يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1376-7 مايو 2008
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربي ودولي <<
الرأي <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالي <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 
 

 

 
 

صفقــــات الحــــرب والســــلام

 
 

د. مصطفي اللباد

 

 

يبدو أن المنطقة مقبلة علي صيف ساخن بالفعل، ومرد السخونة هنا ليست احتمالات الحرب المطروحة بجدية، بل صفقات السلام أيضاً. ومن شأن تحقق أي من الاحتمالين، الحرب أو السلام، تغيير توازنات المنطقة وعلاقات القوي فيها بشكل عميق. وإذ يحتدم السجال الدائر في المنطقة بين مؤيد لنظرية الحرب القادمة وآخر لفرضية السلام الآتي.

تتشابك خيوط السياسة في المنطقة علي نحو يجعل التوقعات أمراً صعباً. وتزداد الصعوبة عند ملاحظة التشابه في التعريف المجرد لكليهما في العلوم الاستراتيجية، حيث تعرف الحرب علي أنها الاستمرار المجرد للسياسة بالوسائل العسكرية، في حين يعرف السلام علي أنه امتداد للسياسة أيضاً ولكن بغير استخدام للقوة العسكرية. وبالرغم من تمتع هذين التعريفين بصلاحية زمنية شبه مطلقة ومكانية غير محدودة تقريباً، إلا أن تطبيق ذلك مكانياً وزمنياً علي منطقتنا في الأسبوع الماضي يبدو صحيحاً إلي درجة العبقرية. وتمثل الحدث الأهم في المنطقة الأسبوع الماضي بإعلان وزير الخارجية السوري وليد المعلم من طهران؛ وإلي جواره نظيره الإيراني منوشهر متكي، أنه "إذا كانت إسرائيل جادة في طلب السلام مع سورية، فلا شئ سوف يمنع المفاوضات". وتقود النظرة الأولي باتجاه هيكل العلاقات الجيو سياسية في الشرق الأوسط إلي استنتاج مفاده أن السلام السوري-الإسرائيلي يبدو مستحيلاً، فالطرفان الأساسيان في الحراك الدائر بالمنطقة، أي الولايات المتحدة وإيران، يخوضان مفاوضات علي العراق وما حوله.

يستخدم كلا الطرفين الحلفاء الإقليميين في التأثير علي هذه المفاوضات لمصلحته، ولأن كلا من تل أبيب ودمشق يندرج في زمرة حلفاء الطرفين، فمن شأن السلام السوري-الإسرائيلي أن يعرقل التصورات الأمريكية والإيرانية للمنطقة. وبالإضافة إلي ذلك تعاني دمشق من عزلة عربية تقودها الرياض والقاهرة لأول مرة في التاريخ الحديث، وهو ما يجعل الغطاء العربي للمفاوضات مفقوداً علي العكس مما جري في مفاوضات مدريد السابقة. كما تعاني سورية من اتفاق نادر أمريكي-فرنسي علي تحجيم دورها ومحاصرتها دولياً، ومن شأن هذه العزلة العربية والتحجيم الدولي أن يعمقا التحالف السوري-الإيراني، الذي يصعب بدوره من المفاوضات السورية-الإسرائيلية. ومرد ذلك إلي أن التسوية بين دمشق وتل أبيب ستضرب مصالح طهران في العمق، كونها ستعزل الأخيرة عن بؤر النزاع في المنطقة. وبالإضافة إلي كل ذلك يؤدي الفارق الكبير في القدرات التسليحية بين دمشق وتل أبيب بدوره أيضاً إلي اطمئنان إسرائيلي أكبر، وبالتالي إلي عدم استعداد لدفع أثمان مقابل السلام مع سورية. وبسبب الأهمية الاستراتيجية لمرتفعات الجولان وعجز حكومة أولمرت وحدها عن تقرير مصير الجولان المحتل، تصطدم التسوية بين سورية وإسرائيل بالمصالح الأساسية للطرفين. ويؤدي تقليب النظر في الحسابات الاستراتيجية للدولة العبرية إلي استنتاج سيناريوهات أخري ممكنة التحقق، وبما لا يجعل الاتفاق السوري-الإسرائيلي مستحيلاً كما يبدو من النظرة الأولي.

القدرة علي الضبط

تنطلق الحسابات الإسرائيلية من قراءة مفادها أن قدرة سورية علي ضبط الأوضاع في جوارها الإقليمي قد دللت عليها تجارب كثيرة في الماضي، وبالأخص في لبنان. كما أن سورية، وبالرغم من فارق القدرات التسليحية الكبيرة بينها وبين إسرائيل، أفلحت في بناء واحدة من أقوي الترسانات الصاروخية في دول الطوق العربية، حيث تملك الآن مجموعة ضخمة من صواريخ سكود، وصواريخ أرض-أرض من عدة طرز. وتعزز هذه الترسانة من القدرات السورية بحيث يجعلها تطال أي نقطة داخل الدولة العبرية بما فيها مكامن العمق الإسرائيلي في المدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة؛ من داخل العمق السوري ومن دون الحاجة إلي مرتفعات الجولان. وبالرغم من أن التلويح باستخدام هذه الصواريخ يبدو فعالاً للردع وليس للأغراض الهجومية، إلا أن خليط الاعتبارات المذكورة يضمن لدمشق أهمية استثنائية من المنظور الإسرائيلي. ربما يكون الخلاف في تل أبيب دائراً فقط حول الثمن الذي تستطيع الدولة العبرية أن تدفعه مقابل التسوية مع سورية؛ دون أن تتصدع تحالفاتها السياسية الهشة، وليس حول تقييم الدور السوري الحاسم في تثبيت توازنات المنطقة.

لا تبدو سورية قادرة علي شن حرب ضد إسرائيل بسبب الفارق الكبير في القدرات السورية والإسرائيلية وخروج مصر من حلبة الصراع العسكري. وبتوقيع الدولة العبرية لاتفاقات سلام مع مصر والأردن، تكون حدودها الجنوبية والشرقية في حال من الاسترخاء، أما الفصائل الفلسطينية فلا تشكل تهديدا جدياً لإسرائيل بسبب نقص التسليح والإمكانات وصعوبة الوصول إلي العمق الإسرائيلي، خصوصا بعد بناء جدار الفصل العنصري. كما أن استيلاء حركة حماس علي غزة قد قسم الفلسطينيين، جغرافياً وأيديولوجياً، وهو ما يخدم الأمن الإسرائيلي بالنهاية. من أين يمكن أن يأتي التهديد لإسرائيل إذن؟. الجواب: من لبنان. ويملك حزب الله قدرات عسكرية تمكنه من تهديد جزئي لشمال إسرائيل علي النحو الذي ظهر في حرب 2006، بالرغم من القدرات الجوية الإسرائيلية التي استطاعت تحطيم البنية التحتية اللبنانية، إلا أن تفوق سلاح الطيران لم يحسم الحرب لمصلحة الدولة العبرية لأول مرة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي. كما أن بقاء قوات احتلال إسرائيلية في لبنان لمواجهة التهديد لحدودها الشمالية، مثلما جري في الفترة من 1982 وحتي 2000، غير مجد من ناحية حسابات الأرباح القليلة المتحققة في مواجهة الخسائر البشرية والمادية الكبيرة، ناهيك عن قدرة إسرائيل أصلاً علي تحقيق ذلك مرة أخري. ويقود هذا التحليل إلي نتيجة مفادها أن الهدف الإسرائيلي الحالي من المفاوضات مع سورية يتلخص في تحييد الخطر الآتي من الشمال، ولكن دون أن تتورط الدولة العبرية في معارك عسكرية مباشرة.

صفقة سلام

تفصل الحدود الشرقية المكونة من رقعة صحراوية كبيرة تشبه المنطقة العازلة سورية عن العراق المضطرب، أما الحدود الشمالية مع تركيا فلا يمكن الدفاع عنها عسكرياً بل إدارتها سياسياً فقط؛ وذلك بسبب الفارق الهائل في القدرات العسكرية بين الطرفين التركي والسوري. كما يمكن اعتبار أن التهديد الآتي من الجنوب الغربي، أي من إسرائيل، غير مجدٍ استراتيجياً؛ لأن سقوط النظام السياسي في سورية سيعني أن البديل لن يكون علي الأرجح في صالح تل أبيب أيضاً. وبما أن التمدد نحو الشمال والجنوب صعب عسكرياً، ونحو الشرق بدون مغزي سياسياً، لا يبقي سوي الغرب مرتكزاً للعب دور إقليمي كان علامة مميزة للسياسة الخارجية السورية منذ سبعينيات القرن الماضي. وعلي هذا لا يخفف التمدد نحو الحدود الغربية من الهواجس الأمنية السورية فقط، بقدر ما يجني فوائد اقتصادية بفضل موقع بيروت الاستثنائي في المنطقة. ويزيد من كفاية التحليل التفسيرية حقيقة أن المصالح الوطنية لسوريا -مثلها مثل أي بلد- تقتضي التنويع في تحالفاتها الإقليمية، وليس حصرها في دولة واحدة كما هو الحال مع إيران الآن. وأخيراً ستغير أية تسوية بين دمشق وتل أبيب من تحالفات وتوازنات المنطقة، وتكسر عزلة دمشق العربية وتخفف من الحصار الدولي المفروض عليها، وكلها مكاسب صافية من المنظور السوري.

تصطف أطراف متلاطمة محلية وإقليمية ودولية في مواجهة سيناريو التسوية الذي يعرض نفسه بين دمشق وتل أبيب، كل لأسبابه الذاتية. ومهما كانت نتيجة الاصطفاف، فمنذ أن حكمت الحضارة الرومانية منطقة الهلال الخصيب قبل آلاف السنين، وحتي اليوم، لم تعن كلمة "سلام" Pax سوي "إبرام الصفقة"... حرفياً وعملياً!.

 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى الورقية  تصدر صباح الأربعاء  وتصدر على الانترنت صباح كل خميس-  ويصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 -يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون  الاشارة الى الجريدة