يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1375-30 ابريل 2008
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربي ودولي <<
الرأي <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالي <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 
 

الرائدة عزيزة حسين.. لــ «للأهالي»

 
 

رفضت أن أكون وزيرة حتي لا أخسر نفسي

 
 

حوار : ماجده عبدالبديع

 
 

عزيزة سيد شكري الشهيرة بـ «عزيزة حسين» أحد أكبر رموز الحركة النسائية المصرية، جاء اسمها ضمن قائمة تضم اسماء «27» امرأة من مختلف دول العالم، في الكتاب الذي يحمل اسم «كيف استطاعت المرأة أن تطور التنمية الدولية» للمؤلفتين الأمريكيتين «أرفون فريزير» السفيرة السابقة للولايات المتحدة لدي لجنة الأمم المتحدة، الخاصة بشئون المرأة، و«إيرين تبنكيز» التي أسست مركز المرأة بالولايات المتحدة، والكتاب يتناول نضال هؤلاء السيدات من أجل تحقيق تغييرات جذرية وسياسية واقتصادية في مجال التنمية، ونشر مبدأ تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة، كما يتناول مسيرتهن لإنجاح أهم حركة اجتماعية نسائية في القرن الماضي، وهي حركة المرأة الدولية، التي حققت تعاوناً نادراً بين نساء الشمال ونساء الجنوب.

وقد استعرضت المؤلفتان مسيرة «عزيزة حسين» كرائدة من رائدات النشاط المدني في مصر والتي بدأت نشاطها المرموق منذ ما يقرب من ستين عاماً، استعرض الكتاب عطاءها المتميز خلال رئاستها لوفد مصر عام 1974 في المنتدي الدولي للمرأة والسكان والتنمية، وجهودها في مجال تنظيم الاسرة، ومشاركتها في المؤتمرات الدولية، كمؤتمر السكان الذي عقد في القاهرة عام 1994، وانشاءها أول حضانة في ريف مصر بقرية «سنديون» ومساهمتها في حملات التوعية بمخاطر ختان الاناث، ولم يغفل الكتاب اراءها المستنيرة في العمل العام.

«عزيزة حسين» شاركت في وضع اتفاقية «القضاء علي التمييز ضد المرأة» والتي تحفظت عليها «مصر» وخاصة البند الثاني الخاص بالمساواة بين الرجل والمرأة.

إثارة الشكوك

** هل كانت هناك عوامل أو شخصيات ساهمت في تكوين شخصيتك منذ الصغر، وكان لها دور في نجاحك؟

*نعم، ولذلك لم أستطع أن أنضم لأي حركة نسائية تهاجم الرجل، أو تعتبره خصماً لها، لأنه كان في حياتي رجلان رائعان لهما الفضل في تكويني الفكري والثقافي، وفي دفعي إلي ممارسة العمل الاجتماعي والنجاح فيه..

الرجل الأول هو أبي الدكتور «سيد شكري» فقد كان رجلاً مستنيراً، ومعطاء، ويمكنني أن أقول انه اشتراكي بالفطرة، يساعد الناس، بكل الطرق، ويسعي لحل مشاكلهم سواء كانت صحية أو مادية وكان نصيرا للمرأة بشدة، ويري أن أهم شيء بالنسبة لها هو التعليم، أن تكون متعلمة ومثقفة وانسانة أولاً، ثم زوجة وأما بعد ذلك، وكان أقاربنا يستنكرون تشجيع أبي لنا لاستكمال تعليمنا حتي المرحلة الجامعية، وكانوا يثيرون الشكوك داخله تجاهنا، فيقول لهم بحسم أنا واثق في تربية بناتي، ولكن حتي إذا ما أحبت واحدة منهن شابا مسيحيا، سأذهب معها إلي الكنيسة.

هذا رغم أننا كنا نعيش في مدينة «زفتي» وليس في العاصمة، وهناك تعرف علي «يوسف الجندي» الذي أنشأ جمهورية زفتي، وكان صديقاً له، وكانت لهما مواقف ضد الانجليز، ولذلك تم منعه من السفر إلي انجلترا في بعثة حيث كان مرشحا بها، فسافر علي نفقته الخاصة إلي دبلن، ثم إلي فرنسا، وعندما عاد، تم تعيينه مديراً لمستشفي المديرية، فقام بتطويرها حتي صارت علي مستوي عال جداً من التقدم، وحتي الآن مازالت تحمل اسم «مستشفي شكري» ورغم أنه كان طبيب أمراض نساء كان يمارس كل التخصصات، ويعالج الناس «في الغالب» دون أجر، وأحياناً كان يعطيهم الأدوية مجاناً، كما كان يعتبر نفسه مسئولاً عن تربية أولاد العائلة كلهم، ولذلك ورثنا منه حب الناس، وعمل الخير، حتي آخر جهد نملكه.

انتقلنا بعد ذلك من «زفتي» إلي «ميت غمر» وكنت اشبهها بـ «بودابست» حيث كان منزلنا يطل علي أحد أفرع النيل، وكل صباح.. ننادي علي الريس عثمان، كي ينقلنا بالفلوكة إلي المدرسة في زفتي، ويعود بنا آخر النهار مرة أخري، ولكن للأسف عندما زرت، هذه المنطقة منذ فترة، لم أجد النيل فقد تم الاعتداء عليه، وتحول إلي مناطق سكنية، وكتل خرسانية!

القرية هي المدخل

** ماذا عن الرجل الثاني في حياتك؟ وما أثره علي مشوارك؟

*الرجل الثاني هو زوجي، د. «أحمد حسين» ووالده «علي باشا حسين» من مؤسسي حزب الوفد، ولكن «أحمد» لم يكن وفدياً، حتي عندما اختاروه وزيراً عام 51 - 52 في حكومة النحاس باشا، وهو حاصل علي الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي، وكان طيبا ومعطاء، وعقلا متفتحا جداً، وعلمني «الخدمة الاجتماعية»، وكان يفتح الأبواب لي وللناس، وهو الذي أسس وزارة الشئون الاجتماعية.

** كيف تزوجتما؟

*تصوري، ظل يفكر 8 سنوات حتي أخذ قرار الزواج مني!

** لماذا؟ أليست فترة طويلة جداً؟

*بالفعل، لكنه كانت لديه حالة من الازدواجية الشديدة بين تربيته المحافظة جداً، وبين أفكاره الأوروبية، فحاول البحث عن امرأة «مودرن» ولكنها محافظة! وتقابلنا عدة مرات بالمصادفة، وبدأ يسأل عني الاصدقاء، إلي أن رآني مرة في الاسكندرية، بالمايوه، فأعجب بي، وأخذ يتلصص علي من بعيد، وكان حولي مجموعة من الشباب، فظل يراقبني، وكانوا أقاربي وأخوالي ثم جاء ليلقي محاضرة بالجامعة الأمريكية، وكنت أعمل بها، وعندما رأني «اتلخبط» «قالتها بخجل وكأنها استعادت لحظات الحب الاولي في حياتها»، ولكنه سافر إلي أمريكا، وبالصدفة رشحتني له صديقة أمريكية للعائلتين، فاقتربت منه ووجدته طيب جداً، فأحببته واتفقنا علي الزواج.

** كيف كانت بدايتك مع العمل الأهلي؟

*عندما قررنا كمجمومة من المتطوعين تقديم شيء لأهالي قرية «سنديون»، كانت هناك وقتها مراكز اجتماعية، فقال لنا «أحمد» لا تفرضوا آراءكم علي الناس، دعوهم يعبروا عن أنفسهم واحتياجاتهم، ويقدموا أفكارهم واقتراحاتهم، ومن هنا كان يأتي نجاح المشاريع التي ننفذها معهم، أما ما كان يفرض عليهم من فوق كان مصيره الفشل.

** هذا يدعوني لسؤالك، كيف تقيمين أسلوب عمل الجمعيات الأهلية في مصر الآن وهي تفوق الـ 17 الف جمعية!

*للأسف، كل فريق يعمل بمفرده، الجمعيات متفرقة، والحكومة أيضاً لها دور في ذلك، فهي لا ترغب في تجمع الناس مع بعض لأن هذا يقويهم وهناك قوانين سيئة، ترهق من يعملون بالعمل الأهلي، وتهدر وقتهم، مع وجود بيروقراطية بحيث لا يستمر إلا من لديهم إرادة قوية.

الصهيونية الوحشية

** حياتك بها محطات كثيرة سأنتقل إلي مرحلة تمثيلك لمصر بالأمم المتحدة في لجنة المرأة كيف تم اختيارك وماذا قدمت في هذه اللجنة؟

*لابد أن أشير أولا إلي مرحلة سابقة علي ذلك عندما كنت أسافر مع أحمد كثيراً عندما كان يمثل مصر في منظمة العمل الدولية وكان حينها وكيلا لوزارة الشئون الاجتماعية وعندما طلبوا منه أن يكون وزيراً في حكومة النحاس باشا عام 51 قال لي.. «سأقبل حتي أتمكن من حماية عملي في الريف» لأن الوزراء الذين كانوا يرأسونه كانوا يتدخلون في عمله بطرق تضر بإنجازاته واستطاع في هذه المرحلة أن يحقق نجاحا كبيراً في المراكز الاجتماعية بالريف وأحدثت جهوده صدي كبيراً بالخارج فأرسلت له انجلترا دعوة تقديرا لجهوده في التنمية الريفية واحتفوا بنا بشدة ولكن للأسف غار منه زملاؤه الوزراء وبدأوا يعرقلون عمله وعندما عاد من انجلترا وجد فريق العمل الذي كان يعمل معه قد تم تغييره فقدم استقالته من الوزارة وأصر عليها.

وقبل قيام الثورة بعدة أشهر دعته الأمم المتحدة ليرأس بعثة للتنمية الإجتماعية والريفية في بلاد الكاريبي والمكسيك لنقل تجربته في التنمية الريفية في مصر إلي دول العالم الثالث وكنت مدعوة من قبل سيدة تدعي «دوروفي طومسون» مؤسسة هيئة «أصدقاء أمريكا في الشرق الأوسط» وكانت صحفية كبيرة وكانت مؤيدة للصهيونية قبل مجيئها لمصر عندما كان زوجي وزيراً فأخذها إلي غزة لتري الممارسات الصهيونية الوحشية تجاه الفلسطينيين فغيرت موقفها 180 درجة بعد هذه الزيارة وأصبحت معادية للصهيونية بشدة ودعتني بعد معرفتها بتجربتي في الريف وانشائي أول دار حضانة في قرية سنديون لإلقاء محاضرات عن الريف المصري فذهبت مع زوجي وأخذت معي الآلة الكاتبة وظللت أجوب أمريكا لمدة سبعة أسابيع وأقدم محاضرات في ثلاث قضايا هي.. «الحالة الإقتصادية والاجتماعية في مصر والمشروعات التي عملنا بها» «والمرأة والاسلام» و«فلسطين واللاجئين».

وفي هذه الفترة قامت ثورة يوليو فعاد أحمد فورا إلي مصر وتركني أكمل محاضراتي وكانت مرحلة عصيبة بالنسبة لي كنت ألقي خمس محاضرات في اليوم دون كتابة أو اعداد ثم أعددت أوراقا بعد ذلك وبدأت أقرأ منها وعدت إلي مصر بعد أحمد بشهر.

اتفاقية القضاء علي كل أشكال التمييز ضد المرأة

** ماذا عن دورك تجاه هذه الاتفاقية؟

*أنا كنت ضمن مجموعة عمل تم تكوينها من قبل لجنة المرأة بالأمم المتحدة التي تتابع قضايا المرأة علي مستوي العالم وكانت قد أصدرت عدة اتفاقيات عن الصحة والتعليم وغيره ثم أصدروا الإعلان العالمي لحقوق الانسان واخر لحقوق المرأة ولكنه غير ملزم فقرروا وضع اتفاقية عامة وكنت مسئولة عن صياغة هذه الاتفاقية وتم تكوين ورشة عمل وكان هناك اتفاق بين رؤية اللجنة ودول الكتلة الاشتراكية أما امريكا والدول الغربية فقد اختلفت معنا ولم يتم وضع الاتفاقية ثم تم عقد مؤتمر المكسيك عام 1974 وأصر المشاركون علي وضع اتفاقية عامة ضد التمييز وكان أول مؤتمر يضم حكومات ويتناول قضايا المرأة وكنت أنا أول من طالب بإدراج قضية تنظيم الاسرة وفي ذلك الوقت كانت هذه قضية شائكة لأني كنت أعني أن المرأة تحدد نسلها لما في ذلك من حفاظ علي صحتها ومستوي الاسرة الاجتماعي والثقافي هذا الكلام كان محظوراً لدرجة أن ممثلة فرنسا قالت لي أنت فجرت قنبلة وممثلة كولومبيا قالت لي إذا قلت هذا الكلام لا أستطيع أن أعود إلي بلدي ولذلك عندما تم تكوين الاتحاد الدولي لتنظيم الاسرة تم اختياري رئيسة له من عام 77 إلي 83.

** وما تعليقك علي الموقف المصري من التحفظ علي بعض بنود إتفاقية القضاء علي التمييز ضد المرأة؟

*كنت متوقعة أن هذا ما سيحدث ولم انتظر منهم اكثر من ذلك فنحن دائما ندفع إلي الامام وهم يرجعون إلي الخلف في النهاية أقول أنها حكومة جبانة حتي قضية ختان الإناث لم يقتربوا منها إلا بعدنا بسنوات طويلة.

اختلاط الأدوار

** عادة ما تكون هناك محطات أو مراحل في حياة الانسان هل يمكن أن نقول أن هناك محطة مهمة في حياتك؟ أهم شيء في حياتي أن يتواصل عملي وأظل أعمل ما أنا مقتنعة به دون تدخل من أي جهة سواء كانت حكومية أو غيره لأن هذا التدخل في الغالب يعرقل عملنا ولهذا عندما طلبوا مني أن اكون وزيرة شئون اجتماعية رفضت فوراً.

** من الذي طلب منك ذلك ومتي؟

*ممدوح سالم رئيس الوزراء الأسبق في عهد الرئيس «السادات» اتصل بي وطلب أن أقابله في الوزارة فذهبت فقط - ذوقيا ولكني رفضت تماما واعتبرت أن هذا المنصب أشبه بمصيبة كيف أقبل منصبا وأخسر نفسي وشخصيتي وعندما قابلني رحب بي بشدة وقال لي.. نحن منتظرينك لتنضمي لنا فورا وسننزل ونجوب المحافظات فقلت له: خبرتي في العمل الاهلي والامم المتحدة تختلف عن عمل الحكومة هذا إلي جانب أنني أحيانا أعمل ضد الحكومة كي تغير فكرها.

ولكنه ظل يضغط علي مع شقيق زوجي وقالوا لي مبروك يا عزيزة هانم! فقلت له كي أهرب من الموقف: لا يمكن أن أقبل دون الرجوع إلي زوجي خاصة أنه مريض وجريت من مبني الوزارة وكأني كنت معتقلة في سجن وما أن وصلت إلي بيتي أغلقت علي حجرتي واتخذت قرارا برفض هذا المنصب واتصلت بممدوح سالم وقلت له لن أقبل هذه الوظيفة ولن أكون وزيرة! فقال لي: من فضلك الريس هو الذي طلب أن تكوني معنا في الوزارة.

فتركت القاهرة وذهبت إلي سنديون وظلوا يبحثون عني ولم يجدوني لا أنا ولا زوجي وإذا باسماعيل فهمي وزير الخارجية الأسبق يتصل بي ويقول لي «أنت عاملة نفسك متواضعة» سأتصل بزوجك ليغير رأيك ولكنه لم يستطع الوصول اليه وفي المساء كانت صورتي في الصحف ومكتوبا تحتها عزيزة حسين وزيرة الشئون الاجتماعية فهم كانوا غير مصدقين أنني أرفض عن قناعة واصرار وعندما اختفيت ولم أرد علي التليفونات تم اختيار وزيرة أخري.

ولكني تبرعت بعد ذلك بمبلغ 50 جنيها من قبيل تحسين العلاقات وحسن النوايا لأحد المشروعات الحكومية.

** كيف ترين الشارع المصري اليوم، بعد هذه الرحلة الطويلة مع العمل الأهلي.

*الشارع المصري أصبح يعاني من مشاكل رهيبة، كالضوضاء الشديدة، والتلوث، وعدم النظام، والتفاوت الطبقي الكبير، وانهيار الطبقة المتوسطة، مما ينبيء في المرحلة القادمة، بعدم وجود أمان في الشارع، كيف سيعيش الناس ويواجهون هذا الغلاء، وهذا التفاوت غير المقبول!

افتقاد الثقة

** هل تتوقعين انفجارات شعبية قادمة؟

*بالتأكيد هذا التفاوت الطبقي، لن يجعل هناك أمان في الشارع المصري، ولكن قد يكون سبب عدم الانفجار حتي الآن هو طبيعة الشعب المصري، التي تتسم بالطيبة والصبر.

** وكيف ترين انتشار ظاهرة الحجاب؟

*هي ظاهرة اجتماعية، ونفسية.

** كيف؟

*النساء ليس عندهن ثقة في أنفسهن، فهن خائفات من كل شيء، من النقد أو النظر إليهن بعدم احترام.

** ولكن المرأة في الستينيات وقبل ذلك، لم تكن محجبة، وكان ينظر اليها باحترام شديد!

*المناخ تغير إلي الأسوأ، بسبب التيارات السلفية التي جاءت لنا من دول الخليج مع المال في حقبة النفط والثروة، كما أن العولمة دائماً لها جوانب ايجابية وأخري سلبية.

** وما الايجابيات في نظرك؟

*علي سبيل المثال الاتفاقيات الدولية التي تحمي حقوق الانسان، والتطور الشديد فيص وسائل الاتصال كالكمبيوتر والانترنت، التي أصبحت تربط العالم وتنقل اخباره في ثوان، مما دفعني لدراسة الكمبيوتر، والتواصل مع العالم عبر البريد الإليكتروني.

** هل هناك نموذج لامرأة ناجحة، تمنيت أن تكوني مثلها، أو كانت قدوة لك؟

*نعم، عندما كنت في شيكاغو، وقضيت حوالي شهر ونصف الشهر هناك، أصبت بحالة من الارهاق الشديد، وذهبت للطبيب، وكانت معي سيدة تدعي «كاترين سيلرز» زوجة قس بروتستانتي، اعتنت بي بشدة وأخذتني إلي بيتها، وأحضرت الآلة الكاتبة التي كنت أحملها معي، وقامت بكتابة المادة التي كان من المفترض أن أقوم بكتابتها، وساعدتني في كل شيء حتي عدت إلي حالتي الطبيعية، فلم أنس هذه المرأة لأني لم أر امرأة بهذه الاخلاق النبيلة، المتسامحة، المعطاءة.

** هل توقعت هذه الشهرة وهذا النجاح؟

*ابتسمت ببساطة وعفوية وقالت لم أتوقع شيئاً، ولم أسع إلي شيء، فقط كنت أحب ما أعمل، وأستمد سعادتي من سعادة الناس ومساعدتهم.

** هل قابلت زوجات الرؤساء عبدالناصر والسادات، مبارك وهل عملت معهم؟

*تعاملي معهن كان في أضيق الحدود، فقد قابلت السيدة تحية زوجة الرئيس عبدالناصر، في برج العرب، وتناولنا الغداء معاً.

** وما انطباعك عنها؟

*شعرت انها أسرة مصرية بسيطة وعائلة محترمة.

لغة متعددة

** وماذا عن السيدة جيهان السادات؟

*هي كانت ترأس عدة جمعيات ومنظمات للمرأة، واتصلت بي أو طلبت مني أن أذهب إليها في بيتها، فذهبت، وعرضت علي أن أكون رئيسة لتنظيم الأسرة وفي نفس الوقت رئيسة للتنظيم النسائي! فتساءلت كيف أكون رئيسة للتنظيمين في آن واحد! وطلبت منها أن تعطيني فرصة للتفكير، ثم قمت بكتابة رسالة فيها تفسير لمعني تنظيم الاسرة، وآخر للتنظيم النسائي، فلم تتصل بي بعدها، وسعدت بهذا الموقف، وانقطعت علاقتنا.

** في رأيك ما أهم القضايا من وجهة نظرك - التي يجب أن تكون علي أجندة العمل الأهلي في مصر؟

*المشكلة في العمل الأهلي أساساً أن لغة العمل فيما بينهم ليست واحدة، فهناك عدة اتحادات، منها ما هو إقليمي وما هو نوعي وغيره، وأنا أعتقد أنه كلما كان الانسان بعيداً عن التنظيمات والتعقيدات الحكومية، استطاع أن يعمل بشكل أفضل، ومفيد للناس.

وأود أن يهتم من يعملون بالعمل الأهلي بجذب المتطوعين إلي العمل في هذا الميدان، وتدريبهم جيداً. حتي يتمكنوا من تقديم خدمات حقيقية للناس.

** ماذا تفعلين الآن؟

*أنا حالياً رئيسة لجمعية القاهرة لتنظيم الأسرة والتنمية ثم انضمت اليها ثلاث جمعيات أخري وقد أعطانا هذا الاندماج قوة واستطعنا تنفيذ عدة مشروعات وهناك عدة جهات تعطينا منحا امثل مؤسسة فورد ومنظمة الصحة العالمية لتنفيذ البرامج الخاصة بالصحة الانجابية وختان الإناث وكذلك مفوضية اللاجئين التي تعطينا دعما لمشروعات تدريب الصوماليات والسودانيات كي يستطعن مواجهة مشاكل الفقر وأصبح عندنا عدة جمعيات مثل الخدمات السكانية في روض الفرج وحماية المرأة والطفل من الممارسات الضارة في طرة ومراكز عدة تتبع جمعية تنظيم الاسرة.

** إذا ما أعاد التاريخ نفسه، هل تسيرين نفس المشوار، أم ستغيرينه؟

*لم أخطط لنفسي، ولمشواري، الظروف المحيطة بي، هي التي دفعتني في هذا الاتجاه، وأنا تعاملت معها بإيجابية.

** وماذا عن المذكرات التي تكتبينها الآن؟

*أكتب كل شيء عن حياتي، وأسرتي ووالدي، وزوجي، وقد أقامت الجامعة الأمريكية لي أرشيفاً عندها، وأخذوا مني كتبا وأوراقا كثيرة جداً، تملأ حجرة كاملة.

 

 

ومنذ 14/9/1941 ترك أحمد لطفي السيد رئاسة الجامعة للدكتور علي إبراهيم أستاذ الجراحة العامة الذي ظل في موقعه هذا حتي تركه في شهر يناير عام 1947، وفي هذه الفترة شهدت الحركة الوطنية للجامعة ثورة 1946 ومذبحة كوبري عباس الثانية وتشكيل اللجنة الوطنية للعمال والطلبة التي شكلت مرحلة جديدة في الحركة الوطنية المصرية وفي دور الطلاب والجامعة في النضال الوطني المصري.

في السنوات التالية للحركة الطلابية والشعبية في عام 1935 جرت في نهر الحياة السياسية المصرية مياه كثيرة، فبينما أسقطت مظاهرات الطلبة وزارة توفيق نسيم وأعادت دستور 1923 بصدور الأمر الملكي بعودته في 12 ديسمبر 1935، تألفت الجبهة الوطنية التي تطالب بالاستقلال ووقعت معاهدة 1936 في 26 أغسطس، واشتعلت الحرب العالمية الثانية عام 1939 التي انتهت بهزيمة ساحقة لأبشع أنواع الاستعمار ، فقد هزمت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان العسكرية وأصيب الاستعمار الإنجليزي والفرنسي أيضا بضعف شديد خلال الحرب وظهر عالم جديد ينقسم بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي وزادت حركات التحرير الوطني العالمية قوة خاصة في الصين وأندونيسيا وفيتنام وبورما والملايو وكوريا، وفي داخل مصر حدثت تحولات كبري في المجتمع كان من أهمها زيادة أعداد الطبقة العاملة المصرية وظهور لجان وروابط ونقابات العمال ودخولهم كطرف فاعل في الحياة الاقتصادية والحركة الوطنية، فلم يأت عام 1944 إلا وأصبح عدد النقابات العمالية في مصر 210 نقابات تضم 104 آلاف عضو وكان لهذه التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أثرها علي ثورة العمال والطلبة في عام 1946.

انتهاء الحرب وآمال الاستقلال

انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 وكانت الحكومة القابضة علي زمام الحكم هي حكومة الأقلية من حزبي السعديين والدستوريين التابعة للسراي، ويقول شهدي عطية الشافعي إن الشعب انتظر من الحكومة أن تصنع شيئا فلم يحدث أي جديد يعبر عن طموحات المصريين في الاستقلال، وبدأ الرأي العام يزداد سخطا حتي لقد انعكس هذا علي شركاء النقراشي في الحكم، فخرج محمد حسين هيكل رئيس الأحرار الدستوريين في تصريح له بالأهرام ينتقد سياسة النقراشي في مجاملة وزارة الخارجية البريطانية بينما صرح وزير خارجية مصر أن الدولتين «مصر وبريطانيا» خرجتا من الحرب تربطهما أواصر الصداقة برباط أقوي مما كان في أي وقت مضي واشتدت حملة الصحافة المصرية المعارضة لحكومة النقراشي الحليفة لبريطانيا، وبدأ الرأي العام يزاد سخطا علي حكومة النقراشي لإغفالها مطالب الاستقلال الوطني ولوقوفها موقف الصمت، واضطرت حكومة النقراشي أن تصنع شيئا لامتصاص الغضب الشعبي فأرسلت مذكرة إلي الحكومة البريطانية في 20 ديسمبر 1945 تطالب فيها بإعادة النظر في معاهدة 1936 وتطالب بسحب القوات البريطانية في زمن السلم وأن تكون علاقات مصر مع بريطانيا مستقرة علي أساس من التحالف.

وانتظر النقراشي فجاءه رد الحكومة البريطانية بعد قرابة شهر كالصفعة حيث يرفض أي مناقشة أو إعادة نظر لمعاهدة 1936 وتعتبر مصر والأمم البريطانية شيئا واحدا أو في تحالف أبدي، فاشتد سخط الشعب عندما اطلع علي المذكرتين النقراشية والبريطانية ،فقد أطاحت هاتان المذكرتان بآمال الشعب وقواه الوطنية في الاستقلال بعد انتهاء الحرب وتأكد الجميع أن بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية لم تتغير بعد انتهائها بخروجها منتصرة علي تحالف النازية والفاشية.

وبدأت الإضرابات: إضراب كلية اللغة العربية عن الطعام، ومبيتهم في الفصول، وبدأت الاحتجاجات: اللجنة التنفيذية العليا للطلبة تحتج، اتحاد خريجي الجامعة يصدر بيانا مطولا متناولا مذكرة الحكومة والرد البريطاني، اللجنة التنفيذية العليا لطلبة الجامعة والمعاهد العليا تقرر دعوة الطلبة إلي عقد مؤتمرات في معاهدهم لمناقشة الحالة الناجمة عن الرد البريطاني.

اللجنة التنفيذية العليا للطلبة

في 7 أكتوبر 1945 اجتمع مندوبون عن طلاب الجامعة والمعاهد العليا والمدارس الثانوية والفنية في كلية الطب وتقرر في هذا الاجتماع إنشاء اللجنة التحضيرية للجنة التنفيذية للطلاب، ويقول فاروق القاضي في كتابه «فرسان الأمل» والذي شارك في نضال الحركة الطلابية (1944 - 1950) إن هذه اللجنة أنشئت علي المبادئ التالية:

1- النضال من أجل الاستقلال الوطني ومكافحة الاحتلال العسكري والسيطرة الاستعمارية.

2- العمل علي تصفية العملاء المحليين للاستعمار وهم الإقطاع وكبار الماليين المرتبطين بالاحتكارات الأجنبية.

3- توحيد كل القوي الوطنية المعادية للاستعمار.

كما نص بيان اللجنة التحضيرية علي أن التفاوض مع الاستعمار حول حقوق الوطن خيانة، وانتخب مصطفي موسي رئيسا للجنة التحضيرية وكان قائدا للطلائع الوفدية، ومنذ أكتوبر 1945 فبراير 1946 اهتم قادة الحركة الطلابية بتشكيل اللجان الطلابية في مختلف الكليات بالانتخاب المباشر، وقام المنتخبون بدورهم في انتخاب اللجنة التنفيذية العليا لطلاب جامعة فؤاد الأول، ثم اللجنة التنفيذية للأزهر ومثلها في جامعة الإسكندرية «فاروق الأول»، والمدارس الثانوية كذلك، ومن مجموع هذه اللجان انتخبت اللجنة التنفيذية العليا للطلبة التي انتخبت مصطفي موسي رئيسا لهذه اللجنة، وكان من بين أعضاء هذه اللجنة كما يقول الدكتور عصام بصيلة في ندوة الذاكرة الوطنية التي عقدت بمركز البحوث العربية في ذكري مرور 50 عاما علي تشكيل اللجنة الوطنية للطلبة والعمال وثورة 1946: فؤاد محيي الدين والشربيني بكلية الطب، وعبدالرءوف أبوعلم ومحمد الجندي من كلية الحقوق، ولطيفة الزيات وثريا أدهم من كلية الآداب، ومصطفي موسي، وعبدالمحسن حمودة وإسماعيل السيوفي ومصطفي مؤمن من كلية الهندسة وأحمد عبداللطيف ومصطفي فوزي من طب الأسنان، وفاطمة زكي وسعد زهران من كلية العلوم، وتقول فاطمة زكي في تلك الندوة إن اللجنة التنفيذية بكلية العلوم كانت تتكون من سعد زهران وعبدالواحد بصيلة وفاطمة زكي ورشدي عبدالباري وكمال عبدالرازق، وتؤكد أن اللجنة التنفيذية العليا قد تكون لها مكتب رئاسي من كل من لطيفة الزيات وعبدالرءوف أبوعلم وجمال السنهوري، وقررت اللجنة التنفيذية العليا للطلبة بعد أن استكملت تكوينها القيام بالرد علي المذكرة البريطانية نيابة عن الحكومة المتقاعسة وأن يكون الرد في مؤتمر عام في الحرم الجامعي يوم 9 فبراير حول النصب التذكاري لشهداء ثورة 1935، وهكذا أكد جيل الأربعينيات قيادته للثورة التي سبق أن قادها جيل العشرينيات في ثورة 1919 وجيل الثلاثينيات في ثورة 1935.

9 فبراير وقرارات مؤتمر الجامعة

يتذكر فاروق القاضي يوم 9 فبراير في جامعة فؤاد الأول قائلا: صباح يوم 9 فبراير شهدت الجامعة أكبر حشد في تاريخها، تجمع الآلاف من طلبة الجامعة وطالباتها وكن يشتركن لأول مرة بعد أن فرضن وجودهن الثقافي والسياسي، كما كان ظاهرا بوضوح حضور طلاب الثانوي والمعاهد والمدارس، وتذكر فاطمة زكي من بين الطالبات اللاتي اشتركن كلا من حورية مصطفي وصفية فهمي وسعدية عثمان وحورية عفيفي وبرلنتي السروجي وفاطمة زكي وزاكية رياض من كلية العلوم، ولطيفة الزيات وآسيا النمر ونجيبة عبدالحميد وجنفيف سيداروس وثريا أدهم من كلية الآداب وعائشة راتب ونبيلة عبدالحميد ونعمت بدر من كلية الحقوق.

وفي الموعد المحدد ظهر عبدالمحسن حمودة الطالب بكلية الهندسة وألقي خطابا حماسيا ألهب مشاعر المؤتمر وتعرض لبشاعة الاستعمار وتهاون القوي الرجعية وبؤس حال الطبقات الشعبية، وأن قضية الجلاء هي مسئولية الجماهير صاحبة المصلحة في التحرير، وكان الطلاب يهتفون بشعارات: الجلاء بالدماء، الشعب الشعب يحيا الشعب ثم تحدث مصطفي موسي رافضا الاستراتيجية الاستعمارية والأحلاف العسكرية، وضرورة تحقيق الجلاء، وأصدر هذا المؤتمر الطلابي عدة قرارات، تطالب بضرورة رفض الحكومة للرد البريطاني وعدم الدخول في مفاوضات إلا علي أساس الاعتراف بحق مصر في الجلاء ووحدة وادي النيل، وضرورة التخلص من التزامات معاهدة 1936، وإلغاء اتفاقيتي السودان، وسحب عبدالحميد بدوي مندوب مصر في الأمم المتحدة بسبب مواقفه المخزية، وأجمع الطلاب علي الاستمرار في النضال من أجل تحقيق هذه الأهداف وضد أي حكومة لا تعمل علي تحقيقها، وأن الطريق هو نفس طريق الشعوب التي هبت وثارت منذ نهاية الحرب، وقرر المؤتمر الخروج في مظاهرة إلي قصر عابدين لرفع قراراتهم إلي الملك والمطالبة بإقالة الحكومة، ويؤكد فاروق القاضي أن المظاهرة لم تخرج للذهاب إلي قصر عابدين بل للإعلان عن رأينا وسط الجماهير التي أردنا إشراكها في النضال حسب التقاليد العريقة للحركة الطلابية ويؤكد القاضي أن محمد عودة يشاركه هذا الرأي حيث يؤكد عودة في كتابه «فاروق بداية ونهاية» أن صوتا ارتفع من الحشد ودعا للخروج إلي الشارع وإلي الجماهير صاحبة الحق واستجاب الكل واشتعل الحماس وتدفقت خارج السور أكبر مظاهرة طلابية حددت تراث الكفاح وأثارت ذكرياته وأثبتت أن الطلبة مازالوا أهم الطليعة والقوة الضاربة الأولي وفقا لما يراه محمد عودة في كتابه المذكور.

مذبحة كوبري عباس 1946

تدفقت جموع الطلاب الحاشدة خارجة من حرم الجامعة باتجاه ميدان الجيزة، حيث انضم المواطنون إلي المظاهرة، وحيا عمال شركة الدخان القريبة من ميدان الجيزة وعمال الترام المتظاهرين بهتاف يقول يحيا الطلبة مع العمال، ورد عليهم الطلاب المتظاهرون بشعار العمال جنود الثورة، واستمرت المظاهرة حتي بلغت كوبري عباس لتعبره إلي القاهرة ويتفق كل من الدكتور شوقي الفنجري الذي أصيب في هذه المذبحة ويعرف بالشهيد الحي (كما كان يعرف إبراهيم شكري بالشهيد الحي لمذبحة 1935) مع فاروق القاضي الذي شارك في هذه المظاهرة مع شهدي عطية الشافعي في وصفه لهذه المذبحة التي يقدم فاروق القاضي تفاصيلها بقوله:

لم نكد نقطع الربع الأول من كوبري عباس حتي لاحظنا أنه أخذ ينفتح، أبطأنا في السير وتوجه عدد من طلبة الهندسة إلي أسفل الكوبري وقاموا بالسيطرة علي مفاتيحه وأعادوا إغلاقه، يقول القاضي: لم ينغلق الكوبري تماما إذ ظل جزء بسيط عند طرفيه يمينا ويسارا غير مغلق، لكن الوسط العريض كان كافيا لعبور المظاهرة، عندما عبر جزء كبير من المظاهرة إلي منتصف الجزء الشرقي من كوبري عباس تقدمت نحونا قوات كبيرة حاملة الدروع والعصي مرتدية الخوذات من فرقة الباشا التي كونها سليم زكي باشا حكمدار القاهرة وانهالت بالضرب المبرح، فحدثت موجة ارتداد للخلف وفي نفس الوقت حدث ضغط من طرف المظاهرة الخلفي نتيجة هجوم قوات أخري من الجيزة لا تقل عددا ولا ضراوة عن قوات القاهرة بأوامر من فيتز باتريك باشا حكمدار الجيزة، فوقعت المظاهرة في كمين مدبر بين قوات سليم زكي وقوات باتريك، وأخذت القوات تستفرد بالمتظاهرين صفا صفا وظهر أن الهدف ألا يخرج مشترك من المظاهرة سليما، وبسبب قوة الضغط والضرب سقط بعض الطلاب في الماء عند الجانبين المفتوحين من الكوبري، وألقي البعض بأنفسهم في النهر فرارا من الضرب والكسور والجروح، ووفقا للبيانات الرسمية والمؤرخ عبدالرحمن الرافعي فقد أصيب في هذه المذبحة يوم 9 فبراير 84 طالبا بإصابات بليغة ونقل الكثير منهم إلي مستشفي قصر العيني، وبينما يؤكد فاروق القاضي أن القوات لم تكتف بالمحاصرين فوق الكوبري بل لاحقت الفارين داخل البيوت المجاورة وخلف سور السينما الصيفي المجاورة للكوبري، ويؤكد إصابته بشومة فوق ذراعه ويؤكد الدكتور شوقي الفنجري أن إصابته كانت عبارة عن كسر بالجمجمة أعقبه نزيف بالمخ وشلل نصفي ونقل ضمن مئات الطلبة المصابين إلي قصر العيني وتصور الأطباء وفاته فنقلوه إلي المشرحة وأعلنت الصحف الأحد 10 فبراير 1946 وفاته غير أن الدكتور لطفي أبوالنصر وجد فيه نفسا بالمشرحة فأجري له عملية وظل أربع سنوات يعالج بمستشفي قصر العيني من الشلل ومضاعفاته ولذلك أطلقت الصحف عليه لقب الشهيد الحي لمذبحة كوبري عباس.

احتجاجات الجامعة وثورة الشعب

احتج عمداء جامعة فؤاد الأول في رسالة بعثوا بها إلي وزير المعارف عبدالرازق السنهوري باشا طالبوا فيها بضرورة التحقيق فيما وقع من مجازر لأبنائهم الطلاب، واجتمع مجلس النواب الذي ندد عدد من أعضائه بالمذبحة وبالحكومة وطالبوا بالتحقيق فيما حدث، وارتفع صوت الدكتور طه حسين بمقولة لا تنسي نشرها في جريدة الوفد المصري في ذلك الوقت، يقول فيها: لو حوكم صدقي علي جرائمه سنة 1930 لما ارتكب النقراشي جرائمه، يجب أن يقدم هؤلاء السادة للمحاكمة وقبل كل شيء أن تعرف الأمة المصرية بالضبط عدد القتلي والجرحي وأن كان قتيل واحد يكفي لمحاكمة ألف وزارة وألف نقراشي.

ويقول المناضل النقابي حسين كاظم: كانت مذبحة كوبري عباس هي الشرارة حيث اجتمع بعدها قادة النقابات في مؤتمر نقابات عمال القطر المصري بمقر نقابة عمال المحال التجارية في 6 حارة الشواربي وقرروا ألا تذهب دماء أبنائهم الطلبة هدرا، وحركت هذه المذبحة الجسد العمالي الكبير للانخراط في الثورة، ويصف شهدي عطية الشافعي الأوضاع قائلا: هبت المظاهرات محتجة في الإسكندرية والزقازيق والمنصورة والسنبلاوين، وتجمع طلبة الإسكندرية واتجهوا إلي حي كرموز حيث قاموا بمظاهرة كبيرة، وقتل ثلاثة من الإسكندرية وثلاثة في الزقازيق وواحد في المنصورة، وتعددت المظاهرات رغم هذا وتعددت الجنازات الصامتة وقامت معركة بين الطلبة والمحتشدين في قصر العيني ضد الإنجليز استمرت يوما كاملا، وحاولت الحكومة وقف المظاهرات بإغلاق الجامعة وبشغل المواطنين بإقامة احتفال ضخم بعيد ميلاد الملك لكن الثورة لم تتوقف واضطرت الوزارة إلي الاستقالة في 15 فبراير 1946.

اللجنة الوطنية للعمال والطلبة

لكن السراي لم تستسلم، فبينما كتب الدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته أن جلالة الملك «فاروق الأول» سقط في عيد ميلاده السادس والعشرين عن عرشه مهما تأخر الخلع لبعض الوقت إلا أن السراي في محاولة لإطالة عمر النظام وافقت علي إقالة وزارة النقراشي لكنها اختارت إسماعيل صدقي لرئاسة الوزارة الجديدة، وكأنها بذلك تريد أن تذكر الشعب بأنها سوف تحكم بالحديد والنار، واعتبرت القوي الوطنية وجماهير الشعب أن هذا الاختيار تحد لها فردت علي تحدي السراي باستمرار المظاهرات في مختلف المدارس ومختلف الأحياء، وأصدرت اللجنة التنفيذية للطلبة ميثاقا وطنيا في 17 فبراير 1946 كانت أهم بنوده:

1- الجلاء التام، 2- دولية القضية المصرية - التحرر من العبودية الاقتصادية، وختم هذا الميثاق ببيت من الشعر لأبي القاسم الشابي: إذا الشعب يوما أراد الحياة..

ويقول المناضل والمؤرخ العمالي طه سعد عثمان إنه في أحد اجتماعات اللجنة التنفيذية لمؤتمر نقابات عمال مصر علمنا أن الطلبة كونوا لجنة تنفيذية عليا فقررنا الانتقال فورا للاجتماع بلجنة الطلبة في مدرج كلية الطب، وفي هذا الاجتماع تكونت اللجنة الوطنية للعمال والطلبة وكان ممثلو العمال فيها هم: محمد مدبولي سليمان ومحمود حمزة وحسين كاظم وسيد علي ومحمود الدمرداش وسيد خضر وعبدالعليم علي عمارة ومحمد شطا وعبدالمقصود أبوزيد، ويقول فاروق القاضي إن الأسماء الثابتة للطلبة في هذه اللجنة كانت: فؤاد محيي الدين وعبدالرءوف أبوعلم وعبدالمحسن حمودة ولطيفة الزيات وفاطمة زكي، وتقول فاطمة زكي إن ميثاق 17 فبراير كان إعلانا بميلاد اللجنة الوطنية وأن ثريا أدهم عن الطلبة وحسين كاظم عن العمال شاركا في صياغة هذا الميثاق، ويقول شهدي عطية الشافعي إن اللجنة الوطنية للعمال والطلبة بعد أن تكونت في كلية الطب أصدرت قرارا مهما يعتبر وثيقة تاريخية تسجل مرحلة جديدة في المعركة الوطنية حيث يقول هذا البيان:

«قررت نقابات العمال بالقطر المصري وطلبة الجامعات المصرية والأزهر والمعاهد العليا والمدارس الخصوصية والثانوية أن يكون يوم الخميس 21 فبراير 1946 يوم الجلاء، يوم إضراب عام لجميع هيئات الشعب وطوائفه، يوم استئناف للحركة الوطنية المقدسة التي تشترك فيها كل عناصر الشعب المصري متكتلة حول حقها في الاستقلال التام والحرية الشاملة، يوم إشعار المستعمر البريطاني والعالم الخارجي أجمع، أن الشعب المصري قد أعد عدته للكفاح الإيجابي حتي ينجلي كابوس الاستعمار الذي ظل جاثما علي صدورنا منذ 64 عاما، يوم هو وثيقة في أيدي المفاوضين المصريين يقدمونها دليلا للمستعمر علي أن الشعب المصري مصمم علي ألا يتخلي لحظة واحدة عن الجلاء عن مصر والسودان، يوم يقظة عامة للشعب المصري يؤكد فيها أنه لن يقبل أي انحراف أو تهاون في حقه في الاستقلال والحرية، يوم تتعطل فيه المرافق العامة ووسائل النقل والمحلات التجارية والعامة ومعاهد العلم والمصانع في جميع أنحاء القطر، أن جلال هذا اليوم ليهيب بنا ألا ننحرف بقضيتنا المقدسة إلي شغب أو تخريب أو إخلال بالأمن العام، فلنرفع جميعا لواء الوطن عاليا، ولنثبت وحدتنا التي لا تنفصم، عمالا وصناعا، طلبة وتجارا وموظفين، شعبا متكتلا يرفع عن نفسه وصمة الذل والاستبداد».

21 فبراير 1946

يقول فاروق القاضي في كتابه «فرسان الأمل» إن الإضراب في 21 فبراير امتد من الإسكندرية إلي أسوان استجابة لقرار اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، أغلقت المصانع أبوابها، خرج طلاب المدارس رافعين راياتهم مرددين الشعارات الوطنية، تجمع عمال المواصلات منذ الصباح في مخازن وورش الجيزة وشبرا والعباسية، واصطفوا في مواكب خلف أعلامهم النقابية وخرجوا في مسيرات تردد نفس الشعارات الوطنية، وخرج عمال السكك الحديدية في عنابر بولاق وورش أبوزعبل، وفي جامعة فؤاد الأول تجمع آلاف الطلاب في الحرم الجامعي كما تدفق إلي داخل الحرم كل طلاب الجيزة والدقي، ووصلت مسيرة طلاب الأزهر إلي ميدان الأوبرا حيث تجمعت عدة مسيرات وتدفقت علي ميدان الإسماعيلية التحرير حاليا الجموع الهادرة من خمس جهات: من جامعة فؤاد الأول بالجيزة ومن السيدة زينب ومن الأزهر ومن العباسية ومن شبرا حتي ضاق بهم الميدان علي سعته واختلفت التقديرات بين 40 ألفا و100 ألف حيث يميل فاروق القاضي إلي الرقم الأكبر، ويتفق فاروق القاضي مع شهدي عطية الشافعي في القول باقتحام أربع سيارات بريطانية مصفحة لجموع المتظاهرين غير عابئة بمن تقتل أو تدهس فغضبت الجموع الحاشدة واستولت علي السيارات البريطانية وأشعلت فيها النيران، ويقول القاضي إنها لاذت بالفرار داخل ثكنات قصر النيل التي كانت تنطلق الرشاشات من داخلها، فأصابت السيارات المصفحة والرشاشات عددا من المتظاهرين وسقط القتلي والجرحي وازداد انفعال المتظاهرين فخلع بعض العمال والطلبة ملابسهم وغمسوها في بنزين السيارات المصفحة وأشعلوا النار في الحواجز الخشبية التي كان يختبئ وراءها جنود الاحتلال، ونزلت القوات البريطانية المسلحة إلي الشوارع، ولكن المظاهرات لم تنقطع طوال اليوم، بل خرجت من حي باب الشعرية السيدات وهن يهتف: أولادنا فداء مصر، وسقط من الشهداء ثلاثة وعشرون شهيدا و121 جريحا نذكر منهم: أحمد سيد أحمد سالم وحسن حامد حسن ومحمد فهمي ومحمد أبوالنصر وآخرون، وهزت الفاجعة كل الطوائف فلم يتوقف غضب الجماهير الحزين في كل مكان في الإسماعيلية وسمنود والمحلة الكبري وطنطا وغيرها، وكان آخر موقع خيم عليه الهدوء هو ميدان الجيزة، في الثامنة مساء.

ولقد لبت كل طوائف الشعب نداء اللجنة الوطنية، لكن القاهرة المثخنة بالجراح باتت ليلة حزينة، عاد العمال إلي ورشهم والطلبة إلي أحيائهم يعصرهم الغضب ويملؤهم الإصرار علي الانتقام، إن دم الشهداء لم يذهب هدرا فقط كان 21 فبراير بداية هزيمة الاستعمار الإنجليزي إذ قرر أن ينسحب أمام الإصرار الشعبي وأن يجلو بجيوشه وأسلحته عن المدن الكبري وأن تتمركز قواته في منطقة القناة.

اجتمعت اللجنة التنفيذية للطلبة وقررت عقد مؤتمرات في جميع الكليات والمعاهد والمدارس مطالبة الحكومة بصرف تعويضات لأسر الشهداء وأعلنت التضامن التام بين الطلبة والعمال في سبيل قضية الوطن، وعقدت اللجنة التنفيذية مؤتمرا في الجامعة يوم 24 فبراير ثم اجتمعت اللجنة التنفيذية للعمال والطلبة في 26 فبراير ووافقت علي اقتراح اللجنة التنفيذية للطلبة بتحديد يوم 4 مارس لإعلان الحداد العام.

وقد أصبح يوم 21 فبراير 1946 يوما عالميا فكما حدثت مظاهرات الطلبة والعمال في مصر في هذا اليوم تظاهر في نفس اليوم في الهند الآلاف من رجال سلاح الطيران الهندي وتضامن الشعب مع البحارة وموظفي سلاح الطيران وأصطدم الشعب الهندي بالقوات المسلحة البريطانية فسقط منهم 25 شهيدا و500 جريح، ولهذا أصبح يوم 21 فبراير يوما عالميا يحتفل بذكراه شباب العالم أجمع باعتباره يوما هب فيه شعبان عظيمان كالشعب الهندي والمصري ضد الاستعمار من أجل الحرية والاستقلال.

الاثنين 4 مارس يوم الحداد العام

ظهرت وحدة القوي الوطنية في أروع صورها يوم 4 مارس حيث جاءت صبيحة هذا اليوم فإذا الصحف محتجبة والمتاجر والمقاهي والمحال العامة مغلقة والمدارس مضربة والمصانع في جميع أنحاء القطر معطلة، لقد استجاب الشعب المصري بأكمله لنداء اللجان الوطنية للعمال والطلبة.

وكاد اليوم يمر بسلام لولا ما فعله جنود الاحتلال في الإسكندرية فقد أطلقوا النار علي مظاهرة سلمية من العمال والطلبة عندما وصلت المظاهرة إلي الفندق المخصص لإقامة بعض رجال البحرية البريطانية حيث رفع هذا الفندق العلم البريطاني عاليا وكان رفعه في يوم الحداد الوطني تحديا صريحا لمشاعر المصريين، وقد أطلق العساكر الإنجليز الرصاص علي المتظاهرين فسقط الشهداء الذين بلغوا في هذا اليوم 28 شهيدا و342 جريحا. وهكذا كان طلاب 1946 كطلاب 1935 و1919 حيث أشعلوا النضال الوطني من أجل الحرية والاستقلال، لكنهم في 1946 كما قدموا الشهداء قدموا للحركة الوطنية قيادة من طراز جديد تمثلت في اللجنة الوطنية للعمال والطلبة.

 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى الورقية  تصدر صباح الأربعاء  وتصدر على الانترنت صباح كل خميس-  ويصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 -يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون  الاشارة الى الجريدة