الفروق بيننا وبين المجتمع
الأمريكي كبيرة.. ومع ذلك تكتشف أحيانا بأن لديهم نفس
أنواع المعاناة التي نشكو منها.. وأن تلك الفروق تختفي
فقط من علي السطح ببريقه
اللامع المبهر.. لتكمن في العمق.. بعيدا عن العاصمة
والمدن الكبري والصورة السائدة في السينما والميديا.
هذا الفيلم «البلدة الجنوبية» واحد
من أهم أفلام السينما الأمريكية في الأعوام الأخيرة،
مأخوذ عن واقعة حقيقية وقعت في إحدي المدن الصغيرة في
ولاية جنوبية كبري، وفي مصنع للحديد يسيطر صاحبه علي
كل شيء، بما فيه «نوعية الشكاوي» التي تقبلها نقابة
العمال وتفحصها بجدية.. ووأد
كل ما يمكن أن يسبب له منغصات منها حين يتم تصعيده
بعيدا عن ملكه.. في هذا الإطار الصارم للحياة تقف بطلة
القصة الشابة الجميلة جوس أيمز موقفا شديد القسوة
لأنها جرؤت علي الشكوي من التحرش بها ومحاولة اغتصابها
من قبل رئيسها في الوردية.. الفيلم من إنتاج 2005، ولم
يعرض في مصر، وإنما عرضته منذ أيام إحدي شبكات
التليفزيون العربية الكبري التي تطرح علينا باقة من
القنوات المخصصة لعروض الأفلام الأمريكية بنسبة 80%،
وبعض المسلسلات الأمريكية بنسبة 20%، ومن حين لآخر
تأتينا بفيلم عربي، أقصد مصري، حديث، وأهمية هذا كله
أنك في إطار قمة البيزنس التجاري لتسويق قنوات
التليفزيون المدفوعة، يمكنك أن تعثر علي أفلام عديدة
لها قيمة، وأن تري عددا من روائع السينما ولكن بشرط أن
تدقق كثيرا في «القائمة»، ولا تدقق فيما تقدمه الشاشة
نفسها، إلا إذا كان جيدا مثل هذا الفيلم الذي أخذه
كاتب أو كاتبة السيناريو ميشيل ستيزمان من كتاب
لكاتبتين تتبعا ما حدث في القصة الحقيقية للبطلة وهما
كلارا بينجهام ولورا ليدي، وعنوانه «قصة لويز جنسن
كدليل نموذجي لتغيير قانون التحرش الجنسي» أي أن
الفيلم هو في الحقيقة تتويج لقصة نضال امرأة شجاعة هي
لويز جنسن «التي سميت في الفيلم جوش أيمز» وقامت بأداء
دورها ببراعة وتقمص مذهل شارليز ثيرون الحاصلة علي
الأوسكار وإحدي أهم ممثلات السينما الأمريكية في العقد
الأخير.. بل إن ثيرون رشحت عن هذا الدور هي والممثلة
فرانسيس ماكدورماند «في دور جلوريا صديقة البطلة»
رشحتا لكل جوائز الأدوار النسائية للسينما الأمريكية
عن العام المذكور وفازت بها ماكدورماند فقط من خلال
جوائز النقاد «الجولدن جلوب»، وربما يكون السبب أن
ثيرون كانت قد حصلت علي الأوسكار قبل هذا بعامين فقط..
أما مخرجة الفيلم فاسمها نيكي كارو وهذا هو الفيلم
الأول الذي أراه.
يطرح الفيلم من خلال بطلته صورة
شديدة الصدق لحالة امرأة تعيش وحدها، تربي طفليها
وبدون رجل، وهو أمر شائع في مجتمعها، لكنه أيضا يضعها
في إطار مختلف عن غيرها من النساء، تصبح فيه منتهكة
السمعة، ومباحة للجميع، خاصة زملاءها الرجال خاصة
الباحثين عن مغامرات أو «ملطفات» في أيام العمل
الطويلة في تلك المنطقة الحجرية حيث تقع مناجم
الحديد.. ويبدأ الفيلم الموقف من قمته، حيث تجمع
النقابة العمال لبحث الشكوي التي قدمتها جوش ضد
زملائها الذين تحرشوا بها مرارا «في مشاهد قليلة يقدم
الفيلم بعضها» الحركات البذيئة من ضمن زملائها أو
الصمت عن زميلاتها، وعندما تطلب هي الكلمة يحاول رئيس
اللجنة إيقافها بدعوي الحفاظ علي الوقت.. وهنا فقط..
حين يوشك الأمل في التغيير علي النفاذ، يدافع عنها أحد
كبار العمال، والدها «الممثل توماس كيرتس» والذي كان
ضدها علي طول الخط للدرجة التي دفعت الأم «الممثلة سيس
سباسك» إلي اتهامه بالظلم والانحراف وراء تيار العداء
لابنته لمجرد أنها - أي الابنة - كانت مراهقة مزعجة
رفضت وصايته عليها.. يكتشف العامل القديم في تلك
اللحظة أن عليه التدخل لحماية ابنته من الفتك بها من
زملاء هو أدري بهم وبحقيقتهم وبادعاءاتهم الباطلة فيقف
ويطالب بحقها في أن تتحدث، وأن يسمعوها، وأن تأخذ
فرصتها ويعلن، للمرة الأولي، أنه عمل طوال حياته في
هذا المكان وكان يعتقد أن الجميع أصدقائه..
لكنه أدرك أخيرا أنه لا
يوجد صديق واحد له في هذا المكان.. ويصمت الجميع، يعيد
الكثيرون حساباتهم بعد
كلام الأب الصادم.. ويبدأ كل منهن، ومنهم، في الحديث
مع النفس.. بعيدا عن تلك
«الكتلة الصماء» التي صنعتها الرغبة في الدفاع عن
النفس، والرغبة الأكبر في الحفاظ علي لقمة العيش من
صاحب عمل يرفض أي مشكلة تصدر من العاملين معه.. والطرد
هو البديل.. «كما قال
للبطلة في نعومة عندما ذهبت تستنجد به بناء علي
مقابلته صدفة في مطعم وطلبه منها أن تأتيه إذا تعرضت
لأي مأزق.. هو نفسه» يمضي السيناريو بنا في إقامة بناء
أقرب لقطعة الدانتلا التي تتجاور فيها خطوط عديدة
بنعومة، ليقدم لنا عالم البطلة في الماضي، وحتي أيام
المدرسة الثانوية حين تحرش بها مدرس الفصل واغتصبها
ولم يتحرك صديقها للدفاع عنها وهو ما خربها من الداخل
وجعلها تفقد بوصلتها وكل ما تؤمن به، مرورا بتجارب
فاشلة أنجبت خلالها طفليها، ثم صحوة قررت خلالها أن
تكون أما صالحة لابنيها، وأن تقدم لهما ما فقدته من حب
واستقرار، لقطات ومشاهد قصيرة مليئة بالمعاني ومشحونة
بكل ما يعمق علاقة المشاهد بحياة المرأة بما فيها
لقاؤها أثناء عملها بجلوري، العاملة في المصنع والتي
تشفق عليها من عملها الطويل في كافتيريا لا تعطيها
عائداً يكفي حياتها مع طفليها، وسعي جلوريا إلي إتاحة
فرصة عمل لها في المصنع، ونجاحها، ثم هذا الكم من
السفالات والتحرشات بها لمجرد أنها امرأة جميلة، وأم
بلا زوج، وصولا إلي إيقاظ ضمائر البعض ممن تضامن معها
حتي يمكن للسلطات أن تبحث شكواها، وأن ترسل محققين إلي
المصنع برغم إرادة صاحبه.. إننا إزاء فيلم يقول
الكثير، سواء فيما يقدمه عن حكايته الأصلية التي أثارت
ضجة في حينها «في الستينات من القرن الماضي» لدرجة
أنها تحولت لقضية رأي عام ونجحت في تغيير قانون التحرش
الجنسي في أمريكا، أو فيما يقدمه من صورة شديدة
الإنسانية للإنسان عندما يخطيء فيخرج من رحمة الأسرة
أولا، وعندما يريد أن يصوب نفسه فيواجه بمن يصمم علي
أن يلقيه في القاع.
سبــــــوت
أجازة صيفية
مجرد أيام ليس أكثر ، وتبدأ
الأجازة الصيفية لتلاميذ المدارس في المرحلة
الابتدائية ، والإعدادية ، أربعة شهور من الفراغ التام
، ليس أمامهم فيها سوي الجلوس أمام شاشة التليفزيون .
ماذا يقدم التليفزيون المصري ،
لمشاهديه في مرحلة الطفولة والمراهقة ؟ هذا هو السؤال
الذي ينبغي الإجابة عليه.
لا تزال برامج الأطفال علي الشاشات
المصرية الرسمية ،حتي الفضائية منها ، تتعامل مع
مشاهديها بمنطق انتهي منذ سنين طويلة ، وتتجاهل عن
استهتار بأن هلاء المشاهدين الصغار ، يتعاملون مع
شاشات الكمبيوتر ، أو علي أقل تقدير مع شاشات
الفضائيات الخاص من خلال "الوصلات" التي لا تزيد تكلفة
اشتراكاتها عن 20او 25 جنيهاً في الشهر.
وأي اختيار عشوائي لبرنامج موجه
للأطفال ، يؤكد علي فكرة أن التعامل معهم يتم علي أساس
أنهم معاقون ذهنياً ، أما من هم في مرحلة المراهقة فلا
وجود لهم علي الخريطة التليفينية من الأساس ، ولا يعني
هذا أنهم لن يشاهدوا التليفزيون ؛ بل أنهم سيشاهدون ـ
دوماً ـ البرامج الموجهة للكبار، وأنه لا استثمار خاص
لهذه الفئة ، ولا مساهمة في توعيتها ، في الوقت الذي
تنتج فيه فضائيات أخري مواداً موجهة بعناية لهذه الفئة
، تأتي في صورة برامج ، أو أفلام ، أو أعمال كارتونية
.
لما
لا يتم الاستثمار في شباب الغد من خلال شاشة تدخل إلي
كل بيت ؟ بدلاً من أن تعتاد أيديي هؤلاء علي تحويل
المؤشر علي قنات غير مصرية .
فاطمة خير