تحت زعم فشل النظام التأمينى الحالى تريد الحكومة نهب
أموال المعاشات وكأنها لم يكفها الاستيلاء على هذه الأموال
التى تقدر بنحو 230 مليار جنيه، وإسقاطها لهذه الديون عن
طريق ضم وزارة التأمينات للمالية بل تريد استكمال مخططها
بتعديل قانون التأمين الاجتماعى الحالى بهدف تخفيض المعاش
المنصرف للمؤمن عليه وأسرته وتقليص المزايا التأمينية
للمؤمن عليهم.
وهناك بعض المعلومات التى تسربت عن هذا المشروع الجديد
لقانون التأمينات تؤكد أنه سوف يهدر حقوق المؤمن عليهم
وتكشف مدى خطورة المؤامرة التى يتعرض لها أصحاب المعاشات..
ومن هذه المعلومات تخفيض نسبة الاشتراك فى النظام التأمينى
من 40% إلى 17% ورفع سن تقاضى المعاش من 60 إلى 65 عاما،
والاتجاه إلى عدم توريث المعاش بعد وفاة صاحبه، وحظر الجمع
بين معاش التأمينات الاجتماعية ومعاش النقابات المهنية،
وإلغاء الغرامات على أصحاب الأعمال المتهربين من سداد
اشتراكات التأمينات وأخيرا طرح وزير المالية عدة
سيناريوهات بديلة للنظام التأمينى الحالى وعلى العامل أن
يختار وهذه السيناريوهات تهدف إلى خصخصة نظام التأمين وهى
السيناريو الأول: نظام حساب اقتراض يتضمن دفع قسط له مدى
حياة المؤمن له وحصوله فى نهاية الخدمة على مبلغ معروف
مسبقا والثانى: أن يتم عمل حساب تأمين شخصى باسم العامل
ويسمح هذا النظام أن يدفع العامل قسطا متغيرا من عام لآخر
طبقا لظروفه الاقتصادية، أما السيناريو الثالث: فيتم من
خلال عمل صندوق استثمار باسم صاحب المعاش يتم إدارته بصورة
مستقلة عن الحكومة ومن خلال شركات متخصصة، وتضاف عوائد هذا
النظام آخر المدة لحساب المؤمن له، أما السيناريو الرابع:
نظام تأمين مجانى دون دفع أى اشتراكات لأى مواطن تجاوز 65
عاما.
وحول ملامح مشروع قانون التأمينات الجديد والهدف منها يدور
التحقيق التالي
فى البداية يوضح خالد على محام بمركز هشام مبارك للقانون
أن النظام التأمينى القائم ليس بنظام فاشل خاصة أنه استطاع
تحقيق فائض قدره 222 مليار جنيه حيث تشير البيانات إلى أن
الفترة 1991/ 92 كان إجمالى أموال الاحتياطى لنظام التأمين
الاجتماعى فى مصر 4،40 مليار جنيه وبلغ إجمالى الاحتياطى
من هذه الأموال فى 2002/ 2003 حوالى 222.3 مليار جنيه أى
بلغت نسبة الارتفاع خلال 11 عاما حوالى 450% وهذا الفائض
أوضح دليل على نجاح النظام وأبلغ رد على المزاعم الحكومية
لأن النظام الذى يحقق كل هذا الفائض ليس فى حاجة إلى تعديل
فالنظام التأمينى المصرى الحالى والمطبق بالقوانين 79 لسنة
1975، 108 لسنة 76 و112 لسنة 80 يعتمد على أسلوب التمويل
الكامل أى يتم من خلاله تسديد مدفوعات التقاعد من صندوق
يمثل تراكما للأصول المالية التى يتم تكوينها من خلال
اشتراكات أعضائه على فترة تمتد لسنوات العمل ومن ثم يقوم
النظام بتوفير تراكم لأموال معاشات التقاعد فى صورة
احتياطات لمقابلة الالتزامات تجاه مستحقى هذه الاحتياطات
سنويا حسب تدفق الاشتراكات التى يقوم العاملون الجدد
بدفعها مقارنة بالنفقات التى تنفق على المنتفعين الحاليين
أو المتوقعين ولذلك يوفر هذا النظام تراكما ماليا يزيد على
حجم تمويل المزايا المقررة.
ويؤكد خالد على أن هذا الأسلوب هو الذى تقوم عليه شركات
التأمين الخاصة وبالطبع هذه الشركات تسعى من خلال تطبيق
هذا النظام إلى تحقيق أرباح مهولة منه مثلما حقق النظام
التأمينى القائم واقترضتها حكوماتنا الرشيدة!!أما بالنسبة
للعجز بين الاشتراكات المحصلة والمعاشات والتعويضات
المدفوعة فيؤكد خالد أن سببها لا يعود إلى فشل النظام
التأمينى الحالى كما يدعى البعض وإنما يعود إلى أسباب أخرى
منها..
أولا: إن معاش الضمان الاجتماعى ومعاش السادات ليسا من
قبيل التأمينات ولكنهما من أنظمة الضمان الاجتماعى ودور
الدولة أن تتحمل تمويلهما بالكامل باعتبارهما جزءا من
مسئوليتها تجاه الفقراء وفقا للقانون والدستور ولكن
الحكومة عندما تتحدث عن أعباء النظام التأمينى تتحدث عما
تقوم بدفعه فى الضمان الاجتماعى وكأنها تدفع من الخزانة
العامة أموالا لصناديق التأمينات وهو ما لا يحدث ولذلك يجب
الفصل بين الضمان الاجتماعى وبين صناديق التأمينات عند
الحديث عما تتحمله الخزانة العامة بشأنها.
ثانيا: أن الدولة مع بداية عقد التسعينيات طبقت برامج
الخصخصة وأجبرت العديد من العاملين على الخروج من العمل عن
طريق المعاش المبكر وبالتالى تحولوا من ممولين للتأمينات
إلى مستحقين وعددهم حوالى 470 ألفا فى 30/6/2005.
ثالثا: ظاهرة التهرب التأمينى أحدى أهم الأسباب التى تزيد
من الفجوة فهناك 3% من شركات القطاع الخاص لا تقوم
بالتأمين على عمالها فضلا عن العديد من المؤسسات وشركات
القطاع العام، وقطاع الأعمال تتباطأ فى دفع الاشتراكات إلى
التأمينات فبلغت مثلا مديونية المؤسسات الصحفية نحو 350
مليون جنيه.
رابعا: أن جزء من هذه الفجوة والعجز يعود إلى سوء إدارة
أموال التأمينات حيث تمت المضاربة فى البورصة بحوالى 300
مليون جنيه من صندوق التأمين والمعاشات و600 مليون أخرى من
صندوق التأمين على القطاعين الأعمال والخاص.
وحول فكرة عدم توريث المعاش يوضح خالد على أن المعاش لا
يتبع فى شأنه قواعد التوريث الشرعية وإنما يقوم على أساس
فكرة العائل وهو ما يؤدى إلى وقف المعاش بالنسبة لأحد
الورثة إذا بلغ سنا معينة أو استحقاق شقيقة صاحب المعاش
للمعاش فى وجود أبنائه إذا فقدوا أحد شروط الاستحقاق،
وكانت مما يعولهم صاحب المعاش أثناء حياته ولذلك فإن
المعاش لا يورث ولكنه يئول للمستحقين بعد وفاة صاحبه.
ومن جانبه أوضح عبد الحميد عطا أمين الشئون البرلمانية أن
مشروع القانون الجديد لن يتم تطبيقه بأثر رجعى ولكنه سوف
يطبق على العاملين الذين سوف ينضمون إلى نظام التأمين
الاجتماعى بعد صدور القانون أما الذين تمت إحالتهم للمعاش
فسوف يخضعون للقانون الحالى ولا ضرر عليهم لأن معاشاتهم
مضمونة بالدستور، أما فيما يخص مشروع القانون الجديد وما
تسرب من ملامح هذا القانون فيقول أنا مع فكرة تخفيض نسبة
الاشتراكات لأن العامل المصرى يدفع أعلى نسبة اشتراكات
تأمينية فى العالم فضلا عن صاحب العمل وهذا أدى إلى أن
كثيرا من العمال وأصحاب الأعمال يتهربون من دفع اشتراكات
التأمينات، وتخفيض نسبة الاشتراكات سوف يدفع جهات كثيرة
لدفع مستحقاتها للتأمينات ولكن الخطير فى مشروع القانون هو
الاقتراح بأن العامل بعد بلوغه سن المعاش يحصل على مكافأة
تكون حصيلة نسبة الاشتراكات التى قاموا بسدادها طوال سنوات
الخدمة، ونحن ضد هذا الاتجاه لأن من حق العامل الذى يدفع
اشتراكات التأمينات أن يحصل على معاش شهرى فى سن الشيخوخة
وبعد الوفاة ينتفع المستحقون عنه بهذا المعاش، أما
المكافأة فالعامل بعد بلوغه سن المعاش لا يستطيع توظيفها
فى مشروع يدر عليه دخلا وسوف يقوم بتبديد هذه الأموال وفى
النهاية الظلم سوف يقع على أسرته من بعده.
ويطالب الحكومة برفع يدها عن أموال التأمينات ورد الأموال
التى سبق واستولت عليها وأن تقوم الحكومة بدفع حصتها فى
اشتراكات التأمينات على أساس أنها صاحب العمل مشيرا إلى أن
إدعاء الحكومة بأنها تدفع 12 مليار جنيه لأصحاب المعاشات
هو ادعاء غير حقيقى لأن هذا الرقم ما هو إلا حصة الحكومة
على أنها صاحب عمل وليس دعما للمعاشات فضلا عن معاشات
الضمان الاجتماعى وتمويل هذه المعاشات مسئولية الدولة
لحماية المواطنين الفقراء أما أموال التأمينات فهى كافية
لدفع المعاشات مع تحقيق فائض عال.
د. سامى نجيب خبير التأمينات يؤكد أن هذا التخطيط الذى
يهدف فى الأساس لتخفيض نسبة الاشتراكات من 40% إلى 17%
وليس فى هذا مشاكل خاصة أن اشتراكات نسب الشيخوخة من أعلى
النسب فى العالم ولكن المشكلة تكمن فى أننا نعانى من عجز
حقيقى فى تمويل التأمين الصحى فالنسبة المخصصة له من
اشتراكات التأمينات 5% وهى نسبة منخفضة وغير كافية لتوفير
رعاية طبية.
ويؤكد د.سامى نجيب إن هذا التخطيط الذى يهدف فى الأساس إلى
تخفيض نسبة الاشتراكات لا يراعى مصلحة أصحاب المعاشات
فبدلا من التخفيض يجب تمويل التأمين الصحى، ولكن الحكومة
لا تفكر إلا فى صالحها، فالحكومة تدفع أعلى نسبة اشتراكات
فى التأمينات لأنها تعتبر أكبر صاحب عمل وهى حاليا تواجه
مشاكل فى تمويل اشتراكات المؤمن عليهم الذين يبلغ عددهم فى
القطاع الحكومى حوالى 5ر5 مليون عامل وتخفيض نسبة
الاشتراكات سيكون لصالح صاحب العمل، وبالتالى سوف يدفع
صاحب العمل نسبة أقل أما العامل فسيدفع نسبته كما هى.
أما فيما يخص فكرة إلغاء توريث المعاش فيقول د. سامى نجيب
هذا الأمر لا يمكن تطبيقه أبدا لأن معظم الاتفاقيات
الدولية وقوانين التأمينات الاجتماعية فى العالم تنص على
تغطية مخاطر الوفاة ومن الواضح أن الوزير يعتقد إن
المعاشات لا تورث عن طريق الخطأ فهى لا تورث إلى نهاية
العمر للمستحقين بل إن هناك شروطا لصرف المعاش بعد وفاة
صاحبه بمعنى الأرملة إلى أن تتزوج، والأبنة إلى أن تتزوج
والابن إلى أن يتخرج وهذه الشروط لابد من توافرها لكى يتم
صرف المعاش للورثة، والوزير فهم هذا الكلام على أن المعاش
ليس من حق الورثة ويمكن أن يحرمهم من هذا الحق.
ويرى د. سامى نجيب أن المشكلة الحقيقية فى مشروع هذا
القانون هو الاقتراح بالغاء ونسبة الفوائد المفروضة على
أصحاب الأعمال المتهربين من دفع اشتراكات التأمينات وتبلغ
نسبتها 3% فالوزير يعتقد أن إعفاء أصحاب الأعمال من دفع
الفوائد على أموال التأمينات المستحقة لديهم سوف يجعلهم
قادرين على الدفع، ولكن أموال التأمينات ليس كالضرائب.
أما د. فرج عبدالفتاح عضو اللجنة الاقتصادية بحزب التجمع-
فيقول إن تخفيض هذه النسبة من 40% إلى 17% سيكون فى صالح
الحكومة بالدرجة الأولى لأن النسبة كلها سوف يتحملها
العامل مع ملاحظة إن النظام الجديد المقترح يختلف داخليا
عن النظام الحالى فهو سوف يعفى أصحاب الأعمال والحكومة من
سداد حصتهم فى الاشتراك ويكتفى بتوصيل نسبة تتراوح ما بين
12% إلى 17% من أجر العامل للتأمين عليه فى شركات تأمينية
خاصة وتم تحديد مبلغ يتقاضاه العامل بعد خروجه على المعاش
ويكون هذا المبلغ محدداً عند التعاقد على ذلك فإن النظام
المقترح لا يضمن معاشا للمستفيد ولا يعطيه الحق بالمطالبة
بمعاش ثابت، وبالتالى فإن الدولة تتخلى عن وظيفتها
الاجتماعية تجاه أصحاب المعاشات الذين سوف يطبق عليهم
النظام الجديد لأن الشركات الخاصة التى تدير الاشتراكات
المحصلة من هؤلاء العاملين ستكون مسئولة عن رد القيمة
المتعاقد عليها.
أما الاقتراح المقدم من الحكومة بشأن أصحاب المعاشات الذين
يتمتعون بنظام المعاش فى الوضع الحالى فهو والكلام ل د.
فرج عبد الفتاح - أن تقوم الحكومة بسداد هذه المعاشات من
الإيرادات السيادية الجارية فى نفس السنة وذلك مقابل
إسقاطها الديون الداخلية التى اقترضتها من بنك الاستثمار
القومى وهى أموال صندوقى التأمينات والمعاشات، وبالتالى
فالحكومة تريد إخفاء عدم كفاءاتها فى إدارة الأموال بحيث
إن عائد هذه الصناديق هو الذى كان يستخدم فى سداد المعاشات
وليس إيراد الموارد السيادية.
أما إلهامى الميرغنى - باحث اقتصادى- فيوضح إن وزير
المالية يريد خصخصة نظام التأمينات الاجتماعية، وخفض نسبة
الاشتراكات لخدمة رجال الأعمال، أما رفع سن تقاضى المعاش
إلى 65 سنة فالهدف منه خفض قيمة المعاش لأن خروج العامل
على المعاش فى سن ال 60 يعنى إنه سوف يتقاضى معاشا قبل
بلوغ المدة القانونية.
ويؤكد إلهامى الميرغنى أن مشروع القانون الجديد يستهدف
أيضا إطلاق يد الشركات الخاصة فى إدارة أموال التأمينات
ونحن نرفض هذا الاتجاه لأن من حقنا أن ندير أموالنا
بأنفسنا.