|
تشهد المنطقة أسبوعاً حاسماً في تقرير
مسار توازناتها ومصير مشروعاتها، إذ عبرت القوات التركية
الحدود مع العراق دون أن تعلن عن الإطار الزمني المتوقع
لعملياتها البرية في شمال العراق. ويأتي الهجوم التركي
البري استكمالا للحملة العسكرية التي تشنها تركيا منذ شهر
ديسمبر الماضي بقصف مواقع حزب العمال الكردستاني
بالطائرات، وتوغلت القوات التركية إلي عمق 20 كيلومترا
داخل الأراضي العراقية. وتحظي العملية البرية التركية بدعم
سياسي واستخباراتي إسرائيلي، حيث زودت تل أبيب تركيا
بطائرات دون طيار لتصوير مناطق تحصن حزب العمال في الجبال
الوعرة الواقعة علي الحدود بين العراق وتركيا.
أما واشنطن فلم تزود تركيا بالمعلومات
العسكرية اللازمة فحسب، بل أعطتها أخيراً الشرط الأساس
لعمليتها البرية: الضوء الأخضر الأمريكي. ولذلك يختلف
العبور التركي الحالي إلي شمال العراق عن المرات الثلاثين
السابقة التي تخطت فيها تركيا الحدود العراقية لمطاردة
عناصر "حزب العمال الكردستاني" بناء علي اتفاق وقعته في
ثمانينات القرن الماضي مع النظام العراقي السابق، إذ هو
العبور الأول في ظل الشروط التركية والإقليمية والدولية
الجديدة. تستمد اللحظة الراهنة صفة التاريخية من حيث كونها
فاصلة بين عصرين ونظامين إقليميين، بحيث يشبه حال المنطقة
العربية في اللحظة الحالية حالها بعد الحرب العالمية
الأولي، التي رسمت حدود دولها الوطنية علي أنقاض الدولة
العثمانية وفقاً لاتفاقية سايكس-بيكو. وتتماهي التداعيات
المتوقعة علي المنطقة أيضاً مع مثيلاتها في فترة ما بعد
الحرب العالمية الثانية؛ وما أعقبها من تغيير في خرائط
السياسة الدولية، ومن ثم انقسام العالم إلي معسكرين،
واستقلال دول المشرق العربي وانضواء كل دولة فيها بشكل أو
أخر في أحد هذين المعسكرين. كانت تركيا، وريثة الدولة
العلية العثمانية، قاسماً مشتركاً في لحظات المنطقة
الفارقة ومنها اللحظة الحالية، ومرد ذلك أن تركيا واقع
جغرافي وتاريخي واستراتيجي في منطقتنا وعلامة بارزة عليها.
ويترافق العبور التركي لشمال الجديد مع مناقشة الدول
الأعضاء في مجلس الأمن لمشروع قرار جديد قدمته واشنطن
لتشديد العقوبات الاقتصادية علي إيران بغية إجبارها علي
التوقف عن تخصيب اليورانيوم. أفلحت إيران في تمديد حضورها
الإقليمي والمعنوي في المنطقة منذ احتلال العراق، وبحيث
أصبح هذا الحضور وتحالفاته ينافس مثيله الأميركي
وتحالفاته. ولذلك تشهد المنطقة صراعاً علي النفوذ بين
المشروعين التركي والإيراني للتحكم بعجلة القيادة في
المنطقة، التي تشهد انهياراً عربياً شاملاً فالجامعة
العربية لم تستطع حتي "شجب" التوغل البري التركي لحدود
دولة عربية عضو بالجامعة.
أفاد التقرير الأخير للوكالة الدولية
للطاقة الذرية أن "إيران تعاونت مع الوكالة أكثر من ذي
قبل، وبالتالي أمكن للمفتشين الوصول إلي صورة أكثر دقة
للبرنامج النووي الإيراني، ولكن ذلك لا يكفي للتأكد من
الطابع النهائي للبرنامج النووي الإيراني". ويتلخص العائق
الأكبر -حسبما تراه الوكالة- في عدم قدرتها علي القيام
بزيارات تفتيشية مفاجئة للمواقع النووية الإيرانية، ومن ثم
التأكد مما إذا كانت إيران تعمل علي برنامج نووي عسكري أم
لا. واللافت في هذا السياق أن الوكالة أوردت في تقريرها
الأخير أنها اعتمدت علي تقديرات أجهزة استخبارات غربية،
مضمونها أن الاستمرار في تخصيب اليورانيوم من جانب إيران
يترافق مع العمل علي تطوير أنظمة صاروخية، وهو ما يثير
الشكوك في سلمية البرنامج النووي الإيراني، أو بحسب نص
التقرير "الوكالة ليست في وضع يسمح لها بالتأكد من تقييم
الطابع الحقيقي للبرنامج". تأسيساً علي ذلك تسمح صياغة
التقرير، للولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا وفرنسا،
بصياغة مشروع قرار ثالث يرفع سقف العقوبات المفروضة علي
إيران لإجبارها علي التوقف عن تخصيب اليورانيوم. ولم تتأخر
واشنطن كثيراً، فقد قدمت للدول الأعضاء في مجلس الأمن، قبل
أيام من صدور التقرير الأخير، قليلة مشروع قرار جديد يضاف
إلي القرارين 1737 و1747 اللذين فرضا عقوبات اقتصادية
متدنية السقف علي إيران.
تتجاوز العقوبات الاقتصادية المستوي
المجرد للعقاب كإجراء انتقامي، ويعتمد منطقها الداخلي علي
استخدام قوانين الاقتصاد السياسي من أجل ثني الدولة
المعاقبة -بفتح القاف-عن مواقف بعينها، وبالتالي فإن مشروع
القرار الجديد سيضغط بالعقوبات الاقتصادية باعتبارها أداة
ممتازة للضغط علي إيران، ولكن بوسائل غير عسكرية. ويتضمن
مشروع القرار الأمريكي الجديد حظر سفر المسئولين
الإيرانيين الحكوميين، والعلماء النوويين، بالإضافة إلي
سبع شخصيات قيادية في الحرس الثوري الإيراني، إلي دول
العالم المختلفة. كما يتضمن مشروع القرار تشديد الرقابة
علي الواردات الإيرانية واستبعاد أية مكونات يمكن
استخدامها للتسلح، فضلاً عن تشديد الحصار علي البنوك
الإيرانية وبخاصة بنك ملي إيران وبنك صادرات إيران. وكانت
العقوبات الماضية قد ركزت في السابق علي بنك سباه الإيراني
بغية التشديد علي تعاملات إيران المالية مع العالم. ويمتد
نطاق مشروع القرار الجديد ليشمل مراقبة شركة النقل الجوي
الإيرانية "إيران كارجو"، وشركة النقل البحرية الإيرانية
الوطنية، ومنح حق تفتيش الشحنات علي متنهما لأية سلطات
وطنية تمر هذه الشحنات في مياهها وجوها، وذلك لمنع تصدير
معدات عسكرية إلي إيران.
يبدو أن واشنطن تتجه لحسم خياراتها
النهائية في العراق والمنطقة بالاعتماد علي المشروع
التركي، فمن المنطقي ألا تستطيع "إسرائيل" ضمان المصالح
الأمريكية وحدها بسبب تدني قدراتها البشرية والجغرافية.
يجري السياق الأمريكي الحالي في المنطقة علي قاعدة أساسية
مفادها بناء اصطفافات إقليمية في مواجهة إيران: جبهة عربية
من الدول العربية المعتدلة ومن ضمنها دول الخليج العربية،
وجبهة تركية يمكن استخدامها بفعالية لمحاصرة إيران وطموحها
الإقليمي. وبالتوازي مع ذلك تشديد الحصار الدولي علي إيران
عبر استهداف ملفها النووي في مجلس الأمن، باختصار يبدو
عنوان المرحلة الراهنة أمريكياً متلخصاً في إزاحة المشروع
الإيراني بالوسائل الدبلوماسية حالياً -وربما العسكرية
لاحقاً-، وتصعيد المشروع التركي في مقابله |