يجمع من أرخوا لمذبحة كفر الدوار والتى كانت شيكاغو
مصرية على أن تقويم الحادث بمعايير الحوادث الدموية، التى
صاحبت إضرابات عمال الغزل والنسيج خلال الأربعينيات من
القرن الماضي وسقط خلالها عشرات القتلى من العمال والجنود،
فضلا عما اكتنف هذه الحواث من استخدام قوات الجيش لقمعها،
فإننا لن نجد فى أحداث كفر الدوار ما يستحق هذه الضجة التى
أحدثها رجال ثورة يوليو بشأنها، والانفعال الشديد الذى
اتسمت به تصرفاتهم إزاء الحادث والتى انتهت، لأول مرة فى
تاريخ مصر والطبقة العاملة، بإعدام اثنين ممن اعتبرا قادة
للإضراب وهما الشهيدان محمد البقرى ومصطفى خميس.
يؤكد الأستاذ أمين عزالدين أن اعتماد قادة الحركة لأسلوب
الردع فى التعامل مع حركة العمال قام على ثلاثة منطلقات
رئيسية وهى عدم الثقة فى ولاء الطبقة العاملة لحركة الجيش
والاستهانة بالوزن الاجتماعى للطبقة العاملة والجهل التام
بتاريخها واعتبار الطبقة العاملة حضانة طبيعية للشيوعية
والأفكار الهدامة وهنا يبرز دور عبدالمنعم أمين عضو مجلس
قيادة الثورة ورئيس محكمة كفر الدوار وهو صاحب علاقة
مشبوهة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ومن أيدوه من
أعضاء مجلس قيادة الثورة من الإخوان المسلمين فى سياسة
الردع ضد الطبقة العاملة المصرية والتى لم تتوقف حتى
اليوم.. وكان إعدام خميس والبقرى مستهدفا به إرعاب الطبقة
العاملة.
عبرة لمن يعتبر ويقول أحمد صادق سعد: إن القصد من إعدام خميس والبقرى
كان تشجيع الاستثمار الأجنبى!!.
ويؤكد كل منى عبدالمغنى السعيد وعبدالمنعم الغزالى أنه
كانت هناك مطالب لعمال شركة غزل كفر الدوار، لا تختلف عما
استجيب له من مطالب عمال شركة صباغى البيضا فى الإسكندرية
قبلها بأيام، ولكن أصابع الرجعية وعملاء المخابرات
البريطانية عبثت، للإيقاع بين العمال والثورة، وللأسف ترك
رجال الثورة عملاء الاستعمار الذين تواجدوا فى مكان الحادث
مثل أمين حافظ عفيفى.. وغيره وأمسكوا بالعمال شنقا وجلدا
وسجنا.
ويقول عبدالسلام عبدالحليم فى كتابه الطبقة العاملة وثورة
يوليو عن محاكمات كفر الدوار إنها اتسمت بالتسرع وعدم
التروى، فالثورة بهذا العمل جعلت منه عبرة لإرهاب بقية
طوائف العمال.. سيجلل التاريخ بالعار هيئة هذه المحكمة
الاستثنائية التى ذكرت المصريين بمحكمة دنشواى، ولكنه لن
يترك المنافقين كبارهم وصغارهم الذين تباروا فى استنكار
هذه الحوادث ومدبريها، ولكن لا يمكن أن نغفل بيانات النحاس
باشا باسم حزب الوفد، وكذلك ما صدر من الحزب الوطنى،
استنكارا للحوادث وإدانة للعمال المتهمين حتى قبل
محاكمتهم، ومن المؤسف أن فصيلا يساريا كبيرا هو حدتو قد
تورط فى هذا الموكب المشين وبعد عشرات السنين يوجه الفقيه
القانونى محمد نورالدين فرحات على صفحات المصور إدانة
لموقف هؤلاء جميعا.. فى تعقيبه على جريمة كفر الدوار بقوله
وقد يكون هذا مقبولا من قادة عسكريين متلهفين على حماية
حركتهم العسكرية، ولكن الأكثر مدعاة للأسى وللدهشة فى ذات
الوقت هو ذلك الصمت المطبق الذى قابل به الليبراليون
المصريون من رجال الأحزاب وشيوخ القانون والقضاة ودعاة
الحرية جريمة إعدام الأبرياء (المصور 2 أغسطس 2002).
ولعلها رسالة للذين يطالبون العمال أحيانا بالرقص على طبول
غيرهم.. أين كانوا عندما علق إخواننا على المشانق؟!!.
لقد شيد لهذا الحادث الذى لقى فيه العمال جزاء سنمار حائطا
ليفصل بين الطبقة العاملة وقوى أخرى زادته الأيام ارتفاعا
وهذا ما سيبرز فيما سيأتى.
بين الردع والمهادنة!! وبتحريض من سيد قطب المستشار القانونى لعبدالمنعم أمين
سفاح كفر الدوار وجماعته صدر قرار مجلس قيادة الثورة فى 12
سبتمبر 1952 بإرجاء انعقاد المؤتمر التأسيسى للاتحاد العام
للعمال إلى أجل غير مسمى وذلك بعد إعدام خميس والبقرى
بخمسة أيام!! وكان قد سبق هذا حوار بين المرحوم فتحى كامل
وسيد قطب فى وزارة الشئون الاجتماعية طالب فيه الأخير
بتطهير النقابات من الشيوعيين فى حضور عبدالمنعم أمين!!.
حاول النظام الجديد أن يمد جسورا مع الطبقة العاملة وفى 8
ديسمبر 1952 صدرت القوانين 317، 318، 319 بتعديل قوانين
عقد العمل والنقابات، مما أحدث انفراجة مع الطبقة
العاملة.. ولكن بقى أعداء الطبقة العاملة متربصين، فجددوا
البحث فى المادة (39) من قانون عقد العمل الفردى وتكتل
الجميع ضد خالد محيى الدين الذى اقترح تعديلا للمادة (39)
التى تجيز للمحكمة الحكم بإعدام العامل المفصول تعسفيا
وتقدم خالد محيى الدين باستقالته من مجلس قيادة الثورة
لولا تدخل جمال عبدالناصر لتصحيح الموقف... اعتبر العديد
من العمال أن الضمان القانونى للأمن الوظيفى هو أهم ما
قدمه مجلس قيادة الثورة للطبقة العاملة، ولكن تنفيذ هذا
التشريع كان بعيدا تماما عن متناول العمال أنفسهم، وكان
القرار الذى أعلن أن الإضرابات عمل غير قانونى هو أكثر
المؤشرات دقة على نية مجلس الثورة فى تقييد العمل الجماعى
للطبقة العاملة وهكذا فبرغم التطورات التنظيمية والمادية
التى منحها مجلس قيادة الثورة قانونا للعمال، إلا أنه قد
رفض استخدام الإضراب كسلاح فعال لضمان تنفيذ التشريعات
الجديدة.
يرصد المتابعون أن نسبة القضايا التى كسبها العمال أمام
المحاكم العمالية قد تناقصت بشكل مطرد من 1952 إلى 1958
وفى الوقت نفسه استخدم القمع المكثف ضد اليسار فى الحركة
العمالية، وفعلت القضايا الشيوعية فى هذه الفترة من
خمسينيات القرن الماضى بأسماء قادة نقابيين، ومن لم يعتقل
عزل من موقعه النقابى وحورب فى رزقه.
كان الحظر على قيام اتحاد العمال والسعى لإقامة شكل نقابى
تحت السيطرة هو المؤتمر الدائم لنقابات عمال مصر أسلوبين
لحصار حركة الطبقة العاملة التى بدأ الخطاب السياسى يتجاهل
ذكرها، مؤثرا استخدام كلمة العمال.. كان الخوف من نفوذ
الشيوعيين المتنامى فى أوساط الطبقة العاملة ومحاولة إرضاء
الرأسماليين مصريين وأجانب لتشجيعهم على الاستثمار، هو
الدافع لذلك مما زاد من معاناة الطبقة العاملة التى لم
تفلح التشريعات التى صدرت فى التخفيف منها لتجريدها من
أدواتها النضالية خصوصا بعدما استخدمت الدبابات فى فض
إضرابات عمال مصانع الشوربجى فى إمبابة.كان العمال يعانون
من ازدياد البطالة وانخفاض الأجور، والفصل التعسفى وإساءة
أصحاب الأعمال لفترة الستة شهور اختبارا وانفجرت أزمة مارس
1954.
أزمة مارس 1954 كان الموقف صعبا فقد كان شبح كفر الدوار يملأ الساحة
ودماء شهدائها لم تجف بعد والفريقان المتصارعان كل قد شارك
فى سفك دماء العمال.. كانت عوامل التمايز بين الفريقين
تبعث على الحيرة فمحمد نجيب يتمتع بشعبية جارفة ويرفع
شعارات الديمقراطية وعودة الحياة النيابية والإفراج عن
المعتقلين وعودة الجيش لثكناته، والانحياز لمجلس الثورة
يقطع الطريق أمام عودة الوجوه المكفهرة لأحزاب الأقلية،
وتقييد سلطة الرأسماليين فى الفصل التعسفى والتنكيل
بالنقابيين، ولا يمكن أن تتجاهل الطبقة العاملة ما أصدرته
الثورة من تشريعات لصالحها، كان عبدالناصر قد نقل
اليوزباشى وفاء حجازى إلى مكتب العمال فى المباحث العامة
لمتابعة المفاوضات بين النقابات العمالية وأصحاب الشركات
الذين كانوا يغالون فى مطالبهم.. ولم يكن هناك سبيل لردعهم
إلا جهاز الأمن حتى لا يستخدم العمال سلاح الإضراب.
كان جزاء سنمار الذى تتوقعه الطبقة العاملة بعد كل موقف
نضالى محددا لحركتها فى عدم الانحياز لأى من الفريقين،
واتخذ مؤتمر نقابات عمال مصر الذى كان يقوده فتحى كامل
موقفا محايدا ودعا الفرقاء المعنيين فى بيان أصدره مجلس
الثورة لوحدة الصف حرصا على الصالح العام واستمرار الثورة
لم يرض هذا الموقف الطرفين المتصارعين.
وقرر فريق من رؤساء نقابات مرافق النقل الاعتصام فى مقر
نقابة النقل المشترك بأرض شريف يقودهم المرحوم كامل
العقيلى رئيس نقابة سائقى الأجرة، وتوالت البيانات
الإذاعية المشجعة للاعتصام والإضراب الذى كان فرصة كما قال
العقيلى 10% وأفلح المعتصمون فى إيقاف حركة الأتوبيسات.
تهمة باطلة ولكن النقابيين اليساريين والديمقراطيين أفلحوا فى كسر
الإضراب فى مترو مصر الجديدة والترام والسكك الحديدية عبر
حملة محمومة فى دور النقابات وسيل من برقيات أرسلت للصحف
من القاهرة والإسكندرية اهتمت جريدة المصرى بنشرها.
ولم يلاحظ أحد أن الذين قرروا الاعتصام هم رؤساء نقابات
النقل وهو القطاع الذى استفاد عماله كثيرا من الإجراءات
التى اتخذها النظام الجديد ولكنهم لم يفلحوا فى حشد عمالهم
فى الإضراب أو التظاهر لأن حالة الحيرة سيطرت على الجميع،
وكان موقف قيادة مؤتمر نقابات عمال مصر خير تعبير عن هذا،
واضطرت قيادة هيئة التحرير إلى دفع عناصر من الحرس الوطنى
والشرطة العسكرية وعمال مديرية التحرير كان أغلبهم من عمال
التراحيل منخفضى الوعى وكانت ظروفهم المعيشية متدنية حيث
استطاع هذا الإمداد غير النقابى تعطيل حركة المواصلات
وإغلاق جراجات السكك الحديدية وسط هتافات عبثية لا علاقة
لها بالطبقة العاملة، ومع هذا يحلو للبعض ترديد أن العمال
قد هتفوا ضد الديمقراطية وأن أموالا قد دفعت لهم للتظاهر
فى الشوارع وقد اعتمد الكثيرون على كلمات وردت فى كتاب
الأستاذ خالد محيى الدين الآن أتكلم ذكر فيها أن عبدالناصر
قد أخبره بعد عودته من المنفى، أن تغيير الموقف فى مارس
1954 كلفه 4 آلاف جنيه وقد سألت الأستاذ خالد فى لقاء
بمحكى القلعة هل ذكر ناصر من الذى تقاضى المبلغ؟، فنفى
الرجل أنه سمع عن أحد تقاضى مبالغ بالاسم ولكن الأرجح أن
تكاليف النقل والإعاشة لقوة الإمداد غير النقابى من حرس
وطنى وغيرهم كانت هى هذا المبلغ الذى يعلق فى رقبة قادة
العمال حتى اليوم ويحوله البعض إلى عقدة ذنب يشوهون بها
دور الطبقة العاملة.. لم يكن الأمن خاليا من ردود أفعال
أولئك الذين يكرهون أن يكون للعمال دور بارز فى مسيرة
الوطن فضرب صاوى أحمد صاوى رئيس اتحاد عمال النقل المشترك
من قائد الشرطة العسكرية يوم استقبال عبدالناصر وهو عائد
من باندونج، وأغلقت بعض المكاتب المهتمة بالشأن العمالى،
واستمر حصد الرءوس اليسارية فى النقابات العمالية وقد روى
لى السيد وفاء حجازى أنه نصح قيادة نقابة نسيج القاهرة
بانتخاب هيئة مكتب بها عناصر غير شيوعية لتسيير عمل
النقابة فى حالة اعتقال الشيوعيين!!.
استمر الحظر على قيام اتحاد عام للنقابات وتصاعدت نزاعات
العمل رغم ما أبداه العمال من تأييد للثورة، والحقيقة أن
إجراءات خاصة بنظم التأمين على العمال، والإقرار فى دستور
يناير 1956 بحق إنشاء النقابات قد تتالت، ولكن هذا لم يؤثر
فى إجراءات الفصل التعسفى التى استمرت تمارسها الشركات
المصرية والأجنبية.
صراع بين اليسار كانت العلاقات تتوطد بين مصر والأقطار الاشتراكية،
والزوار يأتون إلى مصر من اتحادات هذه البلدان ويسألون أين
اتحاد العمال؟!! تأسس الاتحاد الدولى لنقابات العمال العرب
فى مارس 1956 فى دمشق، وانتخب أول أمين عام له من مصر وهو
المرحوم فتحى كامل وأصاب الإحراج القيادة المصرية ولكن
الأجهزة المهيمنة لم يكن من السهل أن تترك أمر الاتحاد
يخرج من بين يديها خصوصا وشكاوى العمال تغص بها صفحات
الصحف وخصوصا جريدة المساء التى كانت تخصص صفحة لأخبار
العمال تمتليء بأشعارهم، كان هناك صراع بين اليسار وهذه
الأجهزة التى ترمى لبسط سلطتها على النقابات.
ضاقت النقابات بهزال الشك المفروض عليها تحت اسم مؤتمر
نقابات عمال مصر وتداعت لتأسيس اتحاد عام يجمعها ولكن
أحداث تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثى عام 1956 أرجأت
ذلك.. وللحديث بقية.