|
لم يوقع صفوت الشريف ترخيص المطبعة في
العمارة السكنية
علي شاطئ النيل للقضاء علي الناموس
وإنما لإقلاق
راحة العاملين في ماسبيرو
في الوقت الذي تحافظ فيه عواصم
العالم.. علي جمالها.. ورونقها وأناقتها.. ونظافتها..
وأنوثتها.. وتبدو علي مدار الساعة في أجمل فساتينها.. نري
القاهرة.. وقد أحاطت بها كل مظاهر القبح من كل جانب.
وعندما نتحدث عن مظاهر القبح التي سادت
مرافقنا وشوارعنا.. وبيوتنا وأرصفتنا.. وحدائقنا.. طوال
ربع القرن الأخير.. فنحن لا نتحدث عن العشوائيات التي
يسكنها نصف سكان العاصمة.. وإنما نتحدث عن وسط البلد.
ووسط البلد في عواصم العالم.. هو قلب
المدينة.. وهو التاج الذي تضعه العاصمة علي رأسها.. لتباهي
به الأمم يوم القيامة.
بطاقة التعارف تبدأ من وسط البلد.. حيث
تتركز المعالم الثقافية.. والحضارية.. والسلوكيات
الرفيعة.. والأرصفة المتسعة.. كما تتركز الأناقة.. والطرز
المعمارية التي يتطلع إليها الزائر وكأنه يمر علي عناوين
كتاب لتاريخ العاصمة.. وقدرة شعبها علي الإبداع، وإنجاب
العظماء.
المباني العريقة.. هي مفاتن وسط
البلد.. هي ملامحها.. وعيونها.. وقبضة يديها.. وأصابعها..
هي عمرها.. ونضجها.
وتتوالي الأجيال.. وكل جيل يحمل
الذكريات الجميلة لوسط البلد.
هكذا كنا.. وهكذا كان وسط البلد.. إلي
أن سقطت العاصمة بين براثن ضعاف الإدراك.. وبدأت حرب
استنزاف لكل ما هو جميل علي أرض مصر.. والقضاء علي القاهرة
التي كانت ساحرة.
وفي ظل غياب التشريعات التي تحمي
الأبنية العريقة.. وتحافظ علي ملامح العاصمة.. تحولت
القصور التاريخية لمدارس إعدادية وثانوية.. ومقار للحكام
الجدد.
وجري هدم القاعات بنقوشها الفنية
النادرة.. كي تتحول إلي فصول دراسية.. والحدائق إلي أماكن
قاحلة لتكديس التلاميذ.. في أوقات الراحة من عناء التحصيل.
القصور التاريخية في وسط البلد تحولت
إلي إدارات تابعة لعدد كبير من الوزارات.
العمارات التاريخية تحولت إلي مكاتب
للمصالح الحكومية.. والورش.. ومطابع المجلس الأعلي
للصحافة.
العمارات التي أقيمت منذ أكثر من 80
سنة والتي تطل علي نهر النيل تحولت علي أيدي ضعاف الإدراك
لأوكار.. لآلات الطباعة.. يتردد عليها ألف عامل يوميا..
ينتقلون إلي أوكارهم بوسائل النقل العامة التي تزيد من
الازدحام والتكدس وسط البلد.
منطقة وسط البلد.. لم تزدحم بالزائر
العابر.. وإنما بجيوش الموظفين والموظفات الذين يعملون في
المصالح الحكومية.. التي اختارتها الحكومة.. في غيبة من
العقل والمنطق.
الحكومة.. هي التي منحت تراخيص..
الورش.. والمطابع.. ومطاعم لحوم الحمير النافقة.. ومتاجر
الحمص واللب والفول السوداني المقامة في العمارات
التاريخية علي شاطئ النيل.
ولا أعرف كيف سمحت ضمائر كبار
المسئولين، «ضمائرهم الوطنية.. علي الأقل».. بالترخيص
بتشغيل مطبعة تدور عشر ساعات يوميا.. بالدور الثاني.. في
عمارة تطل علي النيل.. وفي موقع لا يتعين فيه السماح
بالمشروعات الملوثة للبيئة.. وفي مقدمتها التلوث السمعي.
الضوضاء تقصف العمر.. وتؤدي لاضطراب
الجهاز العصبي وعدم القدرة علي التركيز.. وعزوف المواطنين
عن المشاركة في الانتخابات الحرة النزيهة.. التي يفوز فيها
الحزب السرمدي بأغلبية ساحقة، وتجعل حياتهم «متنيلة بستين
نيلة»!.
بل إن العلماء الألمان اكتشفوا أن
الضوضاء التي تصدر عن ماكينات حلب الأبقار تؤثر في كمية
الألبان التي تدرها الأبقار.. وأنه عند استبدال أصوات
ماكينات الحلب التي تشبه ماكينات الطباعة، بأصوات
سيمفونيات فرانز ليست.. ورحمانينوف وكوداي وبتهوفن..
ارتفعت كميات الألبان بشكل ملحوظ.
بل اكتشفوا ما هو أبعد من ذلك.. وهو أن
الأصوات المزعجة تقضي علي الناموس.. وتجعله هائما علي
وجهه.
مفهوم طبعا أن السيد صفوت الشريف.. لم
يوقع ترخيص المطبعة في العمارة السنية علي شاطئ النيل..
للقضاء علي الناموس.. وإنما من باب إقلاق راحة العاملين في
مبني ماسبيرو.
المهم.. أن القاهرة.. التي كان يتغني
بها عبدالحليم حافظ في شارع الضباب.. والتي كان يتغني بها
محمد عبدالمطلب في ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في
الحسين.. والنيل نجاشي الذي كان يتغني به عبدالوهاب.. كلها
ملامح لم يعد لها وجود.. علي أيدي الحزب السرمدي..
وقياداته حادة الذكاء.
زمان.. كانت في القاهرة أرصفة يتحرك
فوقها محمد عبدالمطلب من السيدة.. لسيدنا الحسين.. الآن
بات الوصول إلي الحبيب علي الجانب الآخر من الزقاق الضيق
من سابع المستحيلات.
القاهرة التي كانت ساحرة.. لم تعد
كذلك.. ولم تعد منطقة وسط البلد مركزا للتسوق والتنزه بقدر
ما أصبحت مركزا للزحمة والضجيج.. ولا فرق بينها وبين
الأسواق الشعبية التي تباع فيها لحوم الحمير النافقة.. علي
حد تعبير الدكتورة درية شرف الدين.
والسخيف في الموضوع.. أن تدهور الأحوال
في منطقة وسط البلد.. لم تلفت أنظار.. كبار المسئولين
الذين انقطعت علاقاتهم بالشوارع.. منذ أكثر من 25 سنة.
وقد أعجبني التصريح الذي أدلي به محافظ
الجيزة اللواء سيد عبدالعزيز عندما قام بزيارة مفاجئة لحي
بولاق الدكرور.. وقال فيه إنه عندما شاهد المخالفات
الجسيمة أمام محطة مترو أنفاق فيصل كاد يغمي عليه، وقال
بالحرف الواحد «لما شفت مواقف الميكروباص كان ح يغمي
عليا»!.
ومعني الكلام أن عين السيد اللواء
محافظ الجيزة الجديد.. لم تقع من قبل علي أحياء المحافظة
التي صدر القرار الجمهوري بتعيينه محافظا لها.. وأنه يتعرف
علي مواقع المحافظة.. لأول مرة في حياته.. وأنه عندما رأي
المواقع «كان حيغمي عليه»!.
وهذه الحالة ليست فريدة.. فقد جري
العرف علي أن تصدر القيادة السياسية قرارات اختيار
المحافظين.. بناء علي اعتبارات لا يعرفها إلا الله سبحانه
وتعالي.. وليس من بينها أن تكون له علاقة خدمية سابقة
بالمحافظة التي سيتولي حل مشاكلها.. والتعامل مع سكانها..
وزراعة القمح لتوفير رغيف الطابونة لكل بالغ رشيد.
المحافظ غريب.. وعليه أن يتعامل مع
غرباء.. لحل مشاكل لا قبل له بها.. في مواقعه السابقة.
ونحن لا نري الآثار السلبية لهذه
السياسة في المحافظات النائية.. البعيدة عن العين..
وبالتالي البعيدة عن القلب.. وإنما نراها في أوضح صورها..
في وسط البلد.
حال وسط البلد.. يتدهور.. سنة.. بعد
سنة.. وبانتظام وكأنه يسير وفق خطة محكمة للتدمير والتخريب
والاستنزاف.
انظر لأرقي شوارع وسط البلد.
راقب الازدحام الشديد لأعداد غفيرة من
الموظفين والموظفات الذين يعملون في جهات حكومية..
ومطابع.. تابعة لأجهزة الدولة.. وتقع مكاتبها وورشها وسط
البلد.
راقب الأعداد الهائلة في محال بيع
الأحذية.. نوافذ العرض الصارخة.. والأضواء المبهرة التي
تستهلك الكهرباء مئات اللمبات التي تمتد في حبال أشبه
بالثعابين.. بألوان صارخة.. بالغة القبح.
انظر إلي اللافتات الكهربائية التي
تعلن عن نفسها بومضات إنارة متقطعة لتجذب انتباه المارة..
بالقوة والبلطجة.
راقب نوافذ العرض.. والأكشاك التي تصدر
منها صرخات مكبرات الصوت.. بالأغاني الخليعة تارة.. وبآيات
القرآن الكريم تارة أخري.
شوارع وسط البلد.. باتت صورة بالكربون
للمناطق العشوائية التي تحيط بالعاصمة.
وسلطة الحكومة غائبة.
والمثير للدهشة أن جميع التجاوزات التي
تمت في شوارع وسط البلد طوال ربع القرن الماضي.. تمت
بتراخيص من سلطات الحكم المحلي وبمباركة الحكومة..
وبتوقيعات كبار المسئولين فيها.. وعليها أختام النسر.
هذه التجاوزات.. بما فيها مطابع المجلس
الأعلي للصحافة.. لم تقع بين ليلة وضحاها.. أو في غفلة من
الحكام.. وإنما تمت علي مدي سنوات طويلة.. سادتها الرشوة
والفساد وخراب الذمم.
وساعد علي انتشار الفساد والرشوة.. عدم
إلمام السادة المحافظين بطبيعة الوظائف المسندة إليهم.. أو
بطبيعة المحافظات التي أسندت إليهم.. لأسباب لا يعلمها إلا
الله سبحانه وتعالي.
علاقة المحافظ الجديد.. بالمحافظة التي
أسندت إليه.. تبدأ بعد صدور قرارات التعيين.. وأداء القسم
أمام الرئيس مبارك.
ويزيد من فداحة الموقف أن الخبرة
الطويلة التي اكتسبها المحافظ الجديد في عمله السابق
بالقوات المسلحة أو الطب البيطري أو القضاء أو الشرطة.. لا
تسمح له بحل مشاكل الحكم المحلي بالأساليب العلمية.. ولا
بالكفاءة المطلوبة.. وبالتالي فإنه يعتمد في الغالب علي
مساعدين ممن هم.. أقل منه خبرة.. وأكثر ولاء.
وفي عصر تراكمت فيه الخبرات في أدق
تفاصيل الإدارة.. علي مستوي دراسات «إدارة الحكم المحلي»..
نري أننا لا نزال نعتمد علي أهل الثقة وندير أدق أمورنا
بأساليب العصور السحيقة.
ومنذ عدة أسابيع زارني البروفيسور
يورجين بلنك أستاذ علم «الجغرافيا الإنسانية» بجامعة بوخوم
الألمانية.. وروي لي أنه يقوم بتدريس مشاكل وسط القاهرة
لطلبته بالجامعة.. وأنه يعتمد في شرح ما جري عندنا.. علي
رواية «عمارة يعقوبيان» للروائي علاء الأسواني.
إلي هذه الدرجة من التخصص.. تجري
الدراسات في الخارج.
لقد أمضي البروفيسور بلنك عشرة أيام في
القاهرة علي رأس وفد من طلبته يضم 18 طالبا وطالبة..
للتعرف علي ما جري في شوارع وقصور وعمارات وسط البلد خلال
ربع القرن الأخير.
وكل هذا القبح.. جري علي مدي سنوات
طويلة.. وفي ظل سلسلة طويلة من السادة المحافظين.. لم تكن
لهم أدني علاقة.. لا.. بإدارة المدن.. ولا بالحكم المحلي..
ولا باحترام الجمال.. وخرجوا جميعا.. ولم يحاسبهم أحد..
ولم يقدم أي منهم للمحاكمة.
كل ذلك لا يهم.
المهم.. الآن.. ما هو الحل؟
الحل هو تشكيل لجنة قومية.. لحل مشاكل
وسط البلد.
لجنة من أساتذة العمارة والتاريخ
والفنون الجميلة وإدارة الحدائق العامة.. والتشجير..
والنظافة.. إلخ.. تتولي هز.. وسط البلد.
وأتصور أن الحل العاجل يكمن في إخلاء
وسط البلد من ورش إصلاح السيارات وقطع الغيار ومطابع
المجلس الأعلي للصحافة.. والمتاجر الملوثة للبيئة..
والمقاهي العشوائية.. وتطهير شارع شامبليون من الكلاب
الضالة.. التي تعقر المارة.
علاوة علي إعادة الطرز المعمارية إلي
ما كانت عليه قبل ربع القرن الأخير.. وإعادة القصور
السابقة إلي سابق عهدها.. وتشجير الشوارع المتسعة..
والعناية بالأرصفة إلخ.
المطلوب باختصار.
تشكيل مجلس قومي.. يجري تكليفه بمهمة
واحدة.. وهي:
هز.. وسط البلد!. |