بذل الناس نفوسهم غيظا وهم يتابعون بقلوب مرتجفة وعيون
جاحظة هذه الإطلالة الجديدة وغير الحميدة لرأس الأفعى
الإرهابية وهى تطل بسمومها التى نفثتها فى شرايين الوطن
هادفة لوقف نموه وتطوره بما تسيله من دماء طاهرة ودموع
طائلة وأفكار حائرة بين التقدم الوطنى المنشود والأمان
المفقود!! ما الذى يريده هؤلاء المجرمون الغلاة بتفجيراتهم
الفكرية الدموية؟ ولماذا ينبض عرق التخريب ضد شعب مصر كلما
بدأ فى الطريق إلى استكمال بنائه الديمقراطى ويرتفع صوت
السجال الوطنى حامى الوطيس بين الحكومة والقوى السياسية
الناهضة بوعى ونضج؟ ولمصلحة من هز شبكة الاستقرار
الاقتصادى ودفع كرة الحرية السياسية إلى الوراء؟! أسئلة
حائرة فى عقول وطنية مخلصة تسعى للنضال والسجال لتأمين
مستقبل مصر ونهضة شعبها وحريته، حمل إلينا التاريخ إجابات
لها كاشفة عن الغاية التى يسعى إليها هؤلاء بعد وقوع ما
يماثلها من ممارسات أجدادهم التى احتفظوا بها على أرفف
القداسة والتبرك بالعمل على استدعائها وإحيائها بالمناداة
الشفهية تارة والسلوكيات الدموية تارة أخرى لإيجاد خلافة
إسلامية مظهرية يقبع تحتها الناس كالعبيد دون مرتبة
الحيوانات بلا احترام أو وفاء بالعهود أو التزام بمواثيق
شرعية أو إنسانية!! والمعروف أن تعاليم الشرع تدفع إلى
الالتزام بها عقيدة صحيحة وتدين سليم غير مغشوش وهو ما
يؤكد لكل مسلم أن الخروج على أحكام الشرع هو خروج على
مقتضيات الإيمان والإحسان والعدل، وهو ما يستوجب عقاب الله
- تعالى - فى الآخرة ويستوجب كذلك عقاب الحكومة لهذا
الخارج على مقتضى المصلحة الشرعية والوطنية وذلك لأن
الإسلام فرض وأوجب على أتباعه الالتزام بأخلاق الإسلام إذا
خاصموا أو إذا حاربوا أو حوربوا، وهو ما يتعارض مع سلوكيات
حركات إسلامية تقوم عقيدتها وبرامجها على ممارسة العنف من
قتل الأبرياء وتخريب المنشآت وترويع الآمنين بما يتعارض مع
مقررات الإسلام! حتى لو كانت ضد تصرفات حكومات غير
ديمقراطية فهناك فى الشرع وسائل أكثر دبلوماسية فى تحقيق
الاستقرار الوطنى وفض المنازعات بكل أشكالها، والذى
يتجاهله هؤلاء المتاجرون بالدين وشعاراته ويريدون تفجير
البلاد للقفز على مقدرات الوطن وإذلال المواطنين، إن
الإسلام يبنى تعاليمه على التوجه للإنسان بدعوته بالحكمة
والموعظة الحسنة، وأنه ينظر للآخر مهما كان جنسه أو لونه
أو دينه نظرة الوالد الحانى الحريص على ولده يهديه إلى
الخير ويفتح له آفاق الحرية بتقديم نماذج إيجابية وإجابات
مستنيرة تبرز قيم العدل والمساواة واحترام الآخر دون
إكراهه حتى على الإيمان نفسه، إلا أن هؤلاء الرويبضة أنصاف
المتعلمين البعيدين عن منهج القرآن فى تشكيل مجتمع
المساواة والوحدة والتكامل قد اقتبسوا برامج تربوية تقوم
على المحاكاة لفترات كالحة فى تاريخ المسلمين وهم يحسبون
أنهم يحسنون صنعا، فيحكى لنا التاريخ أن مصر بازدهارها
الثقافى والاقتصادى واستقرارها السياسى جل فترة الخلافة
الفاطمية قد أزعج وأقلق بعض الطامعين فى الاستيلاد على
مقدرات المسلمين وبلادهم ومحاولة تركيعهم على وحدة مذهبية
ممجوجة مجافية لسنن الله فى الاختلاف، هؤلاء الذى لا
يعترفون بالتعددية الفكرية بل لا يعرفونها أصلا لأنهم
رضعوا من ثدى الخلافة الفاسد أنهم أصحاب الحق المطلق وأنهم
يتحدثون باسم الله فى الأرض فلا ينبغى أن يند عنهم أحد!
وبالتالى يسيغون لأنفهسم إثارة القلاقل وإحداث الإضرابات
فى البلاد الآمنة ليتقدموا للسلطة سواء بالاستعانة
بالفرنجة أو بشلة الفساد المتوطنة بالداخل! ويقومون بحبك
الخطط وتدبير المؤامرات ضد أمن الشعوب إرضاء لنزعة التملك
والتسلط دون أدنى علاقة من قريب أو بعيد بالدفاع عن
الإسلام أو رفع رايته اللهم إلا كستار خارجى لإضفاء
المشروعية واستقطاب العامة! فهذا سيدهم صلاح الدين الأيوبى
الذى ينتظره جيل النصر المنشود والمشدود إليه بحبل الجهل
والغفلة! ها هو يكتب كتابا يكشف فيه عن سعيه الدائم
والدائب للسيطرة على مصر بعدما ذاق حلاوة ثروتها واستطعم
خيراتها بتعاونه مع الصليبيين لإحداث قلاقل سياسية داخل
مصر لإيجاد ذريعة للتدخل سواء عن طريقه أو أعوانه من
الفرنجة فى هذه الفترة عام 567ه، فيقول كما يذكر المؤرخ
أبوشامة المقدسى ما برحت هممنا إلى مصر مصروفة وعلى
افتتاحها موقوفة وعزائمنا فى إقامة الخلافة العباسية بها
ماضية، والأقدار بقضاء وإنجاز مواعدنا قاضية حتى ظفرنا بها
بعد يأس الملوك منها، فعلى الرغم من أن الخليفة الفاطمى قد
أكرم صلاح الدين وولاه خزانة مصر واستأمنه على قصره إلا أن
جينات الغدر والحقد والعصبية المذهبية أبت إلا الظهور ودهس
حقوق المواطنة حتى لأصحاب الفضل عليهم لأن المتاجرين
بالدين لا يعرفون لها حقوقا، إذا لا تتعجب عزيزى القاريء
وأنت ترى تفجيرات تهدد استقرار مصر تتم بأيدى أبنائها غير
البررة تلامذة الفكر الأيوبى فاقد الهوية الوطنية والشرعية
بممارساته المجافية لتعاليم الإسلام فى الدعوة للسلام
والعدل، وهذا القاضى الفاضل العقل المفكر لمؤامرات صلاح
الدين على مصر يقول وكانت أخبار مصر تتصل بنا بما عليه
الأحوال من سوء التدبير، فسمت همتنا دون همم أهل الأرض إلى
أن نستفتح مقفلها! ونسترجع للإسلام شاردها! فما زلنا
نسحتهم بالمبارد ونتحيفهم تحيف الليل والنهار بعجائب تدبير
لا تحملها الأساطير! وشرعنا فى كل الطوائف من الأرمن
والسودان والأجناد فأخرجناهم من القاهرة تارة بالأوامر
المرهقة لهم وتارة بالأمور الفاضحة وتارة بالسيوف المجردة
والنار المحرقة! حتى تم لنا إقامة الكلمة والجهر بالخطبة
للخليفة المهدى! لقد أصبحت القضية معروفة الأبعاد واضحة
المقدمات جلية النتائج، فهؤلاء بتاريخهم غير المجيد
يتربصون بمصر لفتحها رغم أنهم يعيشون على أرضها وينعمون
بخيراتها راجع وثيقة فتح مصر التى نشرتها المصور منذ أشهر
قليلة فهم يبغون فرض تعاليم متعصبة لا تمت للقرآن بصلة بل
تستمد شرعيتها من ممارسات بشرية استبدادية زعموا لها
القداسة لأنها تتوافق مع أغراضهم وأهوائهم فى الحكم، وسوف
يظل القلق والاضطراب سائدا فى الأراضى المصرية والعربية بل
والدولية فترة تطول أو تقصر حسب الخطة الموضوعة وحتى تؤتى
ثمارها! أو يرتفع الوعى الوطنى ويتكاتف العقلاء بتشكيل
جبهة متجردة إلا من المصلحة الوطنية لكشف ظلامية المستقبل
فى ظل سيطرة ثقافة طائفية تدميرية أتت إلينا من عصور ينبغى
أن نتبرأ منها جميعا.