|
وجّه البريطانيون رسالة قاسية إلي
حكومة جوردون براون ، التي فقدت الإنتخابات المحلية بنسبة
كبيرة، بينما قفزت المعارضة المحافظة لتحصل علي أغلب مقاعد
المحليات والدوائر الحساسة ، مما يشير لانتقال المزاج
البريطاني من «العمال» إلي «المحافظين».
وأشارت الأرقام أن نسبة تفوق المعارضة
المحافظة علي الحزب الحاكم ، بلغت 14 % . كما تعرض
«العمال» إلي هزيمة ضارية أخري بضياع منصب عمدة لندن الذي
كان يحتله كين ليفينجستون وفوز المحافظ بوريس جونسون .
وهذا التغيير نكاية في الحزب الحاكم وانتقاماً منه لعدم
إنصاته للرأي العام وسقوطه في سلسلة أزمات مع ارتفاع
الأسعار والضرائب في ظل غياب استراتيجية واضحة للخروج من
هذا المأزق .
تُعد خسارة «العمال» أقسي هزيمة لهم
منذ أربعين عاماً علي وجه التحديد ، مما يكشف طبيعة حالة
الإحتجاج الصارخة علي أداء رئيس الوزراء وتراجع سياسات
ونمو أزمات .
وكان براون اعتذر عن خطوات قام بها
ترتب عليها ارتباك واحتجاج في أوساط الأقل دخلاً ، مع تذمر
قيادات عريضة من داخل حزبه . وقد تحرك رئيس الوزراء
لامتصاص أثر إلغاء إعفاءات ضريبية علي محدودي الدخل .
وأظهرت نتائج المحليات أن الإقبال علي «العمال» منذ عام
1997، تراجع وأن جوردون براون، يجني ثمار الاحتجاج علي
أداء حكومته منذ توليه السلطة في شهر يونيو الماضي .
وقالت هارييت هيرمان نائبة رئيس
الوزراء ، أن النتائج محبطة للغاية وتعود للأزمات التي هبت
علي بريطانيا نتيجة أزمة الرهن العقاري في الولايات
المتحدة . وأشارت أن الموقف يدعو للمزيد من العمل
والاجتهاد لاسترداد ثقة الناخبين مرة أخري .
ويقول مراقبون أن أداء الحزب الحاكم في
هذه الانتخابات ، يعكس الانحياز إلي ديفيد كاميرون زعيم
المعارضة الذي استطاع نقل حزبه من خندق الهزائم والإحباط
والتشرذم، إلي مكانة مقبولة لدي الرأي العام الذي يعود مرة
أخري إلي هذا الحزب ويمنحه ثقته .
الانحياز إلي المعارضة
وقد تعرض المحافظون لاحتجاج الرأي
العام لفترة طويلة منذ خسارتهم الانتخابات في عام 1997 ،
نتيجة إنقسام حول أوروبا وبسبب سياسات اقتصادية مجحفة
طبقوها قبل سقوطهم في الانتخابات، وعندما كانوا في السلطة
يحكمون ويديرون البلاد .
وقد تعرض المحافظون إلي نكسات بعد غياب
المرأة الحديدية مارجريت تاتشر، ولم يجمعوا علي زعامة
محددة يلتفون حولها ، وظل الرأي العام يرفض الاعتراف بهم
كقوة بديلة لحزب العمال .
والآن تغير الموقف، مع اختفاء توني
بلير الزعيم العمالي، ووصول «براون» بدلاً منه إلي الحكم .
وعلي الرغم من أخطاء رئيس الوزراء السابق ، غير أنه كان
يتمتع بجاذبية واستطاع التعامل مع أزمات وإحكام قبضته علي
الحكومة . وخطأ «بلير» القاتل هو غزو العراق، الذي أضعف من
حظوظه داخل الحكومة وألقي به خارجها .
وكان الأمل أن يقود «براون» المسيرة
ويصلح الأخطاء، غير أنه لم يحقق الآمال المعقودة عليه ،
وترك شعبية حزبه تنزلق ، نتيجة تردده وعدم قدرته علي
الإقناع والأداء السئ له داخل مجلس العموم في مواجهة ديفيد
كاميرون .
وقد تعرض العمال لهزيمة قاسية وتراجعوا
إلي الدرجة الثالثة بعد المحافظين والحزب الليبرالي
الديمقراطي، الذي تحسن موقفه وصعد إلي المكانة الثانية
وطرد العمال إلي المكانة الأقل .
ويتمتع الليبراليون بوضع أفضل الآن،
نتيجة زعامة جديدة يمثلها نيك كليج القادر علي مواجهة
الحكومة وإحراجها بأسئلة حادة في جلسة سؤال رئيس الوزراء.
وتعطي النتائج الأخيرة الحزب دفعة في
اتجاه تحسين أوضاعه استعداداً للانتخابات العامة .
وأمام براون مهلة حتي عام 2010 لتحسين
موقفه لضمان فوزه في إنتخابات عامة مقبلة . غير أن
المراقبين يتوقعون الاحتجاج عليه والتحريض ضده من قيادات
عمالية لا تريد لحزبها أن يسقط في الانتخابات العامة،
ويصعد المحافظون إلي السلطة.
وهناك توقعات بتحرك النقابات وكتل
سياسية أخري للاحتجاج بدورها علي أسلوب الحكومة لإجبارها
علي تغيير نهجها، أو فرض الضغط لاختيار زعامة جديدة، تكون
قادرة علي مواجهة ديفيد كاميرون النجم الصاعد في سماء
الحياة البريطانية .
وتراجع حزب العمال إلي الدرجة الثالثة
يدهش الساحة السياسية ، إذ تمتع بشعبية كاسحة خلال السنوات
الماضية وتحت قيادة توني بلير ، الذي كسب النتخابات العامة
الماضية وقواته موجودة في العراق وفي ظل الاحتجاج علي هذه
الخطوة، غير أن الرأي العام منحه ثقته بالبقاء تقديراً
لانجازاته الداخلية وتطبيقه لخطة إصلاح شاملة أعطت
اسكتلندا برلمانها الحالي وويلز مجلسها النيابي ، وأيرلندا
الشمالية حكومتها المنتخبة، مع جعل لندن تختار عمدة بإرادة
مواطنيها .
تحذير مباشر للحكومة
وتعطي نتائج المحليات إنذاراً لرئيس
الوزراء بالعمل علي تحسين سياساته وتهذيبها وطرح حزمة من
الإجراءات تعيد الزخم والحيوية لأداء الحكومة . وكان هذا
ما نصحه ناشطون في الحزب الحاكم لجوردون براون لجذب الرأي
العام إليه . ويعيب خصوم علي زعامة العمال الراهنة ترددها
الواضح وعدم جاذبية الأسلوب الذي تطبقه .
ومشكلة براون هي ذاتها التي واجهت جون
ميجور الذي جاء بعد زعيمة متوهجة مثل تاتشر فبرز في ظلالها
بتردد وغياب اللمعان ، وعدم القدرة علي حسم المواقف ، مما
ترك الخلافات تنمو والإنشقاق تتسع دائرته بشكل خطير .
وحتي الآن لم يظهر الانقسام الحاد بين
أجنحة حزب العمال الحاكم ، غير أن هزيمة الانتخابات
المحلية ستعمل بالتأكيد لبروز المنشقين والمتمردين ضد
قيادة رئيس الوزراء الحالي ، لكن لا توجد قيادة بديلة تطرح
نفسها . وقد أعلن ديفيد ميليباند وزير الخارجية الحالي
رفضه لطرح اسمه وأعلن تأييده لرئيس الوزراء ودعا للالتفاف
حوله ، لكن إذا كان ميليباند أخذ هذا الموقف ، فلن يلتزم
آخرون به ، يرون وجود براون في زعامة الحزب خطراً يهدد
فوزهم في انتخابات عامة مقبلة ، لأنه خلال زعامته منذ شهر
يونيو الماضي ، لم يظهر كقيادة مقنعة للرأي العام ، لذلك
ذهب الناخبون إلي المحافظين والليبراليين ودفعوا بالعمال
إلي درجة ثالثة . |