من الشخصيات العربية الشهيرة التى هبطت أرض الكنانة
مصر لتتنفس هواء الحرية الكاتب والمفكر عبد الرحمن
الكواكبى (1849- 1902م) سليل أسرة حلبية من الأشراف
والعلماء. وقد تقوّت الصفات الرفيعة التى ورثها الكواكبى
ونمت بالتربية التى نالها.
وقد اكتسب الكواكبى فى حياته تجارب واسعة، فجرّب الخدمة
الحكومية واشتغل بالتجارة، ومارس الحقوق والصحافة وتجوّل
وسافر كثيراً إلى الجزيرة العربية ومصر وإلى الساحل الشرقى
لإفريقيا وإلى الهند.
وقرأ كثيراً، ومع أنه لم يكن عارفاً باللغات الأجنبية إلاّ
أنه تعرّف بالفكر الأوروبى عبر الترجمات. وقد اطلع فى
ترحاله وفى قراءته على الحالة المحزنة التى وصلت إليها
الشعوب العربية والإسلامية، فأخذ يناضل من أجلها ووقف
بجرأة كبيرة فى وجه الطغيان والظلم.
وكان شديد الحساسية للفقر والشقاء، فعامل الفقراء والضعفاء
بشفقة وتواضع، ودافع عن المظلومين بالقول والعمل. وكان من
جرّاء ذلك أن أغلقت السلطات – آنذاك – الجريدتين اللتين
أسسهما فى حلب بسبب هجماتهما الشديدة على الحكم الاستبدادى
والحكّام الفاسدين، وبسبب الآراء الحرة التى نشرها بين
الشعب.
وألّف عبد الرحمن الكواكبى كتابين وجّه اللوم فى أحدهما
إلى الحكومات الإسلامية، ووجّه اللوم فى الكتاب الثانى إلى
الشعوب نفسها.
ففى كتابه الأول المسمى (( طبائع الاستبداد )) حلّل الصفات
والميول التى تتميز بها الحكومة الاستبدادية وآثارها
المدمرة على الشعب. فإن الأخلاق تفسد فى ظل الاستبداد،
وينتفى حب البلاد، وحب الأصدقاء، بل وحب العائلة. ويحل
الخوف والشك محل الثقة المتبادلة. وتختنق الحرية ويفسد
الفكر، وتكبت عزة النفس والثقة بالنفس والرجولة، وتبعثر
الموارد الوطنية، ويكون الفقر والشقاء نصيب الشعب فى
الحياة.
حتى الدين يمسّه الفساد، فيصبح أفيوناً لتخدير الشعب
وتحويله عن الاهتمام بالمصائب الراهنة إلى الاهتمام
بالسعادة الموعودة فى عالم آخر. وتحجب المعرفة لأن المعرفة
نور والاستبداد لا يعيش إلاّ فى الظلام. ولا ينضبط الحكام
ولا يمتنعون عن الطغيان إلاّ إذا وضعوا تحت المراقبة
الدقيقة الدائمة من لدن رأى عام قوى وفاعل.
وواجب التعليم أن يعمل على إيقاظ الشعور بالشقاء والبؤس
والظلم وتدريب الشعب على مقاومة الطغيان. ونادى الكواكبى
بمجتمع يساعد فيه القوى الضعيف، ويشترك الغنى مع الفقير،
ويقترب الناس بعضهم من بعض فى جميع علاقاتهم.
أما الكتاب الثانى، فيدعى (( أم القرى ))، وهو اسم مكة
المكرمة مشهد القصة التى يتحدث عنها، وهى قصة جمع من
المسلمين الوافدين من أنحاء العالم الإسلامى كافة، التقوا
فى الحج. ويعرب هؤلاء عن قلقهم للخمول الذى استولى على
المسلمين ويحاولون اكتشاف أسبابه.
وبعد تبادل الآراء يتّفقون على أن الأسباب دينية وفكرية
وسياسية. فالدين لم يعد قوة حية فى نفوس الناس، وحلّ محل
الاعتقاد بالإرادة الحرة والجهد الشخصى اعتقاد بالقضاء
والقدر والاستسلام لهما، وأصبح رجال الدين أدوات فى أيدى
أصحاب السلطان والنفوذ. وفشا الجهل بين الشعب ومنعه جبنه
الأدبى من المطالبة بحقوقه وقتل اليأس روحه.
ومن الجدير أن نلاحظ أن بين الأسباب التى يعدّدونها لتأخّر
العالم الإسلامى إهمال تعليم المرأة وتدريبها التدريب
الصحيح. وقرّروا فى النهاية أن الجهل أساس كل علة، وأن
العلاج يكمن فى تنوير الأذهان والعقول عن طريق التعليم.
والكتابان يتصفان بعمق التفكير وبأسلوب واضح ومشوق. وقد
نشرا فى القاهرة وكان لهما قرّاء ومعجبون كثيرون.
إن كتابات عبد الرحمن الكواكبى والمثال الذى أعطاه فى
حياته الشخصية تركا أثراً عميقاً فى معاصريه، لأنه كان
حقاً من نبلاء الرجال يحمل قلباً مليئاً بالرحمة بمقدار ما
هو ملئ بالشجاعة.