نفت وزيرة الصحة الإتحادية السيدة د. تابيتا بطرس فى
حديث لجريدة الأيام بتاريخ 18 مايو 2006 ما ورد فى ذات
الجريدة بتاريخ 16 و17 مايو عن تفشى الكوليرا فى أطراف
العاصمة الخرطوم ونواحى أخرى من البلاد مؤكدة أن الحالات
التى تم التبليغ عنها هى "إسهالات مائية حادة"، ومنوهة إلى
خطورتها حيث قد تؤدى إلى فقدان الحياة خلال 24 ساعة. كما
أعلنت السيدة الوزيرة عن توفر نقاط تبليغ ورصد للمرض بكل
الولايات تبلغ بدورها الصحة الإتحادية على حسب ما نص عليه
الدستور الانتقالى بلا مركزية الخدمات. ما فات على د. بطرس
أن تنصح مواطنيها بانتهاج السلوك الفردى الصحى السليم عبر
إصحاح البيئة وغسل الخضروات وإضافة الكلور إلى المياه.
خلفية تصريحات السيدة الوزيرة كانت الأخبار التى نشرتها
جريدة الأيام عن تفشى المرض فى منطقة شرق النيل وكذلك فى
غرب أم درمان وجنوب الخرطوم بالاستناد إلى الحالات التى
تلقتها مستشفيات الكباشى وعوض حسين والتركى بهذا الترتيب.
بما أن الأيام رأت عدم الكشف عن مصادرها لزم التوضيح
فالكاتب طبيب بمستشفى الكباشى، وقد قام بتبليغ الجريدة عن
الحالات الواردة إلى مكان عمله، ثم توسع التحقيق ليشمل بعد
ذلك مناطق أخرى من العاصمة. معلوم أن وباء الكوليرا كان قد
اجتاح جزءاً من جنوب السودان خلال شهر فبراير من هذا
العام، حيث أعلن فريق عمل مشترك من الصحة الإتحادية ووزارة
الصحة بجنوب السودان بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية
(WHO) وأطراف أخرى أن مجمل عدد المصابين بلغ 5634، فقد
منهم 127 مصاب الحياة بمعدل وفاة يبلغ 2,25%. تركزت
الحالات فى مدينتى ياى وجوبا والأرياف المجاورة لكليهما
وقد تم إثبات بكتريا فيبريو كوليرا (Vibrio cholerae) من
فصيل إنابا (Inaba) سبباً للإسهال المائى الحاد فى كلا
المدينتين عبر زراعة عينات الإسهال معملياً (نشرة منظمة
الصحة العالمية، 6 مارس 06). تواترت من ثم ومنذ أواخر
أبريل أنباء عن ظهور حالات مماثلة للإسهال المائى الحاد
بين عمال "الكماين" فى الجريف، ومن بعد ذلك التطورات
الأخيرة بانتقال المرض إلى المناطق المذكورة فى العاصمة.
بالإضافة إلى البؤر الموجودة فى الخرطوم ثبت أن انتشار
المرض قد بلغ تجمعات سكانية أخرى فى أقاليم السودان. بإزاء
هذا الانتشار ظلت الوزارة على إصرارها تعريف المرض باصطلاح
"الإسهال المائى الحاد" وعلة ذلك غالب الأمر ذات طبيعة
سياسية فقد يكون مقبولاً إعلان الكوليرا صراحة فى الجنوب
نظراً لتركة الحرب المتطاولة وحركة النازحين وخراب أو
انعدام الخدمات العامة فى معظم أرجاء الإقليم. أما فى
الخرطوم وهى مركز البلاد وصرتها المالية والاستثمارية لا
يمكن اعتبار الكوليرا سوى دليلاً دامغاً على فشل حكومى
ذريع فى تنظيم وإدارة الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية
وخدمات المياه والصرف الصحى والأسواق بما يحقق الحد الأدنى
من الصحة العامة – أى ذلك الذى يمنع انتشار وبائيات متحفية
مثل الكوليرا لا يتحقق لها التوطن والاستفحال غير بفساد
تام لهذه النواحى من الخدمة العامة فى أى تجمع سكانى
مستقر. لا يغيب بالطبع عن إدراك المسؤولين عن قطاع الصحة
ومنهم السيدة الوزيرة حاملة شهادة الدكتوراة أن اصطلاح
"الإسهال المائى الحاد" لا يعدو أن يكون تعبيراً وصفياً
يجوز استعماله معمماً هكذا حتى يتم التعرف على السبب
المرضى ميكروباً كان أو غير ذلك. الإسهال أياً كان عَرَض
وليس مَرَض فى حد ذاته، وبالتالى لا بد من تقرير سببه متى
ما اكتملت الفحوص الطبية والمعملية اللازمة إذا كان القصد
هو علاج المرضى ومحاصرة الوباء فعلاً بالاجراءات الضرورية
لذلك وليس مداراة "الخيبة" عبر التلاعب بالألفاظ.
تعرف الكوليرا بأنها مرض حاد معد ووبائى أعراضه حدوث مفاجئ
لإسهال مائى متصل غير مؤلم وغير ذى لون يشبه ماء الأرز،
بالإضافة إلى قئ دون جهد. قد يقود فقدان السوائل الذى
يسببه الإسهال فى المقام الأول إلى فقدان الحياة خلال 12 –
24 ساعة. الإسهال الخاص بالكوليرا مميز جداً فهو عديم
اللون وغزير يحوى القليل جداً من المخاط والبروتين ورائحته
تشبه رائحة السمك، عليه يختلف جداً عن الإسهال الذى تسببه
الدسنتاريا البكتيرية فهذا دموى مخاطى وأقل بكثير فى
كميته. تظهر من ثم على المصاب أعراض فقدان انعدام السوائل:
توقف التبول، انخفاض ضغط الدم، وتسارع النبض أو غيابه مع
الضعف العام والهزال. تتعدد درجات حدة المرض بين الأقصى
المؤدية إلى الموت ودرجات أقل يصعب تمييزها من خلال
الأعراض السريرية فقط عن أنواع أخرى للإسهال الإفرازى، أو
حتى الإصابة الخالية من الأعراض. فى العام 1849 أثبت سنو
بتجربة مضخة المياه فى برود ستريت – لندن أهمية المياه
الملوثة فى تفشى الكوليرا. تبع ذلك اكتشاف روبرت كوخ
لبكتريا الفيبريو المسببة للكوليرا فى مصر عام 1883. تأكد
اكتشاف كوخ عام 1884 فى كالكتا بالهند عندما ثبت وجود
الميكروب فى كل حالات الكوليرا التى تم فحصها. كما أثبت
سنو عام 1849 أهمية المياه فى نقل العدوى كذلك حرص منذ ذلك
الحين على تأكيد أهمية حركة البشر فى تفشى المرض، والإصابة
عبر تلوث كل ما يدخل الفم بالإسهال أو البراز الحامل
للميكروب. إذن ينتقل المرض مباشرة من الإنسان للإنسان عبر
تناول الماء والغذاء الملوث بالميكروب. فى الكوليرا
الكلاسيكية تعتبر الحالات الجديدة الخالية من الأعراض أو
خفيفة الأعراض الوسيلة الأساسية للعدوى، وهى أكثر حدوثاً 5
– 10 مرات من الحالات الحادة، فالإصابة عادة ما تكون عابرة
ولا ينشر الحامل للمرض الميكروب عبر الإسهال أو البراز
لأكثر من اسبوع أو اسبوعين. نسبة حاملى الميكروب الذين لا
تظهر عليهم أى أعراض إلى المرضى السريريين تتراوح بين 10 –
100 لكل مريض بحسب الظروف المعيشية وفصيل الكوليرا، هؤلاء
هم الأكثر فعالية فى نقل المرض. تشخيص الكوليرا المعملى
يقوم على أخذ عينة من الإسهال وزراعتها فى الوسط الملائم
لذلك ثم مراقبة ظهور المستعمرات البكتيرية المميزة
للفيبريو كوليرا. شهد العالم خلال القرن التاسع عشر وأوائل
القرن العشرين ست موجات وبائية كبرى للكوليرا نشأت من حوض
البنغال. تمت محاصرة المرض بعد ذلك فى مناطق توطنه فى
الهند وبنغلاديش حتى عام 1961 عندما اجتاحت العالم موجة
وبائية سابعة عبرت من إندونيسيا إلى الشرق الأقصى ثم معظم
جنوب القارة الآسيوية. فى أوائل السبعينات كان الوباء قد
اجتاح افريقيا ثم وصل أميركا الجنوبية فى العام 1991.
بنهاية ديسمبر 1993 كان عدد المصابين قد تجاوز 820 ألف قضى
منهم سبعة آلاف. آخر الموجات العظيمة للكوليرا فى إفريقيا
كانت فى العام 1985 حيث شمل الوباء 12 بلد إفريقى من بينها
السودان. كما اليوم أنكرت السلطات الصحية حينها وجود
الكوليرا متمسكة باصطلاح "إسهال حاد" بينما كان المرض يغزو
مدن بورت سودان والخرطوم قادماً من أثيوبيا (نيويورك
تايمز، 18 أغسطس 1985).
بما أن العدوى تنتقل عبر الماء أو الغذاء الملوث تعتبر
الكوليرا مرض خاص بالتجمعات السكانية المزدحمة القاصرة عن
معايير النظافة العامة المعتبرة. لذات السبب تتوطن العدوى
فى المجتمعات التى تفتقر إلى خدمات المياه السليمة وحيثما
تقاسم الناس مصادر المياه من حفائر وخزانات وترع وأنهار
للاستعمال المنزلى والغسيل والاستحمام. على هذا الأساس فإن
الإجراءات الواقية من الوباء تتمثل أول الأمر فى توفير
المياه الصالحة للشرب والتخلص السليم من البراز البشرى.
لمحاصرة وباء الكوليرا على المدى القصير لا بد من علاج
حالات الكوليرا بالإضافة إلى حاملى الميكروب ومن هم على
صلة بهم، وذلك بتنظيم مراكز علاج مؤقتة بمواد مؤقتة داخل
مناطق انتشار الوباء مما يؤدى إلى خفض معدل الوفيات الناتج
عن المرض من 30% إلى 1% أو دون ذلك. على المدى البعيد، حجر
الزاوية فى القضاء على الكوليرا هو توفير خدمات المياه
والصرف الصحى السليمة بجانب تقصى حالات الإسهال المعوى
والكشف عن أسبابها وعلاجها بحسب ذلك.
الذى حدث فى الكباشى أن توارد على مشفاها خلال الاسبوعين
السابقين عدد من المصابين بإسهالات مائية حادة أجمعنا
أطباء المستشفى على أنها تماثل الإسهال المميز للكوليرا.
على هذا الأساس قمنا بالتبليغ عن هذه الحالات عبر القنوات
المخصصة لذلك ومن ثم بعث زملاؤنا فى معمل المستشفى بعينات
الإسهال إلى إدارة المعامل الوزارية المسؤولة. فى الاسبوع
السابق جاءت نتائج الفحوص المعملية تؤكد أن الميكروب
المسبب لهذه الإسهالات هو بكتريا الفيبريو كوليرا لا غير.
بلغ عدد المصابين بمستشفى الكباشى حتى تاريخ كتابة هذه
الكلمة 24 شخص، كان نصيب أحدهم الموت، ما يعنى معدل وفيات
قدره 4%، علماً بأن معدل الوفيات المصاحب للكوليرا تحت
الشروط الوبائية حال إتخذت السلطات الإجراءات السليمة لا
يتجاوز 1%. يصعب إذن تفسير الإنكار الحكومى المضطرب حيث
أقر وزير الصحة بولاية الخرطوم وجود 3 حالات على الأقل فى
منطقة الكباشى (الأيام، 16 مايو 06) بينما أكدت الوزيرة
الإتحادية خلو البلاد من الكوليرا (الأيام، 18 مايو 06)
وذلك بإزاء ما أثبتته المعامل الوزارية. تفسير هذا الإنكار
بائس بأى وجه نظرت إليه، إما أن الوزارة الإتحادية لا
تعترف بنتائج الفحوص المعملية التى وردت من جهة إدارة
المعامل، ما يعنى أنه لا يمكن الاعتماد على هذه الإدارة
وبالتالى يتوجب إصلاحها وإرسال العينات لجهة تعترف الوزارة
بكفاءة عملها، أو أن السلطات تتعمد غض النظر عن حقيقة
"الإسهالات المائية الحادة" التى تجتاح البلاد رغم خطورتها
حيث يمكن أن تؤدى إلى فقدان الحياة خلال 24 ساعة، مستخدماً
ذات ألفاظ السيدة وزيرة الصحة الإتحادية. مع العلم أن
هنالك واجب أممى وإقليمى يفرض على أى دولة تتأثر بوباء من
هذا النوع التبليغ عنه لضمان محاصرته على أتم وجه. ليس من
داع طبعاً لذكر واجب الدولة تجاه مواطنيها فى هذا الخصوص
فالحكومة السودانية قد ترفعت منذ زمان على الاستجابة
لواجباتها المحلية، ولا تنكسر لها قناة أو يلين لها جانب
إلا بدفع من القوى الدولية والرأى العام العالمى. على هذا
الأساس لن نستغرب أن يجد "ملف الكوليرا" مكاناً له آخر
الأمر على طاولة السيد يان برونك، وربما توسط السيد روبرت
زوليك لفض الاشتباك بين أنصار "الإسهال المائى الحاد"
ومنازعيهم!