هناك فى إيطاليا يقع برج بيزا المائل والآخذ فى الميل
البطيء تدريجيا، ويعتبر فى المنطق الهندسى أحد ظواهر منشآت
الكون الغريبة والفريدة والجديرة بالتسجيل والرصد.
والمبنى ليس هو عصا مزروعة يدويا فى أرض طينية تم وضعها
عشوائيا بدون قياسات موازين الماء حتى صارت أمام الأعين
المجردة مثلا للانتقاد ورغبة فى النزع، ولا هو يد شمسية
بحر غرسناها فى رمال الشاطئ لتنتهى صلاحيتها عند مغرب
اليوم نفسه، لقد اعتبرته السلطات مصدراً للاستثمار السياحى
حيث يرفض أى اقتراح باستعدال البرج المائل، إذا افترضنا
إمكان ذلك، بل يعتبر من السخافة محاولة التفكير فى استقامة
البرج رأسيا.
هذا البرج الخارج عن حدودنا، والذى صار علامة من علامات
الإعجاز الهندسى، قد أثار فضولنا فأردنا استلهام الفكرة
لزرعها فى أرض مملوءة بكنوز مصر الأثرية لاقتراب مسمى بيزا
مع الجيزا بدون فيزا، ولتجنب الوقوع فى مشاكل دولية
وقانونية معقدة بسبب الاقتباس المغشوش ودس البرج بين آثار
لها سمعتها التاريخية العريقة والموثقة دولياً، ولتصور
البعض ميل الناس إلى كل ما هو مائل ومنحه شهادة دولية
بالانفراد والإعجاز، وضرورة التمثل بنماذج ثبت الإقبال
عليها سياحيا، كان لابد من الاتجاه إلى الميل وليس
الاستقامة كأفضل وضع تؤخذ له الصور التذكارية، بل التمثل
بها!
إن الحال المايل هو أفضل الأوضاع المستقرة باعتراف تقارير
التنمية العالمية الصادرة من الأمم المتحدة بالإعلان عن
ترقيم موقعنا عالميا وإقليميا الآخذ فى التقهقر والتخلف،
ومأساة صفر المونديال الذى أدهش كل خبراء العالم كوننا لم
نكن نتوقعه بل كنا نهلل بتأكيد تقدمنا على الآخرين!..
والمثير حقا ليس الصفر بقدر السكوت وإخفاء التحقيق لابتلاع
الكارثة، أو فبركة المجازاة لاستهلاك الانفعالات واستقطاب
الرأى العام، ومع كل ذلك لا نسمع سوى تفاؤل المسئولين فى
مواقعهم عن ارتياحهم لثبات واستقرار الأوضاع، ويبدو أن
معيار القياس عندنا يختلف عن نظيره عالميا لاختلاف درجات
الحرارة! وأن اختلاف الموازين يرجع إلى خلل فى الجاذبية
الأرضية التى هى خارج إرادتنا!.. نعم ففى الهزائم الكروية
يعود العيب فى الطقس وهطول الأمطار، وعيوب أرضية الملعب،
وإرهاق اللاعبين بسبب الأسفار الشاقة، وانحياز الحكم
للآخرين، والظلم الواقع على لاعبينا، وعدم التوفيق والحظ
السييء، بل ربما بسبب السحر المعمول ضدنا..!
ويلتقط الإعلام الكرة بترديد أغانى تتشدق فى حب مصر وعظمة
وسحر مصر مع الإعلان الأوديبى بتنصيب ذواتنا بأم الدنيا فى
الأسرة البشرية! وبهذا نقتنص الانفراد عن كل أهل الدنيا
رغم التقارير العالمية بالانسحاب والتقهقر، وصفر المونديال
كأحدث شاهد عيان!
والإحساس بأمومتنا على الدنيا يسهم فى تدعيم إيحاء المائل
أنه متزن والعالم من حوله مائل.. مثل ركاب قطار لم يتحرك
بعد من إحدى المحطات، فإن نظر الركاب إلى قطار مجاور
يتحرك، ظنوا بالخدعة أنهم المتحركون، ولا يفيق الإنسان من
خدعته إلا أن يقارن نفسه بشيء ثابت وليس متحركا.
إن الوضع المائل - كجزء - يظل هكذا مائلا إن تمت مقارنته -
بالكل - المائل أصلا، ومن ثم استقر الوضع على ذلك..!
والوضع المائل يأتى من إصرار الأغلبية على الفهلوة واتخاذ
مسارات مغلوطة، فالجميع أطباء استشاريون، يشخصون الداء
ويصفون الدواء، الجميع مهندسون وبالأخص صغار العمال وصبيان
المعلمين، الجميع نقاد سينما يتحدثون ويكتبون فيما لا
يدرون، فمنهم من دخل السينما اضطراريا لأول مرة لأنه لا
يحب السينما أو تحايل فشاهد بطريقته فيلما كثر عليه
الكلام، مع المجاهرة بإعلان رؤيته للفيلم مختبئا لاستحياء
تواجده بين المشاهدين، ثم يفاجئنا باشتغاله ناقدا سينمائيا
محترفا، بل مفتشا على الضمير، وهكذا فكل المتفرجين نقاد،
بل كل النقاد لم يشاهدوا شيئا، يكفيهم الاستماع إلى جموع
المنتقدين مع إضافة اتهامات وإصدار أحكام من شأنها تخريب
البيوت وإهدار السمعة، مع تهديد بجهنم وبئس المصير، جميع
لاعبى الكرة حكام، بل المعلقون أيضا، جميع المشاهدين هم
لاعبون وحكام ومديرون ورؤساء نواد ونقاد رياضيون..!
والحال قد مال بيد فاعل، والفعلة كثيرون، ولن يصلح الحال
المائل وزير أو مجلس وزراء فحسب، والتغيير المنشود شيء آخر
فقد أصبح الميل طبيعيا كبرج بيزا الإيطالى، ميل جاذب
للسياحة بسبب الإعجاب بالنفس، واستعدال البرج كوضع مثالى
هو فى إزالته وبناء غيره بأسلوب علمى وليس فى استكانة
الاعتياد على ازدياد الميل حتى الانهيار أو الانتحار!.