الزمن»، إنه لا حيلة له أمام هذا
الشيء الخرافي العظيم، بل إنه ألعوبة تقاذفه الأزمنة كيف
شاءت منذ الميلاد إلي لحظة الموت.. أزمنة لا يد له فيها
علي الإطلاق ومن ثم فإنه قد جاء إلي الدنيا ولم يخير
وسيذهب منها فجأة أيضا بدون تخيير كما قال «الخيام»:
لبست ثوب العيش لم استشر.. وحرت فيه
بين شتي الفكر.
وسوف أنضو الثوب عني ولم.. أدرك لماذا
جئت أين المفر؟
والغرابة أن الإنسان الذي لبس ثوب
الحياة بدون رغبته أو استشارته قد ارتضاه بعد ذلك، بل قد
راق له بعد أن ذاق متع الحياة وبهجتها وأصبحت مشكلته كيف
يحافظ علي تلك الحياة، ومن ثم يدخل في صراع مع الزمن الذي
لن يتركه يواصل التمتع بها، فصار يصارع ضد المرض والضعف
والوهن بل ضد الفناء والموت.. صار يبحث عن الخلود ومن ثم
فإن أكبر مآسي الإنسان هو «الموت» إنها أزمة الإنسان
الوجودية منذ الأزل «فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل
أدلك علي شجرة الخلد وملك لا يبلي» يقول الرحبي: «ربما
علينا أن نحشد ما نستطيع من وسائل المواجهة للاستبداد
الزمني علي مشاعرنا وأجسادنا، وننعم بقسط من سلام الروح،حتي
ولو كانت له الضربة القاضية في النهاية» (ص112) وعندما
تصفح أرقام تليفونات الأصدقاء ووجد أن الكثير منهم قد فارق
الحياة قال الكاتب: «أخذني الذهول.. الحياة تأخذنا والموت
ينجز مهامه الضارية، هل يمكن الاتصال بهؤلاء الراحلين؟»
(ص90).
ولعل يأس الإنسان من حل مشكلة الموت
الذي سينتصر عليه في النهاية لا محال هو الذي أدخله في
دائرة الشعور بالأجدوي والعبثية يقول الكاتب مخاطبا
صديقته:«الوحدة أنه شعور العدمية والشيخوخة مسألة مرعبة..
قالت:«كله مثل بعضه» (ص92) والأجدوي حيث يتساوي كل شيء
طالما النهايات واحدة.
والكاتب هنا ليس متشائما بمقدار كونه
واعيا ذلك الوعي المرعب - كما سماه ريلكه - ذلك الوعي الذي
يدرك فيه الإنسان حقيقته الوجودية المؤلمة، تلك الحقيقة
التي جعلته يري أن البشرية لا تختلف عن الذباب من حيث
التفقيس والتناسل، إذا لم تكن هناك قيم روحية وجمالية تنقذ
ما تبقي من ماء الوجه المهدد بالنضوب، ويبقي السؤال الصعب
هل استطاعت الحضارة المعاصرة أن تبعد عن الإنسان مخاوفه
الوجودية؟ يري الكاتب: أن نفايات الثقافة الغربية صدرت إلي
الشرق، فلوثت عالمه الروحاني، وأصبح الشرق والغرب في حالة
خراب وفراج روحي مدمر، ومن ثم فالخراب الإنسان عام لا مفر
منه في كل مكان.
سطوة الزمن
البناء الفني: بكثير من الوعي بني
الرحبي يومياته وجعل المحتوي الدلالي «الهلع من سطوة
الزمن» هو المسيطر علي المضمون والشكل، وهنا تتضح براعة
الكاتب حيث يلتحم المحتوي الدلالي بالبناء العام ليخدم كل
منهما الآخر، كما سنري.
في أرق الصحراء مزاوجة بين المكان
والزمان، فالمكان «الصحراء» يواجهنا منذ العنوان مواجهة
صدامية، بالرغم من هذا نري أن مواجهة الزمان في هذا العمل
الإبداعي أقوي، فالعنوان «أرق الصحراء» والأرق هو ضيف
الليل الثقيل الذي لا يرحب به أحد، الأرق زماني الإيحاء،
«ليل» وتحت العنوان الرئيسي تأتي مفردة «يوميات» واليوميات
ذات ارتباط زماني، ويبدأ الجزء الأول بعنوان «الغبار
الأرضي وذاك القادم من كواكب أخري» ويجسد العنوان رفض
الكاتب لذلك الوجود الأرضي بوصفه قادما من كواكب أخري..
لعله يتمني ألا ينتمي إلي الأرض، والعنوان مزاوجة أخري بين
المكان «الأرض» والزمان القادم من كواكب أخري «أي أزمنة
أخري ويطغي الزمان طغيانا جارفا عبر البناء الفني»، ففي
استهلالية الجزء الأول يقول الكاتب: «في أي يوم نحن الآن؟
الأربعاء، الخميس، الأحد؟ في أي ساعة وزمن وتاريخ؟ علامات
الأزمنة.. الزمن يسيل سيلان الدماء الغزيرة في الطرقات
والشوارع في الأزقة والأودية.. الزمن المتدفق والمتجمد
كصخور خزافية جاثمة علي صدر الكائن وهو يختنق بأنينه
اليائس تحت بطشها المطلق، في أي يوم نحن الآن في أي ساعة
وتاريخ؟» (ص9)، ونشعر بأن الكاتب والمكان في حالة حصار
شديد، إنه في مصيدة لا يمكن التغلب عليها.. هي مصيدة
الزمن، لكنه لا يفعل شيئا للخروج من هذه المصيدة فقد
أنبأته تجاربه الحياتية بأنه مهزوم أمام سطوة هذا المارد،
تري هل يئس الإنسان من محاولة التملص من سطوة الزمن يقول
الكاتب أجل، بل إنه يري لا فائدة حتي من المحاولة ولذا
يكرر في ختام الكتاب (ص138) نفس الفقرة ذات التساؤلات
الحيري التي افتتح بها الكتاب (ص9) وكأنه بدأ النص بتعويذة
الزمن ثم ختم بها ليوحي بمدي قبضة الزمن علينا.
وكأنه السؤال ورد صداه وكأن هذه
التساؤلات تطبق علي الكتاب من البدء إلي الختام كما تطبق
علي الكائن البشري مما جعله يري عدم جدوي التساؤلات «في أي
يوم نحن الآن في أي ساعة وتاريخ؟» ويبدو هذا التساؤل كأنه
الوجع الأكبر للإنسان عامة وللكاتب خاصة إذ لا يهم في أي
يوم طالما النهايات محسومة لصالح الزمن وهزيمة كل
الكائنات.
ومع أن الكاتب هو الشخصية الرئيسية في
اليوميات كما هو في السيرة الذاتية إلا أن الزمان يكاد أن
يكون الشخصية المحورية الحقيقية في هذه الأحداث، وحتي في
الجزء الثالث والرابع الخاص بالأمكنة بيروت والقاهرة يسيطر
الزمن سيطرة مرعبة من داخل المكان ويفرد أجنحته فيقسم
الكاتب سرد الحدث المكاني إلي يوميات «الأحد الاثنين
الثلاثاء.. إلخ ويسجل من خلال هذه اليوميات رعبه من أفاعيل
الزمن».
أما النصوص الواردة في آخر الكتاب فهي
تكريس لكل الدلالات التي طوف بها الكاتب «المكان - الزمان
- رغبات الإنسان، هلعه المستمر من سيرورته».
ختاما.. «أرق الصحراء» كتاب علينا أن
نحتفي به لمستواه الفني ولسبقه الريادي في كتابة مثل
هذاالنوع وبهذه السمات الفنية الحداثية في الأدب العماني.
د. سعيدة بنت
خاطر ـ الإمارات
قصــة
بيــــــــــــــــت
اعتصم بمأواه.. ملأ خزائن الطعام وأعد
أشياءه الضرورية.. مكث أياما لا يدري عددها، جلس طويلاً مع
نفسه.
أيقن إحكام الحصار حول روحه.
لسنوات طويلة مرت. متي؟ عندما كان
طفلاً؟ أم هذا ميراثه الوحيد، أم حين خرج لأول مرة في
حياته مستنكراً ما يحدث متي؟
ساعات طويلة مرت هي العمر، أغلق
المذياع/ الفضائيات، جلس هادئاً، بكي طويلاً علي أخطائه،
كانت كثيرة وكبيرة، الموقف لم يكن فتنة، كان هجمة تتار،
والمواجهة حتمية، متي، هرب الجبان من ساحة التاريخ، وترك
للمخنثين الميدان/ نواصي الطرقات، يتصدرون الشاشات كأبطال
القدر أحكموا ارتداء الأقنعة، أيديهم ملوثة بدماء ذويهم.
يا إلهي متي حدث كل هذا؟
كانت الزوجة تتبادل الحديث الهامس مع
الجارة، والأطفال يلهون في صخب الساحة. قطع كل هذا، فجأة،
مكثوا مثل الأب في البيت، احكموا اغلاق النوافذ والأبواب
والمذياع، حين بدأ الطعام في النفاد. قالوا: لا بأس أمامنا
المزيد من فحول البصل والبتاو.
بدأوا يشعرون بالضيق والاختناق، عللوا
الأمر بان الهواء الداخل إلي البيت قليل.
قرروا جميعاً في لحظة فتح النوافذ
والأبواب، حين بدأت المحاولة اكتشفوا أن نقابات العالم تسد
رمق الروح ولا سبيل للخروج.
محمد رفاعي
شعر
هذا أوانك
له قلب طفل،،
وضحكة عاشق...،
خبر الحياة وطوع الزمن العصي
هذا الأبي/ السامق/ المتألق الموهوب
يجمعنا بعرس دائم للحب،
هذا الصب والولد المشاكس
والعجوز الغض والكهل الفتي
الفيلسوف/ الفوضوي/ الواقعي/ المنتمي
لا وقت للكلمات
للنقد الحداثي، لما بعد الحداثة
لعبة التفكيك والتأويل
والتنظير والتأطير
غاية أن تظل هنا/ هناك
الآن/ أمس
النص يفلت
والمتاهة، غربة الذات، الجموع
مجاعة الروح، الجماهير، الزئير
هتاف من فقد الدلالة والطريق
أيا أنيس الليث أنت/ غضنفر الوقت
المناسب
والمحارب.. لا تكن تكن غير الذي كناه
في لفح الظهيرة
والوقوف علي الصراط
وشفرة الوطن الطعين..
تؤلب العشاق
تمنحنا الصلابة واليقين
هذا أوانك
كي تعيد إلي الحروف بريقها
وإلي القصيدة أنارها
وإلي الجموع طريقها الحتمي
حتما.. سوف تنقشع الغيوم
وسوف تنحسر الكوارث والهزائم
سوف يرحل ذلك الديوث والملتاث
والرجس/ الخفافيش/ اللصوص
وسوف يرقص رفقة الدرب «التجمع»
سوف يجمعنا جميعا من فجاج خريطة الوطن
الحبيب..!!
عيد صالح -
دمياط |