يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1358-2 يناير 2008
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربي ودولي <<
الرأي <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالي <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<

تجمع المنوفية
 
 

لغــــم فـــي إمبراطوريــــة جنـــــوب إفريقيـــــا

 
 
 

نجاح "زوما" رئيسا للمؤتمر الوطني الإفريقي:

 
 

حلمي شعراوي

 

 

 

؟ يكن مفاجأة ذلك التطور الذي حدث في جنوب أفريقيا، بانتخاب "جاكوب زوما" في 18 ديسمبر 2007 كرئيس للمؤتمر الوطني الأفريقي بأغلبية كبيرة تصل إلي حوالي 60% من بين أربعة آلاف عضو قيادي في الحزب في مواجهة رئيس الدولة الحالي ورئيس الحزب "ثايو مبيكي" ومن ثم أصبحت انتخابات الرئاسة عام 2009 مكشوفة أمام هذا الصراع المحتمل.

ذلك أن سؤالا ملحا كان مطروحا في جنوب أفريقيا منذ مؤتمر الحزب السابق 2003 حول قيادة "مبيكي التي سلمت البلاد لاقتصاد السوق الحر لأبعد مدي، وبقيادة نفس الأقلية البيضاء السابق قيادتها لنظام "الأبارتهيد" إلي جانب نسبة محدودة من البرجوازية السوداء التي صعدت من بين عناصر الطبقة الوسطي في هذا القطاع أو ذاك.. ومن ثم أصبح السؤال في شوارع جوهانسبرج وديربان وكيب تاون: هل يستمر مبيكي في عولمة إمبراطورية جنوب أفريقيا الرأسمالية الجديدة؟ أم ينجح التحالف الحاكم الذي صار شكليا بين الحزب الشيوعي ومؤتمر نقابات العمال(كوساتو) في فرملة هذه السياسة؟، وزعمت هذه الأطراف إنها لم تتوقع مثل هذا الانحراف، وبهذا الشكل منذ حكومة مانديلا 1994 ثم حكم مبيكي منذ 1999. وقد كان اغتيال "كريس هاني" زعيم شباب الحزب واستبعاد رامافوزا، القيادة العمالية من أمام "مبيكي" المفاوض الرئيسي مع البيض شاهداً مبكراً للمستقبل.. لكن الوضع الأخطر الذي طرح بدوره منذ عدة سنوات هو إمكانيات جماهير العمال وأهالي البانتو ستانات السابقين أن يفجروا الموقف في وجه الجميع كما بدأ يتكشف ذلك في الإضرابات الشاملة في طول البلاد وعرضها وآخرها صيف 2007 (عمال الخدمات العامة من مدرسين وممرضين، والذين تضامنوا معهم من عمال المناجم). ويتذكر الجميع بالطبع أن إضرابات عمال المناجم الشاملة عام 1988 هي التي هددت الإمبراطورية الرأسمالية للبيض وجعلتهم يسلمون باتفاق 1990 ويخرجون مانديلا من سجنه.

خيبة مبيكي

لذلك فإن التطور الذي حدث في انتخابات رئاسة الحزب الحاكم وخيبة "مبيكي" بهذا الشكل، كان رسالة واضحة عن طبيعة الموقف المحتمل، أو هو "الهدوء النسبي" الذي يسبق العاصفة. ويخشي الجميع الآن أن تتكرر أزمة الرأسمالية المتجددة مع الطبقة العاملة الصناعية والتعدينية، فتهدد كيان نظام "البرجوازية المحلية" كما هددوا نظام رأسمالية الأبارتيد من قبل.. وتلح كثير من التحليلات علي هذا الاحتمال، كما يتصدي له النقيض بقوة! ولا تبقي إلا تفاعلات قوي التوازن:

إن احتمالات سقوط "حكم مبيكي" لا تصدر عن مجرد قوة منافسه "جاكوب زوما" في ذاته؛ فهذا الأخير بشعبويته ومحدودية ثقافته لا يملك تفكيراً معمقاً للتغيير الشامل، وإنما يملكه الآن قيادات واعية وشابة من حوله ورثت تراث المؤتمر كحركة تحرير ضد البيض والأبارتيد؛ وتراث حركة سويتو كانتفاضة شعبية ثورية، وشباب الجامعات العاطلين الذين تعتبرهم تقاليد جنوب أفريقيا "الأوربية" "عاملين" بغير عمل فضلاً عن قوة المرأة المسيسة في مختلف الأحداث الكبري. وهؤلاء جميعاً دفعوا حزب المؤتمر وحلفاءه إلي حكم 90% من مجالس الأقاليم، ودفعوا إلي البرلمان بحوالي 65% من أعضائه، وتزايدت انتماءاتهم التنظيمية في مؤتمر نقابات العمال (إلي الضعف تقريباً) كما زاد انتماؤهم للحزب الشيوعي بجنوب أفريقيا، الذي حرص علي المشاركة في السلطة طوال الوقت عبر ما يعرف رسميًا بالتحالف الثلاثي (المؤتمر- الحزب- العمال).. هذه الكتلة الشعبية الصلدة تتحرك أساساً بشكل نقابي تنظيمي رغم نسبة البطالة والتهميش التي وصلت إلي 25% من القوي العاملة في الإحصاءات الرسمية، وإذا لم يحترم حكم مبيكي مطالبهم وفلت العيار من يده فإن البلاد تصبح معرضة لتحولات جذرية فعلية. لكن الموقف بدا يتبلور ممثلاً في حضور القوي المنظمة حول "زوما" الذي نجحت قوائمه بالكامل بدءًا "بزوما"، رئيساً، ومروراً بالمواقع الست الرئيسية في اللجنة التنفيذية للحزب.. نائب الرئيس- السكرتير العام والمساعدين والأمناء.. إلخ، بل وعودة "ويني مانديلا" مظفرة بأعلي الأصوات رداً علي تآمر الكثيرين ضدها في السنوات الماضية، وهي الصوت العالي في التحالف. ومعظم هذه القوائم أعضاء الحزب الشيوعي أو اتحاد النقابات، المندمجين أو المتحالفين مع حزب المؤتمر. ونعرف أن التحالف الثلاثي هذا هو الذي يحدد المرشحين للبرلمان، ويشكل الوزارات وينتخب حكام الأقاليم بالاقتراع العام.. ولذا ينظر البعض إلي جوهر الصدام باعتباره معبرًا عما حدث نتيجة تجاهل رئيس الحزب لكل هذه الإرادات طوال السنوات الأخيرة متجاهلاً القوي المنظمة من خلفها متعاملاً بعجرفة مطلقة، مبرزاً وجوها أخري صاعدة من بين رجال الأعمال السود، بل والوجوه البيضاء أو الملونة ممن انضموا من أحزاب مستوطنين سابقاً إلي حزب المؤتمر بتشجيع مبيكي ودعمته فرق النفاق الإعلامية، متهماً الآخرين بضعف تكوينهم الحزبي، ومخالفتهم لتقاليد الحزب التاريخية كحركة تحرير تعلم الانضباط والخضوع. كما رسم تصوراً عن "زوما" "غير المتعلم" و"الشعبوي" الذي أدي لهذا الانقسام في رأيه ولذا راح "مبيكي" يدفع بالقضايا والشبهات حول "زوما" ليزج به في دوائر التحقيق والمحاكم وآخرها ما يخضع له الآن نتيجة اتهام مستشاره السابق في قضايا اختلاسات قد تؤدي "بزوما" نفسه إلي الفشل في التقدم إلي انتخابات الرئاسة 2009 أو حتي البقاء في رئاسة الحزب.

تأييد الشيوعيين

من هنا جاءت بيانات الحزب الشيوعي ومؤتمر نقابات العمال عنيفة ضد تصرفات "مبيكي" وإن كانت ما زالت تلجأ للتلميح لا التصريح: فهي تدين عدم احترامه لوجود وزرائهم في مجلس الوزراء (ولهم أكثر من نصف عدد المجلس الوزاري من شيوعيين ونقابيين) كما أنها تقف عثرة أمام محاولات مبيكي للتحكم في الحزب إذا ما فشلت محاولته الحصول علي مدة ثالثة كما كان يخطط لفترة.. وبينما جاءت بيانات مؤتمر النقابات (كوساتو) المعادية له معبرة عن سوء الأوضاع الاقتصادية في عهده راحت بيانات الحزب الشيوعي تذكر بالمباديء الأيديولوجية التي استطاع خبراؤهم أن يفسروا بها البرنامج الاقتصادي الجديد للسوق الحر كما تذكر بحتمية قيادة الطبقة العاملة لعملية التحول التدريجية لبناء جنوب أفريقيا الاشتراكية. وتشير بيانات مؤتمر النقابات (كوساتو) إلي إحصاءات مصادر رسمية تذكر أن 20-30% من الأسر المعيشية لا تتوافر لهم المياه أو الكهرباء وتجعل 40% من السكان تحت خط الفقر، وإن 80% من العاطلين في سن العمل 16/35 سنة، وأن التعليم ما زال يستوعب 22% من السود و 80% من البيض، وإن دخل الفرد يصل بين البيض إلي 13 ألف دولار ولا يتعدي الألفين بالنسبة للسود!!

هذه الحقائق جعلت الجميع يعبيء نفسه لمؤتمر الحزب، وجعلته مؤتمراً للساخطين في الوقت الذي تصورت "جماعة مبيكي" أن "البرجوازية السوداء" رتبت المؤتمر لتصدر وثيقة دعم لسياسة مبيكي. وقد نسي الرئيس ثابومبيكي أن قاعدة الحزب من العمال الفقراء قد نجحوا في تنظيم خمسة عشر إضراباً شاملاً في أنحاء البلاد في السنوات الأخيرة، وكان "جاكوب زوما" في وسطهم ينظم برامج "مساعدة الفقراء" ببعض المخصصات المحدودة، وأن زوما قام بزيارات للصين وزيمبابوي التي ينظم فريق "مبيكي" الحملات ضدهما، وأن مشاكل الشركات الرأسمالية في عدد من البلاد الأفريقية قد أصبحت تجلب السخط المحلي وتفضح السياسة الإمبراطورية لهذه الشركات علي المستوي الأفريقي، مقابل ترابطها العضوي الواسع مع الشركات العالمية متعددة أو متعدية الجنسية.

رهان علي المال

وبينما يشير الحجم الكبير من المصالح الأجنبية في جنوب أفريقيا، والتنسيق مع المصالح المحلية الصاعدة (صناعة الحديد وتجارة الماس بل وتجارة الخدمات) إلي إمكان مساندة تيار مبيكي في الفترة القادمة للتخلص من "زوما" وجماعته فإن، ما يشاع عن طبيعة التحالف بين "مبيكي" ورأس المال الأجنبي يضعف كثيراً من موقفه الداخلي... ويراهن مبيكي علي أن إمبراطورية رأس المال في جنوب أفريقيا ما زالت تحتفظ بمعدل نمو يصل إلي 5% رغم المصاعب الاقتصادية، كما أن شركات جنوب أفريقيا تتمدد بالمئات بين "دبي" المالية، وشرق أفريقيا السياحية وغرب أفريقيا التعدينية، بل وتصل بكثافة إلي الجزائر ولم يفشل حوارها إلا مع البرجوازية المصرية، وسجل ذلك بالفعل في مجال السياحة والمحلات التجارية... إلخ.. وفي المقابل يراهن الحلف الآخر (مؤتمر النقابات والحزب الشيوعي) علي أنه ليس مضطراً إلي التراجع عن استراتيجية "النمو الاقتصادي" تماماً، إلا أن محاوره الجديدة، والأفقية مع نظم أمريكا اللاتينية الشعبوية، أو البرجوازية الهندية، أو الاكتساح الصيني، قد تضمن بديلاً لاستمرار الصفقة مع الرأسمالية العالمية والبرجوازية البيضاء المحلية (تلك الصفقة التي أدت لتحول عام 1990 وعدم هجرة البيض من جنوب أفريقيا)، لتصبح صفقة تاريخية جديدة مع بلدان الجنوب علي النمط الهندي أو الكوري أو اللاتيني.

ولن يكون مجرد التخلص من "جاكوب زوما" أو استمراره هو القضية الرئيسية كما يضعها الإعلام العالمي. لأن اللجنة التنفيذية للحزب، ولجان البرلمان، والتعديل الوزاري المتوقع لحفظ التوازنات الجديدة، سوف تشكل جدول أعمال الفترة القادمة. ويظل التوتر والتردد في دوائر الحزب الشيوعي ومؤتمر العمال مصدر قلق آخر حين يبحثون خطأ التسليم بكل ما تم حتي الآن.. وكل ذلك يضع قيادة "ثابو مبيكي" تحت المحك.. والسؤال الذي قد يرد من تأمل التجربة المصرية، هو إمكانيات مبيكي ليصبح "ساداتياً كاملاً" سواء بالضربات القاضية، أو التحالف الوثيق مع المصالح الرأسمالية العالمية والمحلية، خاصة وقد توافر لها أن تمسك بزمام واحد من أقوي اقتصاديات العالم الثالث (وكانت هذه المصالح قد اختبرت قوتها حين سلمت لحزب المؤتمر عام 1990 بانتقال السلطة السياسية له تماماً عام 1994 مقابل استبعاده الحديث عن الاشتراكية والتأميم من ميثاقه).. لذلك يظل السؤال معلقاً، ومتعلقاً بمصير القوي التقدمية في فترة الصراع هذه. وإن كانت قد أثبتت وجودها نسبياً علي النحو الذي شهده مؤتمر الحزب الحاكم من جهة وتشهده شوارع جنوب أفريقيا من جهة أخري... وفي هذه الحالة سنصبح أمام احتمال انفجار اللغم الشعبي الذي لا تقدر إمكانياته عادة. في المقابل قد يعتمد مبيكي علي النمط الآسيوي أو اللاتيني، في تنمية الرأسمالية مقابل التقدم في نظام الخدمات والتشغيل من جهة، وتظاهره بوضع جنوب أفريقيا في جبهة الجنوب (البرازيل- الهند- الصين) من جهة أخري.. وفي نفس الوقت فإنه يعتمد علي قوة نفوذه الإقليمي أمام ضعف الموقف في أنجولا وموزمبيق وزيمبابوي المحيطين به فضلاً عن ضعف الموقف الأفريقي العام الذي يجعل القارة ساحة سهلة للمشروعات الرأسمالية الجنوب أفريقية علي أوسع نطاق.. ولذا فإن قوي التوازن" التي خدمت بقاءه طوال هذه الفترة باعتدالها ومساومتها معه (الحزب الشيوعي- مؤتمر النقابات) هي المرشحة لإعادة النظر في موقفها المتوتر معه في الفترة القادمة لكن علي أساس الرهان الجديد حول اقتسام السلطة (نجاح زوما الجماهيري البارز أو رفاقه)، والتذكير بأن البرنامج الاستراتيجي الذي قام علي أساسه التحالف الثلاثي والشهير باسم "جير gear" عام 1999 يضمن "النمو" كما يضمن "التشغيل" و"إعادة التوزيع".. وبهذه المساومة التاريخية المجددة، في عصر الرأسمالية الكاسحة التي ابتلعت جنوب أفريقيا لثلاثة عشر عاماً حتي الآن؛ قد يستمر التحالف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه (احتمال وضع اسم رامافوزا النقابي الثوري سابقاً والرأسمالي حاليا مرشحاً للرئاسة) وإلا انفجر اللغم في وجه الجميع.

 
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى الورقية  تصدر صباح الأربعاء  وتصدر على الانترنت صباح كل خميس-  ويصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 -يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون  الاشارة الى الجريدة