
من أسباب موجات الغلاء المتتالية أن
حكوماتنا تتفاخر بأن السوق ينظم نفسه من خلال العرض
والطلب. وتتجاهل هذه الحكومات انه يمكن التحكم في العرض
رغم وجود الطلب لكي تصبح السلعة شحيحة ويرتفع سعرها.. وهنا
نشهد ما يشبه رقصة التانجو بين الحكومات والتجار، حيث يجري
تبادل الأدوار والاتهامات.. ويبقي المواطن هو... الضحية.
وارتفاع الاسعار في المواد الغذائية
والملابس والأدوية ومواد البناء والخدمات يهدد بابتلاع أي
علاوة أو زيادة في الأجور. وتظل الحكومات تعتبر أن الرقابة
علي الاسعار أو حتي محاولة التحكم فيها يعد خروجاً معيبا
علي سياسة وفلسفة ومنطق اقتصاد السوق الحر.
وهكذا يستمر انخفاض الدخول وتراجع
القدرة الشرائية.. والدولة غائبة.. وتتفاقم الأزمة مع
امتناع الدولة عن الاستثمارات الانتاجية، بالقدر المطلوب
والواجب، ومع تركز الثروات في أيدي شرائح اجتماعية ضيقة
ونمو طغمة مالية تحول الجزء الأكبر من المدخرات والدخول
إلي الخارج.. والنتيجة.. هي زيادة حدة التفاوت الاجتماعي
واتساع نطاق ظاهرة الفقر والبطالة وزيادة اختلال التوازنات
الهيكلية للاقتصاد، وخاصة الاختلال بين الانتاج
والاستهلاك، وبين الأرباح والأجور، وبين الأجور والأسعار..
وتقلص التراكم، أي التوظيفات الانتاجية، مما يؤدي إلي
التشوه في البنية الاقتصادية.
والآلية القائمة لتوزيع الدخل الوطني
تؤدي إلي تحويل قسم مهم من هذا الدخل إلي شريحة معينة..
وما حدث هو أنه بعد أن تم نهب القطاع العام، أعلن فقهاء
السوق عن عدم قدرة هذا القطاع علي الاستمرار واستحالة
إصلاحه، وقرروا البحث عن آليات جديدة لاعادة النهب. وشهدنا
إلغاء الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية للدولة والحد من
دورها في التجارة الخارجية وتسليم القيادة لقطاع خاص - ولو
رغما عنه - والتغاضي عن قصوره البنيوي.. وزادت تكلفة
الفساد والاحتكار.. وتقاعس الحكومات عن رفع نسبة الاكتفاء
الذاتي من الإنتاج المحلي للمواد الغذائية، وخاصة المحاصيل
الاستراتيجية.. محاربة الفقر تتطلب برنامجاً متكاملاً من
الاجراءات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، ووقف استنزاف
الثروات الوطنية، ووضع حد لإهدار المال العام، ومكافحة
الفساد وتضييق الفوارق بين الطبقات، وحد أدني للأجور يكون
مساوياً وموازيا للحد الأدني لتكاليف المعيشة، ومعالجة
الفجوة بين الريف والمدينة.. وبايجاز.. فان المطلوب هو
إعادة النظر في مجمل السياسات الاقتصادية الحالية. |