فوجئ المهتمون بشئون الصحة فى مصر بقرار لرئيس الوزراء
الدكتور أحمد نظيف ينشر فى الجريدة الرسمية هو القرار رقم
637 لسنة 2007 بإنشاء الشركة المصرية القابضة للرعاية
الصحية الذى نشر فى الوقائع المصرية كملحق للعدد 65 بتاريخ
21 مارس عام 2007. وملابسات إصدار القرار مثيرة للشك:
فالمادة الأخيرة منه تنص على ينشر هذا القرار فى الوقائع
المصرية، ويعمل به من اليوم التالى لتاريخ نشره مادة 17.
ويلاحظ أن تاريخ إصدار القرار وتوقيع رئيس الوزراء عليه هو
21 مارس 2007 كما أن تاريخ نشره فى الجريدة الرسمية
الوقائع المصرية هو أيضا 21 مارس 2007 حيث نشر كملحق للعدد
65 ولم ينتظر العدد التالى وهو ما يدل على تعجل الحكومة
الشديد فى تمرير هذا التعديل. أما بخصوص حق المواطنين فى
المعرفة فشيء آخر: حيث لم ينشر هذا القرار فى الصحف
اليومية لا نصه ولا تنويه عن محتواه. لقد تسرب القرار عن
طريق المعارضة، ولم تبدأ الحكومة فى الرد حتى بدأت
المعارضة فى نشر الموضوع بعد حوالى ثلاثة أسابيع من صدوره.
والقرار يحول ممتلكات التأمين الصحى من مستشفيات وعيادات
وجميع الأصول إلى ملكية الدولة كما تنص مواد القانون
المختلفة:
يكون للشركة القابضة والشركات التابعة لها الشخصية
الاعتبارية وتعتبر من أشخاص القانون الخاص ويسرى عليها
أحكام كل من قانون شركات قطاع الأعمال العام وقانون
الشركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات
المسئولية المحدودة وقانون سوق رأس المال... مادة 2
واختصاصات الشركة الجديدة وصلاحياتها هي:
تقوم الشركة القابضة بإنشاء شركات تابعة تختص بما يلي:
1. تقديم الرعاية الصحية لمنتفعى التأمين الصحى طبقا لشروط
تعاقدها مع هيئة التأمين الصحى أو غيرها من جهات التأمين
الصحي
2. تقديم الرعاية الصحية ذات الجودة العالية للراغبين من
المرضى من غير منتفعى التأمين الصحى حاليا
3. إعداد الخطط اللازمة لتطوير وتحديث العيادات
والمستشفيات وغير ذلك من منافذ تقديم الخدمة بما يحقق
توقعات المتعاملين معها فى خدمة ذات جودة عالية وتكلفة
مقبولة
4. إعداد الدراسات اللازمة للتوسع فى تقديم الخدمة طبقا
للتوسع المرتقب فى نطاق التغطية التأمينية ولتعاقدات
الشركة مع جهات التأمين الصحي
5. إنشاء قاعدة بيانات ومعلومات لتطوير نظام التأمين الصحي
6. إدارة الأصول والاستثمارات بما يعظم من عوائد التشغيل
ويضمن تقديم خدمة صحية ذات جودة معيارية وبتكلفة مقبولة
7. تنمية الموارد البشرية بما يتواءم مع احتياجاتها
اللازمة لتقديم خدمات صحية محققة لمعايير الجودة
8. أى شركات أخرى مرتبطة بالنشاط مادة 7
تعد أصول الشركة من الأموال المملوكة للدولة ملكية خاصة
مادة 13
يصدر بتأسيس الشركات التابعة للشركة القابضة قرار من
الوزير المختص يناء على اقتراح مجلس إدارة الشركة القابضة
مادة 14
وطابع الشركة القابضة التجارى لتلك المؤسسة الجديدة التى
ترث اختصاصات هيئة التأمين الصحى فى تقديم العلاج يتضح من
نص القرار:
تتولى الشركة القابضة من خلال الشركات التابعة لها استثمار
أموالها ويكون لها عند الاقتضاء حق الاستثمار بنفسها،
وللشركة أيضا فى سبيل تحقيق أغراضها القيام بالأعمال
الاتية:
1. تأسيس شركة مساهمة تابعة بمفردها أو بالمشاركة مع
الأشخاص الاعتبارية العامة أو الخاصة أو الأفراد
2. شراء أسهم الشركات المساهمة أو بيعها أوالمساهمة فى رأس
مالها
3. تكوين وإدارة محفظة الأوراق المالية للشركة بما تضمنته
من أسهم وصكوك تمويل وسندات وأية أدوات أو أصول مالية أخري
4. إجراء جميع التصرفات التى من شأنها أن تساعد فى تحقيق
كل أو بعض أغراضها مادة 5
والطابع الهادف للربح من المؤسسة الجديدة يتضح في:
تعد أصول الشركة من الأموال المملوكة للدولة ملكية خاصة
مادة 13 و
تقوم الشركة القابضة بإنشاء شركات تابعة تختص بما يلي:
.....
6-إدارة الأصول والاستثمارات بما يعظم من عوائد التشغيل...
مادة 7
يسرى على الشركة القابضة وما تنشئه من شركات تابعة عند
تشكيل مجلس الإدارة والجمعية العامة والنظام المالى وتوزيع
الأرباح والاحتياطيات والتأسيس أحكام قانون شركات قطاع
الأعمال العام ولائحته التنفيذية مادة 11 التشديد من عندنا
لتوضيح الطابع الربحى للشركة القابضة الجديدة.
إن جوهر قرار رئيس مجلس الوزراء هو إلغاء هيئة التأمين
الصحى كهيئة خدمية لتقديم الخدمة الصحية للمؤمن عليهم
واقتصارها على كيان مالى وإدارى كما نصت عليه من قبل أوراق
الحزب الوطنى وبرنامج الإصلاح الصحى وتحويل جهة تقديم
الخدمة إلى هيئة ربحية هى الشركة القابضة بادعاء أن الجودة
لا تتحقق إلا بالمنافسة أى على يد القطاع الخاص, بينما
تفرط فى الهيكل الطبى الضخم الذى بنى من أموال المنتفعين
وتحمل المواطن عبء ربح القطاع الخاص لتزيد تكلفة الخدمة
الطبية بل وتحولها من خدمة للمواطن ذات مردود تنموى فضلا
عن كونها حقا من حقوق الإنسان إلى سلعة تمثل مادة للتجارة
والكسب.
يأتى ذلك اتساقا مع مشروع الإصلاح الصحى الموقع عام 1997
بين وزارة الصحة والمانحين الأجانب هيئة المعونة الأمريكية
والبنك الدولى والاتحاد الأوروبى الذى ينص على الحد من دور
هيئة التأمين الصحى ووزارة الصحة فى تقديم الخدمة العلاجية
والتركيز على شرائها من القطاع الخاص فى سياق تغيير دور
وزارة الصحة وتخليها تدريجيا عن تقديم الخدمات العلاجية
واقتصارها على الوقاية ورسم السياسات، والحوادث، وتحديد
معايير الجودة والتعاقد مع القطاع الخاص لتقديم الخدمة
ومراقبة تطبيقها.
ولكن أصول التأمين الصحى ليست ملكا للدولة وليس هنا مجال
حق الدولة فى خصخصة القطاع العام لأنها أموال خاصة:
فالأصول من مستشفيات وخلافه تعود ملكيتها إلى المنتفعين
الذين بنيت تلك المؤسسات من أموالهم المخصومة من مرتباتهم.
والاستيلاء على أموال المنتفعين هنا غير دستوري. منذ سنوات
بعيدة مضت تم تأميم ممتلكات خاصة لصالح المنفعة العامة
الممثلة بالدولة كما قيل وقتها، وبعد هذا بسنوات طوال عد
هذا من المحرمات واعتبرت الملكية الخاصة مقدسة. أما الآن
فيتم الاستيلاء على أموال المنتفعين الخاصة من قبل الدولة
لتقوم بعد هذا بما يحلو لها من بيع وخصخصة تتيحها لها مواد
القانون الجديد!
ويأتى إنشاء الشركة القابضة مع سلب هيئة التأمين الصحى حق
تقديم العلاج اللمنتفعين فى سياق فصل التمويل عن الخدمة،
وهو الشعار الحكومى الشهير. و لو كان الموضوع مجرد فصل
إدارى لهانت الأمور، رغم أن الهيئة الحالية تأخذ التمويل
من وزارة المالية و هيئة التأمينات و المعاشات و بالتالى
فالتمويل مفصول عن تقديم الخدمة. لكن المقصود فى الحقيقة
شيئا آخر: المقصود هو أن تتخلى هيئة التأمين الصحى عن
تقديم الخدمة و تتحول إلى كيان إدارى ومالى ليقتصر تقديم
الخدمة على المؤسسة الربحية الجديدة. ومن المهم هنا أن
نلاحظ أن تلك الشركة التى استولت على الأصول الثمينة
الضخمة للتأمين الصحى قد انتقلت اليها تلك الأصول لتكون
رأسمالها وفقا للقاعدة:
يحدد رأسمال الشركة المرخص به بصافى القيمة الدفترية لأصول
كل المستشفيات والعيادات التابعة للهيئة العامة للتأمين
الصحى بعد خصم الالتزامات على هذه الأصول على أن يتم توزيع
رأس المال على أسهم اسمية بقيمة اسمية بسعر عشرة جنيهات
مصرية تكون مملوكة بالكامل للشركة القابضة. مادة 6
والمعروف طبعا الفارق الضخم بين القيمة الدفترية المتواضعة
لأصول ممتلكات هيئة التأمين الصحى وقيمتها السوقية الكبيرة
والتى تضم40 مستشفى وأكثر من 600 عيادة شاملة وأكثر من
2700 عيادة منشأة غير الصيدليات والمبانى الإدارية والأصول
المختلفة. فهل يمكن هنا إلا أن نشك فى أن السيناريو
المستقبلى للحكومة سوف يكون على غرار بيع الأصول بالبخس
كما حدث فى مختلف منشآت القطاع العام وآخرها عمر أفندي؟!
و للشركة الجديدة مجلس إدارة معين من عدد لا يقل عن 7 ولا
يزيد على 11 عضوا بما فيهم ممثل للنقابة العامة للعمال.
مادة 8
ولها أيضا جمعية عامة برئاسة وزير الصحة والسكان ! وعدد من
الأعضاء لا يقل عن إثنى عشر عضوا ولا يزيد على أربعة عشر
من بينهم ممثل للنقابة العامة للعمال ! مادة 10 إذن أين
المنتفعين أصحاب رأس المال فى الأصل؟!
وكما أوضحنا فى مناسبة سابقة فإن خصخصة تقديم الرعاية
الصحية تلقى بأعباء إضافية على المنتفعين فكيف تواجه
الحكومة تلك الأعباء؟
أعباء الخصخصة وطريقة الحكومة فى حلها:
تعلم الحكومة جيدا أن خصخصة الخدمات ترفع التكلفة على
المؤمن عليهم نتيجة تحويل الخدمة الصحية إلى سلعة وتحميلها
بعبء ربح القطاع الخاص. والحل الذى تقدمه الحكومة لتلك
المشكلة هو:
* استبعاد بعض الخدمات العلاجية من حزمة الخدمات، و أفضل
صياغة صريحة لوزير الصحة حول هذا الموضوع منشورة فى جريدة
الأهرام بتاريخ الاثنين 20 نوفمبر 2006، حيث يصرح بأن
النظام الجديد سوف يعتمد على إصدار وثيقة تأمين أساسية
لجميع المواطنين تغطى الأمراض المزمنة والحرجة ثم وثيقة
أخرى تغطى ما يطلبه المواطن من خدمات ليست أساسية ! وفى
الحقيقة لا أعلم ما هى الخدمات الطبية غير الأساسية،
وسيادة الوزير ضرب مثلا سابقا بالغسيل الكلوي؟!
* المساهمة المجتمعية للمنتفعين فى تكلفة الخدمة، بحيث لا
تقتصر على الاشتراك والرسوم الرمزية ولكن بدفع ثمن نسبة من
تكلفة الخدمة. وسبق القول بأنه مادام التأمين رغم تواضع
ميزانيته يكفى لتقديم جميع الخدمات التشخيصية والعلاجية
والتأهيلية بالمستوى الحالي، ومع المطالبة بزيادة موارده
فلماذا لا يمكنه استمرار فى تقديم نفس حزمة الخدمات
المتكاملة وتمويلها من اشتراكات المنتفعين بدون دفع نسبة،
مادام السلاح الكبير الذى يمكن التأمين الصحى الاجتماعى
غير القائم على الربح من أداء رسالته هو التضامن والتكافل
بين المنتفعين مع تقديم الخدمة بالتكلفة من خلال مؤسسات
غير ربحية أساسا وشراء ما يستكمل تلك الخدمات من الجهات
الخارجية العامة و الخاصة كما هو الحال الآن؟
ويحضرنى هنا مقولة قديمة لآدم سميث مؤسس الاقتصاد
الرأسمالى فى كتابه الشهير ثروة الأمم حيث يقول إن ربح
الرأسمالى مشروع لسببين:
1-قيامه بلعب دور المنظم فى بناء المشروع الرأسمالي
2-مخاطرته بأمواله فى مشروع تجارى بدلا من وضعها فى البنوك
مثلا
ولكن فى حالتنا تلك لم يقم المنظم الرأسمالى ببناء المشروع
بل بناه ممثلو المنتفعين فى هيئة التأمين الصحى ويقوم
المستثمر بشرائه على الجاهز كما حدث فى بيع كل أصول القطاع
العام، كما لا يغامر المستثمر بنزول السوق انتظارا لطلاب
السلع أو الخدمات، فالتسويق مضمون بحكم التعاقد مع هيئة
التأمين الصحى بتمويل من اشتراكات المنتفعين، والداعى
الباقى لكى يربح القطاع الخاص، الذى لم يسجل على ممارساته
الطبية حتى الآن شبهة عقلانية أو جودة تفوق نظيرتها فى
القطاع التأمينى إذا استثنينا الخدمات الفندقية هو مجرد
عيون القطاع الخاص القائد الجديد لعملية التنمية لأرباحه
بالطبع على حساب التربح من مرض المواطنين.
إن المواطنين مدعوون إلى التصدى لهذا التعدى على حقوقهم
وسلب ممتلكاتهم لإعادة بيعها لهم محملة بالأرباح لصالح
مستثمرى القطاع الخاص من مقدمى الخدمة ومشترى أصول التأمين
فى ظل خصخصتها.