
تزامن نظر دعوي الاستئناف التي
رفعها رؤساء التحرير المصريون الأربعة ضد الحكم
الصادر ضدهم بالحبس السبت الماضي مع اليوم العالمي
لحرية الصحافة، ومع الإفراج عن مصور قناة الجزيرة
«سامي الحاج» الذي اعتقلته القوات الأمريكية
واحتجزته دون محاكمة في معتقل جوانتانامو لست
سنوات متصلة بعد أحداث سبتمبر 2001، وهو تزامن
يبين الطابع العالمي لقضية حرية الصحافة وقبل أيام
صدر التقرير الذي تعده سنويا منظمة «فريدم هاوس»
عن حرية الصحافة في العالم والذي قال إن 18% فقط
من الشعوب تتمتع حقا بحرية الصحافة، وأن العام
2007 شهد تراجعا منظما لهذه الحرية حيث قتل 79
صحفيا في العراق وخمسة صحفيين في الصومال وجاء
ترتيب مصر رقم 116 بين دول العالم من حيث توافر
حرية الصحافة فيها، بينما حظيت الكويت بالموقع 114
وهي مع ذلك تأتي علي رأس الدول العربية التي تتمتع
بحرية نسبية.
وأجرت منظمة أردنية بحثا عن
أوضاع حرية الصحافة فتبين أن 74% من الصحفيين
يراقبون أنفسهم ذاتيا وهو شكل خطير من أشكال
الرقابة سوف يحتاج وقتا وجهدا للتخلص منه.
ودعا صحفيون سودانيون إلي رفع
سقف حرية التعبير في بلادهم وهم يحتفلون بتحرير
«سامي الحاج»، وكان صحفي سوداني قد وجد قتيلا في
العام الماضي بعد أن لاحقته جماعات متطرفة بسبب
آرائه.
وكان تقرير التنمية البشرية
الأول في الوطن العربي قد توصل إلي حقيقة مؤلمة من
حقائق الوضع العربي حين بينت الدراسة التي أجراها
أن ما يتمتع به المواطنون العرب من حريات هو
الأدني في كل أنحاء العالم بما في ذلك أفريقيا
جنوب الصحراء وتقييد الحريات العامة هو ضلع واحد
فقط في مثلث التخلف وضلعاه الآخران هما تدهور
أوضاع المرأة وتدني مستوي المعرفة والتعليم والبحث
العلمي.
وهو ما أدي - ضمن عوامل أخري -
لفقدان الإرادة السياسية وتدهور الإنتاج.
ولكن، ورغم هذه القيود علي
الحرية وقوانين الصحافة التي تقضي بحبس أصحاب
الرأي بسبب رأيهم والتي لا شبيه لها في العالم بعد
أن كانت مثل هذه القوانين قد ألغيت في البلدان
الديمقراطية في نهاية القرن التاسع عشر أقول إنه
وبالرغم من كل هذا فإن الشباب وجدوا ضالتهم في
شبكة الإنترنت واستطاعوا أن يتجاوزوا القيود التي
وضعتها السلطات علي الصحافة المطبوعة والإعلام
المرئي والمسموع وكما تقول الصحفية المصرية «مني
الطحاوي» التي تعيش وتكتب في الصحف الأمريكية.
«إن الحاجة هي أم الاختراع حيث
وجد المصريون ضالتهم في حرية التعبير في ذلك
الموقع «الفيس بوك» فالمصريون ليس لديهم الكثير من
قنوات التعبير عن الرأي، لذا فمن الطبيعي أن
ينشروا آراءهم في مكان وفر لهم تلك الحرية».
ويبين لنا تاريخ الإنترنت
والعمر القصير نسبيا للمدونات و«الفيس بوك» أنها
استطاعت جميعا أن تلعب دورا كبيرا في تعميق حرية
التعبير في بلد ديمقراطي تتمتع فيه الصحافة
المطبوعة بحريات واسعة مثل الولايات المتحدة
الأمريكية، فقد تحررت المدونات و«الفيس بوك»
والشابات والشبان الذين يحررونها من ضغوط المصالح
الاقتصادية الهائلة التي كثيرا ما تفرض شروطها علي
الصحف المطبوعة بسلاح المال والإعلان كما حدث
أثناء إعداد إدارة بوش لغزو العراق ثم العدوان
عليه حيث انحازت الغالبية العظمي من الصحف وأجهزة
الإعلام المسموعة والمرئية لصالح شركات البترول
والسلاح التي وضعت سيناريو هذه الحرب العدوانية
وخططت لها وراكمت المليارات من الدماء التي سالت
فيها، بينما تصدت المدونات للإدارة والشركات معا
وكشفت عن فسادها وتزويرها لأسباب الحرب واستطاعت
برغم الصحافة المكتوبة أن تجذب قطاعات متزايدة من
الرأي العام الأمريكي ليكون فاعلا ضد الحرب ومن
أجل الانسحاب من العراق.
وفي مصر استطاع المدونون أن
يخلقوا فضاء حرية رغم الطوارئ والقيود، ونظموا
إضرابين قوميين أيا كان رأينا فيهما أو أيا كانت
النتائج المترتبة علي الدعوة وطريقة التنظيم.
خلاصة الأمر أن المدونات أخذت
تكتسب مصداقية علي امتداد المعمورة وفي بلادنا دون
أن نلغي القيود علي حرية الصحافة والإعلام، وهي
الحرية التي ستتطلب كفاحا متواصلا علي كل
المستويات القانونية والعملية كما تتطلب تضامنا
بين الصحفيين والإعلاميين من كل المنابع والتوجهات
دفاعا عنها - عن الحرية - فالحرية هي رافعة
التقدم. |