ظهرت الصحف المصرية صباح الخميس 18/5/2006 وهى تنقل عن
مصادر قضائية احتمال إرجاء مساءلة المستشارين محمود مكى
وهشام البسطويسى أمام مجلس الصلاحية أى المحكمة التأديبية
للقضاة بسبب الأزمة القلبية التى ألمت بالمستشار البسطويسى
وتمثلت المفاجأة فى صدور الحكم فى اليوم نفسه بتبرئة الأول
وتوجيه اللوم للثانى، ويعنى هذا حرمانه من الترقية المقبلة
وجواز عزله من منصبه إذا ما عاد إلى ارتكاب ما يؤاخذ عليه.
ولا يوجب القانون فى مصر حضور المدعى عليه ولكن الاعتبارات
الإنسانية كانت تغلب جانب التأجيل، والمعروف أن صلب
الادعاء هو تنديد المدعى عليهما بأحد المستشارين لقيامه
بعملية تزوير فى إحدى الدوائر الانتخابية لمجلس الشعب، ولا
يجوز لنا التعليق على الحكم حتى ولو كان المستشار زكريا
عبد العزيز رئيس نادى القضاة قد وصفه بأنه باطل، ولكننا
نلقى الضوء على ملابسات القضية علما بأن القضاة بشر، وأن
سمعة القضاة المصريين فى القمة، ولكننا طالعنا مثلا أن
عددا ضئيلا جدا من هؤلاء القضاة قد أدينوا بسبب ضعفهم أمام
الإغراء المالى، فلماذا لا يضعف نفر قليل منهم إزاء
السلطان وما يجره الولاء له وتنفيذ أغراضه من مزايا
ومغانم؟ ونفسر وصف الحكم بالباطل بأن وزير العدل الذى يمثل
السلطة التنفيذية هو الذى أمر بإحالة المستشارين إلى مجلس
الصلاحية وأن مجلس القضاء الأعلى برئاسة رئيس محكمة النقض
هو الذى نفذ الأمر فى حين أن كلا من الوزير والمجلس فى
موقف خصومة مع أعضاء مجلس إدارة نادى القضاة المنتخبين
لتمسك الأخيرين بمشروع قدموه لكفالة استقلال القضاء طبقا
للمادة 165 من الدستور، ويثير الحكم المشار إليه ما ذهبت
إليه محكمة جنائية دولية من الحكم على أحد المتهمين من
الاستخبارات الليبية بتدبير حادث إسقاط الطائرة الأمريكية
فوق لوكيربى باسكتلندا وتبرئة زميله فى القضية وشعر الأول
بأن مركزه فى القضية مماثل لزميله فاستأنف الحكم، ولكن
المحكمة رفضت الاستئاف فلماذا؟ لأن عدم الإدانة ينسف مزاعم
واشنطن بتورط الحكومة الليبية فى الحادث، ولم تجد هذه
الحكومة مفرا سوى إعطاء ورثة 270 ضحية للحادث 7ر2 مليار
دولار كتعويض، وهو أكبر تعويض فى التاريخ فيما يتعلق
بحوادث مماثلة، أما فى مصر فقد تولى مساءلة المستشارين خصم
لهما فأصبح الخصم هو الحكم، كما أن القانون لا يجيز الطعن
فى حكم مجلس الصلاحية، فى حين أن أصغر موظف فى مصر يمكنه
الطعن فى أى عقوبة توقع عليه أمام القضاء الإدارى بدرجتيه.
فلماذا سارع مجلس الصلاحية بإصدار حكمه؟ والجواب هو أن
غضبة الجماهير وإزاء مساءلة المستشارين أصبحت حقيقة ملموسة
لدى السلطة وقد واجهتها فى كل مرة انعقد فيها ذلك المجلس
بقمع شديد للمتظاهرين من أجل العدل والحرية والقيم الرفيعة
ومستقبل الوطن ومصير الشعب، فضلا عما جرى من الاعتقالات
الجماعية، وأصبحت القاهرة ثكنة عسكرية يحتشد فيها جيش
الأمن المركزى لقمع تطلعات شعبنا لإلغاء الأحكام العرفية
ومعالجة جذرية لقضايا حيوية مثل الأمية والبطالة وغلاء
أسعار السلع والخدمات والانشطار المروع فى المجتمع بين قلة
تملك السلطة المطلقة والثروة الطائلة وعشرات من الملايين
أصابهم قدر كبير من القنوط والتدهور المتواصل لأحوالهم
المعيشية وعدم وجود ضوء فى نهاية النفق المظلم، وفى الوقت
نفسه يعلن مفتى السلطان د. مفيد شهاب ضرورة إعداد قانون
مكافحة الإرهاب -حسب تسميته- مما يستلزم محو المواد
الدستورية التى تكفل حرية التجمع والتظاهر وحرية التعبير
والاتصال والانتقال أى أن المطلوب هو جعل الأحكام العرفية
مؤبدة!
وفى العهد الملكى حوكم العديد من كتاب مصر الشرفاء بتهمة
العيب فى الذات الملكية، واليوم تظهر تهمة لم نسمع عنها من
قبل، وهى إهانة الرئيس وهى تهمة وجهت إلى العديد من
المتظاهرين فى الفترة الأخيرة، فمن هم الجناة الحقيقيون
الذين يستحقون توجيه هذا الاتهام إليهم؟ إنهم فى رأيى من
أشار على السيد الرئيس بالإبقاء على الأحكام العرفية على
مدار حكمه الذى استمر قرابة ربع قرن ومن أفتى بدخول الحرب
سنة 1991 ضد العراق، وتحت القيادة الأمريكية للتخفيف من
الديون الخارجية التى وصلت إلى 56 مليار دولار سنة 1990 ثم
زينوا لسيادته فتح قناة السويس سنة 2003 للسفن وحاملات
الطائرات الأمريكية لكى تضرب العراق فى حرب عدوانية قذرة
من جانب واشنطن ومن أقاموا حكما سموه الانفتاح دون ضوابط
مما أدى إلى تهريب المليارات للخارج وتهريب السلع
بالمليارات إلى الداخل وبيع القطاع العام بنسبة ضئيلة من
قيمته السوقية والإبقاء على هيئات طفيلية مثل المجالس
المتخصصة التى تنفق كثيرا ولا تؤدى خدمة تذكر ومن ربطوا
مصر الحرة بحلف الناتو العدوانى وبسياسة واشنطن التى تهدف
إلى الهيمنة على العالم، وأخيرا وليس آخرا من اعتدوا
بوحشية على المتظاهرين المناضلين وداسوا بالحذاء على رقبة
المستشار محمود حمزة فى 24/4/.2006