علي الرغم من أن
الاختيار صعب ألا انها اختارت وتحدت الجميع
وفي مقدمتهم المجتمع ككل لتدافع عن حقوق
إنسانية ليست سياسية ولا اقتصادية بل حقوق
انسانية للبنات في حقهن في حياة امنه خالية
من الختان انها "مني حسن "مدير المشروع
القومي لمناهضة ختان الاناث التي كان لنا
معها هذا الحوار حول بداية المشروع والعقبات
التي واجهته وخطة عمله ....
* متي بدأ المشروع ؟
** بدأ امجلس القومي
لمناهضة الختان بالتعاون مع جمعيات المجتمع
المدني للخروج بحل علي اساس منهج حقوقي
للطفل دون اضفاء اي شكل سياسي علي الموضوع
بالاضافة الي المنهج التنموي المتكامل بباقة
تنموية صحية وتعليمية شاملة .
* ما هي اهم الصعوبات
التي واجهت المشروع ؟
** وضع المجلس الصعوبات
امامه من خلال معرفة طريق البداية بأن نسمع
الناس فوصلنا الي اننا نسمع الناس بالاسئلة
والاجوبة من خلال مجموعة من ورش العمل مع
القيادات المحلية والطبيعية تمثل كافة
الاتجاهات في القري محل البحث والدارسة
وبالتالي جمعنا كل التساولات والاشاعات
والتقاليد والتي جاءت متشابهة من اسوان الي
الاسكندرية .
بالفعل بدأنا من هذا
المنطلق وتعاملنا مع الاعلام بنفس المنهج
ومن هنا وجهنا الاعلام في هذا الطريق وقد
جاء التناول الصحفي والاعلامي الذي بدأ في
الاتجاه ناحية الحكايات الانسانية والنماذج
الايجابية .
*كيف تعامل المجلس مع
هذه الصعوبات ؟
** المجلس دخل هذا
المشروع وهو متاكدا انه سيواجه العديد من
الصعوبات فدخل بمدخل ان لايضع رأسه في الرمل
مثل النعام فتحدث عن الختان نفسه بحقوق
البنات خرجنا باجندة عمل واضحة بعيدا عن
السياسة اعتمدنا علي كل حقوق البنت في حياة
آمنه دون ختان واعتمدنا علي التعليم .
وبناء علي هذا نزلنا الي
الشارع وتعاملنا مع كل الفئات والشرائح
الاجتماعية في كل
المحافظات والقري والنجوع اتجهنا الي
المتطوعين فشكلنا حركة مجتعمية لا يملكها
احد بل يملكها الشارع وهذا الفرق اننا
اعتمدنا علي المجموعات العادية المثقفة علي
مناهضة الختان بعيدا عن النخبة والغرف
المغلقة منها الي الشارع بكل شرائحه وفئاته
المختلفة مما يوسع القاعدة .
وهذا ظهر بالفعل في
تناول وسائل الاعلام للمشروع فكان العصا
السحرية في التأثير علي الرغم من انه في
الاول كان التناول ليس جذابا "ماسك العصايا
من النصف "معتمد علي الموتمرات والندوات
والتوعية النمطية اي انه لم يكن حاسما لهذه
القضية ومن هنا توجهنا للاعلاميين وكانوا من
اكثر الفئات التي استجابت للتفاعل معنا ضد
الختان بمعرفة تاريخ الموضوع اعلاميا لان
الاعلامي في يده التحليل بعمق ليوصله الي
رجل الشارع بسهولة وبمصداقية ومن هنا خرج
الموضوع الي النور .
*ما هي القضية التي حركت
الموضوع في اتجاه سليم من وجهه نظرك ؟
** قضية وفاة الطفلة
"بدور " في المنيا فهي نتاج لبناء تراكمي تم
في قضية الختان الذي اوجد صحفيا واعيا عرض
الموضوع بقوة وفي الصفحة الاولي مما خلق
اهتماما شعبيا بالموضوع وبذلك يكون الاعلام
هو سلطة الشارع بعد ما عرف الصحفي كل ابعاد
الموقف وكل هذا وصلنا الي ان الإعلام لم يكن
ليمر مرور الكرام علي قضية الختان.
* الي الآن هل نستطيع ان
نقول ان المشروع حقق هدفه ؟
**لا نستطيع ان نقيس
نجاح المشروع بالالوان ما بين الابيض
والاسود علي الرغم من الرضاء علي مستواه
العام فالمشروع حالة من البناء التراكمي
نبني فيها جيلا وراء جيل وهو حالة من الحراك
التي حدث حول قضية الختان بالاضافة الي
الاستمرارية في الاداء حتي لايحدث تراجع يجب
ان نستمر الي ان نصل الي الهدف "فالناس لم
تخلع الطرابيش في يوم وليلة "الموروثات
الاجتماعية وتغيرها يعتمد علي البناء
والاستمرار وان يكون الموضوع مفتوحا.
* ما هي الجهات المشتركة
في دعم هذا المشروع؟
**نحن نعمل مع المؤسسة
التعليمية من طلبة في الجامعات والمدارس
بالاضافة الي جميع وسائل الاعلام فمن خلالها
نصل الي كل افراد الاسرة ولكننا الان في
حاجة ملحة الي دمج بعض الاشياء في المناهج
التعلمية من خلال المؤسسة التعليمية بكافة
مراحلها من الابتدائي حتي الجامعة وذلك في
اكثر من منهج .
ومنذ 14/9/1941 ترك أحمد
لطفي السيد رئاسة الجامعة للدكتور علي إبراهيم
أستاذ الجراحة العامة الذي ظل في موقعه هذا
حتي تركه في شهر يناير عام 1947، وفي هذه
الفترة شهدت الحركة الوطنية للجامعة ثورة 1946
ومذبحة كوبري عباس الثانية وتشكيل اللجنة
الوطنية للعمال والطلبة التي شكلت مرحلة جديدة
في الحركة الوطنية المصرية وفي دور الطلاب
والجامعة في النضال الوطني المصري.
في السنوات التالية للحركة
الطلابية والشعبية في عام 1935 جرت في نهر
الحياة السياسية المصرية مياه كثيرة، فبينما
أسقطت مظاهرات الطلبة وزارة توفيق نسيم وأعادت
دستور 1923 بصدور الأمر الملكي بعودته في 12
ديسمبر 1935، تألفت الجبهة الوطنية التي تطالب
بالاستقلال ووقعت معاهدة 1936 في 26 أغسطس،
واشتعلت الحرب العالمية الثانية عام 1939 التي
انتهت بهزيمة ساحقة لأبشع أنواع الاستعمار ،
فقد هزمت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية
واليابان العسكرية وأصيب الاستعمار الإنجليزي
والفرنسي أيضا بضعف شديد خلال الحرب وظهر عالم
جديد ينقسم بين المعسكرين الرأسمالي
والاشتراكي وزادت حركات التحرير الوطني
العالمية قوة خاصة في الصين وأندونيسيا
وفيتنام وبورما والملايو وكوريا، وفي داخل مصر
حدثت تحولات كبري في المجتمع كان من أهمها
زيادة أعداد الطبقة العاملة المصرية وظهور
لجان وروابط ونقابات العمال ودخولهم كطرف فاعل
في الحياة الاقتصادية والحركة الوطنية، فلم
يأت عام 1944 إلا وأصبح عدد النقابات العمالية
في مصر 210 نقابات تضم 104 آلاف عضو وكان لهذه
التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
أثرها علي ثورة العمال والطلبة في عام 1946.
انتهاء الحرب وآمال
الاستقلال
انتهت الحرب العالمية
الثانية عام 1945 وكانت الحكومة القابضة علي
زمام الحكم هي حكومة الأقلية من حزبي السعديين
والدستوريين التابعة للسراي، ويقول شهدي عطية
الشافعي إن الشعب انتظر من الحكومة أن تصنع
شيئا فلم يحدث أي جديد يعبر عن طموحات
المصريين في الاستقلال، وبدأ الرأي العام
يزداد سخطا حتي لقد انعكس هذا علي شركاء
النقراشي في الحكم، فخرج محمد حسين هيكل رئيس
الأحرار الدستوريين في تصريح له بالأهرام
ينتقد سياسة النقراشي في مجاملة وزارة
الخارجية البريطانية بينما صرح وزير خارجية
مصر أن الدولتين «مصر وبريطانيا» خرجتا من
الحرب تربطهما أواصر الصداقة برباط أقوي مما
كان في أي وقت مضي واشتدت حملة الصحافة
المصرية المعارضة لحكومة النقراشي الحليفة
لبريطانيا، وبدأ الرأي العام يزاد سخطا علي
حكومة النقراشي لإغفالها مطالب الاستقلال
الوطني ولوقوفها موقف الصمت، واضطرت حكومة
النقراشي أن تصنع شيئا لامتصاص الغضب الشعبي
فأرسلت مذكرة إلي الحكومة البريطانية في 20
ديسمبر 1945 تطالب فيها بإعادة النظر في
معاهدة 1936 وتطالب بسحب القوات البريطانية في
زمن السلم وأن تكون علاقات مصر مع بريطانيا
مستقرة علي أساس من التحالف.
وانتظر النقراشي فجاءه رد
الحكومة البريطانية بعد قرابة شهر كالصفعة حيث
يرفض أي مناقشة أو إعادة نظر لمعاهدة 1936
وتعتبر مصر والأمم البريطانية شيئا واحدا أو
في تحالف أبدي، فاشتد سخط الشعب عندما اطلع
علي المذكرتين النقراشية والبريطانية ،فقد
أطاحت هاتان المذكرتان بآمال الشعب وقواه
الوطنية في الاستقلال بعد انتهاء الحرب وتأكد
الجميع أن بريطانيا أثناء الحرب العالمية
الثانية لم تتغير بعد انتهائها بخروجها منتصرة
علي تحالف النازية والفاشية.
وبدأت الإضرابات: إضراب
كلية اللغة العربية عن الطعام، ومبيتهم في
الفصول، وبدأت الاحتجاجات: اللجنة التنفيذية
العليا للطلبة تحتج، اتحاد خريجي الجامعة يصدر
بيانا مطولا متناولا مذكرة الحكومة والرد
البريطاني، اللجنة التنفيذية العليا لطلبة
الجامعة والمعاهد العليا تقرر دعوة الطلبة إلي
عقد مؤتمرات في معاهدهم لمناقشة الحالة
الناجمة عن الرد البريطاني.
اللجنة التنفيذية العليا
للطلبة
في 7 أكتوبر 1945 اجتمع
مندوبون عن طلاب الجامعة والمعاهد العليا
والمدارس الثانوية والفنية في كلية الطب وتقرر
في هذا الاجتماع إنشاء اللجنة التحضيرية للجنة
التنفيذية للطلاب، ويقول فاروق القاضي في
كتابه «فرسان الأمل» والذي شارك في نضال
الحركة الطلابية (1944 - 1950) إن هذه اللجنة
أنشئت علي المبادئ التالية:
1- النضال من أجل
الاستقلال الوطني ومكافحة الاحتلال العسكري
والسيطرة الاستعمارية.
2- العمل علي تصفية
العملاء المحليين للاستعمار وهم الإقطاع وكبار
الماليين المرتبطين بالاحتكارات الأجنبية.
3- توحيد كل القوي الوطنية
المعادية للاستعمار.
كما نص بيان اللجنة
التحضيرية علي أن التفاوض مع الاستعمار حول
حقوق الوطن خيانة، وانتخب مصطفي موسي رئيسا
للجنة التحضيرية وكان قائدا للطلائع الوفدية،
ومنذ أكتوبر 1945 فبراير 1946 اهتم قادة
الحركة الطلابية بتشكيل اللجان الطلابية في
مختلف الكليات بالانتخاب المباشر، وقام
المنتخبون بدورهم في انتخاب اللجنة التنفيذية
العليا لطلاب جامعة فؤاد الأول، ثم اللجنة
التنفيذية للأزهر ومثلها في جامعة الإسكندرية
«فاروق الأول»، والمدارس الثانوية كذلك، ومن
مجموع هذه اللجان انتخبت اللجنة التنفيذية
العليا للطلبة التي انتخبت مصطفي موسي رئيسا
لهذه اللجنة، وكان من بين أعضاء هذه اللجنة
كما يقول الدكتور عصام بصيلة في ندوة الذاكرة
الوطنية التي عقدت بمركز البحوث العربية في
ذكري مرور 50 عاما علي تشكيل اللجنة الوطنية
للطلبة والعمال وثورة 1946: فؤاد محيي الدين
والشربيني بكلية الطب، وعبدالرءوف أبوعلم
ومحمد الجندي من كلية الحقوق، ولطيفة الزيات
وثريا أدهم من كلية الآداب، ومصطفي موسي،
وعبدالمحسن حمودة وإسماعيل السيوفي ومصطفي
مؤمن من كلية الهندسة وأحمد عبداللطيف ومصطفي
فوزي من طب الأسنان، وفاطمة زكي وسعد زهران من
كلية العلوم، وتقول فاطمة زكي في تلك الندوة
إن اللجنة التنفيذية بكلية العلوم كانت تتكون
من سعد زهران وعبدالواحد بصيلة وفاطمة زكي
ورشدي عبدالباري وكمال عبدالرازق، وتؤكد أن
اللجنة التنفيذية العليا قد تكون لها مكتب
رئاسي من كل من لطيفة الزيات وعبدالرءوف
أبوعلم وجمال السنهوري، وقررت اللجنة
التنفيذية العليا للطلبة بعد أن استكملت
تكوينها القيام بالرد علي المذكرة البريطانية
نيابة عن الحكومة المتقاعسة وأن يكون الرد في
مؤتمر عام في الحرم الجامعي يوم 9 فبراير حول
النصب التذكاري لشهداء ثورة 1935، وهكذا أكد
جيل الأربعينيات قيادته للثورة التي سبق أن
قادها جيل العشرينيات في ثورة 1919 وجيل
الثلاثينيات في ثورة 1935.
9 فبراير وقرارات مؤتمر
الجامعة
يتذكر فاروق القاضي يوم 9
فبراير في جامعة فؤاد الأول قائلا: صباح يوم 9
فبراير شهدت الجامعة أكبر حشد في تاريخها،
تجمع الآلاف من طلبة الجامعة وطالباتها وكن
يشتركن لأول مرة بعد أن فرضن وجودهن الثقافي
والسياسي، كما كان ظاهرا بوضوح حضور طلاب
الثانوي والمعاهد والمدارس، وتذكر فاطمة زكي
من بين الطالبات اللاتي اشتركن كلا من حورية
مصطفي وصفية فهمي وسعدية عثمان وحورية عفيفي
وبرلنتي السروجي وفاطمة زكي وزاكية رياض من
كلية العلوم، ولطيفة الزيات وآسيا النمر
ونجيبة عبدالحميد وجنفيف سيداروس وثريا أدهم
من كلية الآداب وعائشة راتب ونبيلة عبدالحميد
ونعمت بدر من كلية الحقوق.
وفي الموعد المحدد ظهر
عبدالمحسن حمودة الطالب بكلية الهندسة وألقي
خطابا حماسيا ألهب مشاعر المؤتمر وتعرض لبشاعة
الاستعمار وتهاون القوي الرجعية وبؤس حال
الطبقات الشعبية، وأن قضية الجلاء هي مسئولية
الجماهير صاحبة المصلحة في التحرير، وكان
الطلاب يهتفون بشعارات: الجلاء بالدماء، الشعب
الشعب يحيا الشعب ثم تحدث مصطفي موسي رافضا
الاستراتيجية الاستعمارية والأحلاف العسكرية،
وضرورة تحقيق الجلاء، وأصدر هذا المؤتمر
الطلابي عدة قرارات، تطالب بضرورة رفض الحكومة
للرد البريطاني وعدم الدخول في مفاوضات إلا
علي أساس الاعتراف بحق مصر في الجلاء ووحدة
وادي النيل، وضرورة التخلص من التزامات معاهدة
1936، وإلغاء اتفاقيتي السودان، وسحب
عبدالحميد بدوي مندوب مصر في الأمم المتحدة
بسبب مواقفه المخزية، وأجمع الطلاب علي
الاستمرار في النضال من أجل تحقيق هذه الأهداف
وضد أي حكومة لا تعمل علي تحقيقها، وأن الطريق
هو نفس طريق الشعوب التي هبت وثارت منذ نهاية
الحرب، وقرر المؤتمر الخروج في مظاهرة إلي قصر
عابدين لرفع قراراتهم إلي الملك والمطالبة
بإقالة الحكومة، ويؤكد فاروق القاضي أن
المظاهرة لم تخرج للذهاب إلي قصر عابدين بل
للإعلان عن رأينا وسط الجماهير التي أردنا
إشراكها في النضال حسب التقاليد العريقة
للحركة الطلابية ويؤكد القاضي أن محمد عودة
يشاركه هذا الرأي حيث يؤكد عودة في كتابه
«فاروق بداية ونهاية» أن صوتا ارتفع من الحشد
ودعا للخروج إلي الشارع وإلي الجماهير صاحبة
الحق واستجاب الكل واشتعل الحماس وتدفقت خارج
السور أكبر مظاهرة طلابية حددت تراث الكفاح
وأثارت ذكرياته وأثبتت أن الطلبة مازالوا أهم
الطليعة والقوة الضاربة الأولي وفقا لما يراه
محمد عودة في كتابه المذكور.
مذبحة كوبري عباس 1946
تدفقت جموع الطلاب الحاشدة
خارجة من حرم الجامعة باتجاه ميدان الجيزة،
حيث انضم المواطنون إلي المظاهرة، وحيا عمال
شركة الدخان القريبة من ميدان الجيزة وعمال
الترام المتظاهرين بهتاف يقول يحيا الطلبة مع
العمال، ورد عليهم الطلاب المتظاهرون بشعار
العمال جنود الثورة، واستمرت المظاهرة حتي
بلغت كوبري عباس لتعبره إلي القاهرة ويتفق كل
من الدكتور شوقي الفنجري الذي أصيب في هذه
المذبحة ويعرف بالشهيد الحي (كما كان يعرف
إبراهيم شكري بالشهيد الحي لمذبحة 1935) مع
فاروق القاضي الذي شارك في هذه المظاهرة مع
شهدي عطية الشافعي في وصفه لهذه المذبحة التي
يقدم فاروق القاضي تفاصيلها بقوله:
لم نكد نقطع الربع الأول
من كوبري عباس حتي لاحظنا أنه أخذ ينفتح،
أبطأنا في السير وتوجه عدد من طلبة الهندسة
إلي أسفل الكوبري وقاموا بالسيطرة علي مفاتيحه
وأعادوا إغلاقه، يقول القاضي: لم ينغلق
الكوبري تماما إذ ظل جزء بسيط عند طرفيه يمينا
ويسارا غير مغلق، لكن الوسط العريض كان كافيا
لعبور المظاهرة، عندما عبر جزء كبير من
المظاهرة إلي منتصف الجزء الشرقي من كوبري
عباس تقدمت نحونا قوات كبيرة حاملة الدروع
والعصي مرتدية الخوذات من فرقة الباشا التي
كونها سليم زكي باشا حكمدار القاهرة وانهالت
بالضرب المبرح، فحدثت موجة ارتداد للخلف وفي
نفس الوقت حدث ضغط من طرف المظاهرة الخلفي
نتيجة هجوم قوات أخري من الجيزة لا تقل عددا
ولا ضراوة عن قوات القاهرة بأوامر من فيتز
باتريك باشا حكمدار الجيزة، فوقعت المظاهرة في
كمين مدبر بين قوات سليم زكي وقوات باتريك،
وأخذت القوات تستفرد بالمتظاهرين صفا صفا وظهر
أن الهدف ألا يخرج مشترك من المظاهرة سليما،
وبسبب قوة الضغط والضرب سقط بعض الطلاب في
الماء عند الجانبين المفتوحين من الكوبري،
وألقي البعض بأنفسهم في النهر فرارا من الضرب
والكسور والجروح، ووفقا للبيانات الرسمية
والمؤرخ عبدالرحمن الرافعي فقد أصيب في هذه
المذبحة يوم 9 فبراير 84 طالبا بإصابات بليغة
ونقل الكثير منهم إلي مستشفي قصر العيني،
وبينما يؤكد فاروق القاضي أن القوات لم تكتف
بالمحاصرين فوق الكوبري بل لاحقت الفارين داخل
البيوت المجاورة وخلف سور السينما الصيفي
المجاورة للكوبري، ويؤكد إصابته بشومة فوق
ذراعه ويؤكد الدكتور شوقي الفنجري أن إصابته
كانت عبارة عن كسر بالجمجمة أعقبه نزيف بالمخ
وشلل نصفي ونقل ضمن مئات الطلبة المصابين إلي
قصر العيني وتصور الأطباء وفاته فنقلوه إلي
المشرحة وأعلنت الصحف الأحد 10 فبراير 1946
وفاته غير أن الدكتور لطفي أبوالنصر وجد فيه
نفسا بالمشرحة فأجري له عملية وظل أربع سنوات
يعالج بمستشفي قصر العيني من الشلل ومضاعفاته
ولذلك أطلقت الصحف عليه لقب الشهيد الحي
لمذبحة كوبري عباس.
احتجاجات الجامعة وثورة
الشعب
احتج عمداء جامعة فؤاد
الأول في رسالة بعثوا بها إلي وزير المعارف
عبدالرازق السنهوري باشا طالبوا فيها بضرورة
التحقيق فيما وقع من مجازر لأبنائهم الطلاب،
واجتمع مجلس النواب الذي ندد عدد من أعضائه
بالمذبحة وبالحكومة وطالبوا بالتحقيق فيما
حدث، وارتفع صوت الدكتور طه حسين بمقولة لا
تنسي نشرها في جريدة الوفد المصري في ذلك
الوقت، يقول فيها: لو حوكم صدقي علي جرائمه
سنة 1930 لما ارتكب النقراشي جرائمه، يجب أن
يقدم هؤلاء السادة للمحاكمة وقبل كل شيء أن
تعرف الأمة المصرية بالضبط عدد القتلي والجرحي
وأن كان قتيل واحد يكفي لمحاكمة ألف وزارة
وألف نقراشي.
ويقول المناضل النقابي
حسين كاظم: كانت مذبحة كوبري عباس هي الشرارة
حيث اجتمع بعدها قادة النقابات في مؤتمر
نقابات عمال القطر المصري بمقر نقابة عمال
المحال التجارية في 6 حارة الشواربي وقرروا
ألا تذهب دماء أبنائهم الطلبة هدرا، وحركت هذه
المذبحة الجسد العمالي الكبير للانخراط في
الثورة، ويصف شهدي عطية الشافعي الأوضاع
قائلا: هبت المظاهرات محتجة في الإسكندرية
والزقازيق والمنصورة والسنبلاوين، وتجمع طلبة
الإسكندرية واتجهوا إلي حي كرموز حيث قاموا
بمظاهرة كبيرة، وقتل ثلاثة من الإسكندرية
وثلاثة في الزقازيق وواحد في المنصورة، وتعددت
المظاهرات رغم هذا وتعددت الجنازات الصامتة
وقامت معركة بين الطلبة والمحتشدين في قصر
العيني ضد الإنجليز استمرت يوما كاملا، وحاولت
الحكومة وقف المظاهرات بإغلاق الجامعة وبشغل
المواطنين بإقامة احتفال ضخم بعيد ميلاد الملك
لكن الثورة لم تتوقف واضطرت الوزارة إلي
الاستقالة في 15 فبراير 1946.
اللجنة الوطنية للعمال
والطلبة
لكن السراي لم تستسلم،
فبينما كتب الدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته
أن جلالة الملك «فاروق الأول» سقط في عيد
ميلاده السادس والعشرين عن عرشه مهما تأخر
الخلع لبعض الوقت إلا أن السراي في محاولة
لإطالة عمر النظام وافقت علي إقالة وزارة
النقراشي لكنها اختارت إسماعيل صدقي لرئاسة
الوزارة الجديدة، وكأنها بذلك تريد أن تذكر
الشعب بأنها سوف تحكم بالحديد والنار، واعتبرت
القوي الوطنية وجماهير الشعب أن هذا الاختيار
تحد لها فردت علي تحدي السراي باستمرار
المظاهرات في مختلف المدارس ومختلف الأحياء،
وأصدرت اللجنة التنفيذية للطلبة ميثاقا وطنيا
في 17 فبراير 1946 كانت أهم بنوده:
1- الجلاء التام، 2- دولية
القضية المصرية - التحرر من العبودية
الاقتصادية، وختم هذا الميثاق ببيت من الشعر
لأبي القاسم الشابي: إذا الشعب يوما أراد
الحياة..
ويقول المناضل والمؤرخ
العمالي طه سعد عثمان إنه في أحد اجتماعات
اللجنة التنفيذية لمؤتمر نقابات عمال مصر
علمنا أن الطلبة كونوا لجنة تنفيذية عليا
فقررنا الانتقال فورا للاجتماع بلجنة الطلبة
في مدرج كلية الطب، وفي هذا الاجتماع تكونت
اللجنة الوطنية للعمال والطلبة وكان ممثلو
العمال فيها هم: محمد مدبولي سليمان ومحمود
حمزة وحسين كاظم وسيد علي ومحمود الدمرداش
وسيد خضر وعبدالعليم علي عمارة ومحمد شطا
وعبدالمقصود أبوزيد، ويقول فاروق القاضي إن
الأسماء الثابتة للطلبة في هذه اللجنة كانت:
فؤاد محيي الدين وعبدالرءوف أبوعلم وعبدالمحسن
حمودة ولطيفة الزيات وفاطمة زكي، وتقول فاطمة
زكي إن ميثاق 17 فبراير كان إعلانا بميلاد
اللجنة الوطنية وأن ثريا أدهم عن الطلبة وحسين
كاظم عن العمال شاركا في صياغة هذا الميثاق،
ويقول شهدي عطية الشافعي إن اللجنة الوطنية
للعمال والطلبة بعد أن تكونت في كلية الطب
أصدرت قرارا مهما يعتبر وثيقة تاريخية تسجل
مرحلة جديدة في المعركة الوطنية حيث يقول هذا
البيان:
«قررت نقابات العمال
بالقطر المصري وطلبة الجامعات المصرية والأزهر
والمعاهد العليا والمدارس الخصوصية والثانوية
أن يكون يوم الخميس 21 فبراير 1946 يوم
الجلاء، يوم إضراب عام لجميع هيئات الشعب
وطوائفه، يوم استئناف للحركة الوطنية المقدسة
التي تشترك فيها كل عناصر الشعب المصري متكتلة
حول حقها في الاستقلال التام والحرية الشاملة،
يوم إشعار المستعمر البريطاني والعالم الخارجي
أجمع، أن الشعب المصري قد أعد عدته للكفاح
الإيجابي حتي ينجلي كابوس الاستعمار الذي ظل
جاثما علي صدورنا منذ 64 عاما، يوم هو وثيقة
في أيدي المفاوضين المصريين يقدمونها دليلا
للمستعمر علي أن الشعب المصري مصمم علي ألا
يتخلي لحظة واحدة عن الجلاء عن مصر والسودان،
يوم يقظة عامة للشعب المصري يؤكد فيها أنه لن
يقبل أي انحراف أو تهاون في حقه في الاستقلال
والحرية، يوم تتعطل فيه المرافق العامة ووسائل
النقل والمحلات التجارية والعامة ومعاهد العلم
والمصانع في جميع أنحاء القطر، أن جلال هذا
اليوم ليهيب بنا ألا ننحرف بقضيتنا المقدسة
إلي شغب أو تخريب أو إخلال بالأمن العام،
فلنرفع جميعا لواء الوطن عاليا، ولنثبت وحدتنا
التي لا تنفصم، عمالا وصناعا، طلبة وتجارا
وموظفين، شعبا متكتلا يرفع عن نفسه وصمة الذل
والاستبداد».
21 فبراير 1946
يقول فاروق القاضي في
كتابه «فرسان الأمل» إن الإضراب في 21 فبراير
امتد من الإسكندرية إلي أسوان استجابة لقرار
اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، أغلقت المصانع
أبوابها، خرج طلاب المدارس رافعين راياتهم
مرددين الشعارات الوطنية، تجمع عمال المواصلات
منذ الصباح في مخازن وورش الجيزة وشبرا
والعباسية، واصطفوا في مواكب خلف أعلامهم
النقابية وخرجوا في مسيرات تردد نفس الشعارات
الوطنية، وخرج عمال السكك الحديدية في عنابر
بولاق وورش أبوزعبل، وفي جامعة فؤاد الأول
تجمع آلاف الطلاب في الحرم الجامعي كما تدفق
إلي داخل الحرم كل طلاب الجيزة والدقي، ووصلت
مسيرة طلاب الأزهر إلي ميدان الأوبرا حيث
تجمعت عدة مسيرات وتدفقت علي ميدان
الإسماعيلية التحرير حاليا الجموع الهادرة من
خمس جهات: من جامعة فؤاد الأول بالجيزة ومن
السيدة زينب ومن الأزهر ومن العباسية ومن شبرا
حتي ضاق بهم الميدان علي سعته واختلفت
التقديرات بين 40 ألفا و100 ألف حيث يميل
فاروق القاضي إلي الرقم الأكبر، ويتفق فاروق
القاضي مع شهدي عطية الشافعي في القول باقتحام
أربع سيارات بريطانية مصفحة لجموع المتظاهرين
غير عابئة بمن تقتل أو تدهس فغضبت الجموع
الحاشدة واستولت علي السيارات البريطانية
وأشعلت فيها النيران، ويقول القاضي إنها لاذت
بالفرار داخل ثكنات قصر النيل التي كانت تنطلق
الرشاشات من داخلها، فأصابت السيارات المصفحة
والرشاشات عددا من المتظاهرين وسقط القتلي
والجرحي وازداد انفعال المتظاهرين فخلع بعض
العمال والطلبة ملابسهم وغمسوها في بنزين
السيارات المصفحة وأشعلوا النار في الحواجز
الخشبية التي كان يختبئ وراءها جنود الاحتلال،
ونزلت القوات البريطانية المسلحة إلي الشوارع،
ولكن المظاهرات لم تنقطع طوال اليوم، بل خرجت
من حي باب الشعرية السيدات وهن يهتف: أولادنا
فداء مصر، وسقط من الشهداء ثلاثة وعشرون شهيدا
و121 جريحا نذكر منهم: أحمد سيد أحمد سالم
وحسن حامد حسن ومحمد فهمي ومحمد أبوالنصر
وآخرون، وهزت الفاجعة كل الطوائف فلم يتوقف
غضب الجماهير الحزين في كل مكان في
الإسماعيلية وسمنود والمحلة الكبري وطنطا
وغيرها، وكان آخر موقع خيم عليه الهدوء هو
ميدان الجيزة، في الثامنة مساء.
ولقد لبت كل طوائف الشعب
نداء اللجنة الوطنية، لكن القاهرة المثخنة
بالجراح باتت ليلة حزينة، عاد العمال إلي
ورشهم والطلبة إلي أحيائهم يعصرهم الغضب
ويملؤهم الإصرار علي الانتقام، إن دم الشهداء
لم يذهب هدرا فقط كان 21 فبراير بداية هزيمة
الاستعمار الإنجليزي إذ قرر أن ينسحب أمام
الإصرار الشعبي وأن يجلو بجيوشه وأسلحته عن
المدن الكبري وأن تتمركز قواته في منطقة
القناة.
اجتمعت اللجنة التنفيذية
للطلبة وقررت عقد مؤتمرات في جميع الكليات
والمعاهد والمدارس مطالبة الحكومة بصرف
تعويضات لأسر الشهداء وأعلنت التضامن التام
بين الطلبة والعمال في سبيل قضية الوطن، وعقدت
اللجنة التنفيذية مؤتمرا في الجامعة يوم 24
فبراير ثم اجتمعت اللجنة التنفيذية للعمال
والطلبة في 26 فبراير ووافقت علي اقتراح
اللجنة التنفيذية للطلبة بتحديد يوم 4 مارس
لإعلان الحداد العام.
وقد أصبح يوم 21 فبراير
1946 يوما عالميا فكما حدثت مظاهرات الطلبة
والعمال في مصر في هذا اليوم تظاهر في نفس
اليوم في الهند الآلاف من رجال سلاح الطيران
الهندي وتضامن الشعب مع البحارة وموظفي سلاح
الطيران وأصطدم الشعب الهندي بالقوات المسلحة
البريطانية فسقط منهم 25 شهيدا و500 جريح،
ولهذا أصبح يوم 21 فبراير يوما عالميا يحتفل
بذكراه شباب العالم أجمع باعتباره يوما هب فيه
شعبان عظيمان كالشعب الهندي والمصري ضد
الاستعمار من أجل الحرية والاستقلال.
الاثنين 4 مارس يوم الحداد
العام
ظهرت وحدة القوي الوطنية
في أروع صورها يوم 4 مارس حيث جاءت صبيحة هذا
اليوم فإذا الصحف محتجبة والمتاجر والمقاهي
والمحال العامة مغلقة والمدارس مضربة والمصانع
في جميع أنحاء القطر معطلة، لقد استجاب الشعب
المصري بأكمله لنداء اللجان الوطنية للعمال
والطلبة.
وكاد اليوم يمر بسلام لولا
ما فعله جنود الاحتلال في الإسكندرية فقد
أطلقوا النار علي مظاهرة سلمية من العمال
والطلبة عندما وصلت المظاهرة إلي الفندق
المخصص لإقامة بعض رجال البحرية البريطانية
حيث رفع هذا الفندق العلم البريطاني عاليا
وكان رفعه في يوم الحداد الوطني تحديا صريحا
لمشاعر المصريين، وقد أطلق العساكر الإنجليز
الرصاص علي المتظاهرين فسقط الشهداء الذين
بلغوا في هذا اليوم 28 شهيدا و342 جريحا.
وهكذا كان طلاب 1946 كطلاب 1935 و1919 حيث
أشعلوا النضال الوطني من أجل الحرية
والاستقلال، لكنهم في 1946 كما قدموا الشهداء
قدموا للحركة الوطنية قيادة من طراز جديد
تمثلت في اللجنة الوطنية للعمال والطلبة.