لأنها قاصة مبدعة اعتنت الزميلة نوال مصطفي بالمبدعين حين
تولت رئاسة تحرير كتاب اليوم فى مؤسسة أخبار اليوم، ونظمت
مسابقة كتاب اليوم الأدبية، وسارعت بنشر القصص القصيرة
الفائزة فى عدد خاص من الكتاب، وكتبت فى المقدمة منحازة
إلى قبيلة المبدعين فى كل زمان ومكان مستعيرة كلمات نزار
قباني إن رائحة الوطن هى رائحة مدادنا، وأنا يسعدنى ألف
مرة، يسعدنى أن أكون خطا من خطوط اللوحة الكبيرة التى
ترسمها أصابع الموهوبين فى بلادى الذين فازوا من بين 280
كاتبا وتصف مبدعى هذه المجموعة القصصية العشرين بأنهم
صنعوا مملكة الحلم، وأعلنوا الحرب على مستعمرات القبح،
لكنهم لم يحظوا بما يستحقونه.
وقالت نوال مصطفي فى الاحتفال بتسليم الجوائز للمبدعين إنه
قد تم الاتفاق مع بعض مؤسسات الإنتاج الدرامى لتحويل بعض
هذه الأعمال إلى دراما تليفزيونية.
ولعل هذه النقطة أن تكون واحدة من أهم آليات رعاية الأدباء
المبدعين فى ظل محدودية قاعدة القراءة فى بلادنا لأسباب
كثيرة، مثل انتشار الأمية، أو اتجاه الغالبية العظمى من
الجمهور إلى ثقافة التليفزيون والراديو بديلا عن القراءة،
وحيث أصبحت الثقافة التجارية الاستهلاكية هى القائدة
اتساقا مع الخيارات الاقتصادية الاجتماعية للبورجوازية
الطفيلية المهيمنة، وهو الوضع الذى دفع بالثقافة النقدية
بكل صورها سواء كانت إبداعات أدبية أو فكرية أو فلسفية أو
علمية إلى الهامش وإلى العزلة فى منطقة النخبة المحدودة.
وتبين الناقد أيمن تعيلب كيف أن النصوص التى احتواها كتاب
اليوم تتضمن قيمتين جماليتين أساسيتين هما بلاغة الغياب
وبلاغة الصمت.. ولعل بروز هاتين القيمتين أن يضيء لنا حالة
العزلة المشار إليها، ويقودنا مباشرة إلى دلالتها
الاجتماعية، وهو يكشف المسكوت عنه فى هذه العلاقات ويسلط
الضوء الجمالى على زواياه الجديدة وجوديا وإنسانيا بعامة.
ورغم تعدد المؤسسات الثقافية من دور النشر وقصور وبيوت
الثقافة إلى البرامج الإذاعية والتليفزيونية، فماتزال طاقة
الإبداع فى بلادنا أكبر كثيرا جدا من هذه المؤسسات، التى
نحتاج إلى مضاعفتها مرات ومرات ليكون لدينا مصنع كبير
للإبداع ينتج على نطاق واسع وتتوزع ثمراته بالعدل بين
الريف والمدينة وبين الوجهين البحرى والقبلى.
وغنى عن البيان أن الإبداع يرتوى بماء الحرية، وأن الحرية
تتعرض للحصار فى بلادنا رغم الهامش الذى انتزعه الجمهور
بتضحيات كبيرة على مدار الزمن، ورغم القدرات الكبيرة
للمبدعين الأصلاء على المراوغة والتحايل وولوج الطرق
الجانبية واتقان فن الرمز دون المباشرة.
ومع ذلك فإن التحولات التى شهدتها البلاد فى الخمسين عاما
الأخيرة، والتى أنتجت بين ما أنتجت نفوذا متزايدا لتيارات
الإسلام السياسى المحافظ فكانت عنصرا قويا فى دفع المجتمع
المصرى إلى التقليد لا التجديد وإلى الجمود أكثر من الحركة
وإلى التشبث بالماضى بدلا من التطلع إلى المستقبل، إلا أن
الروح الإبداعية الأصيلة هى بطبيعتها متسائلة حرة وناقدة.
وهكذا يجد المبدعون أنفسهم أمام امتحان كبير وتحديات صعبة،
ذلك أن المجتمع الذى يرتوون من منابعه أصبح مقيدا مرتين بل
ثلاثا إذا أضفنا للقيود على الحريات العامة تراجع المجتمع
وميله إلى المحافظة، جنبا إلى جنب تردى مستوى المعيشة.
فى ظل هذا المناخ تكتسب المسابقة التى أقامتها الزميلة
نوال مصطفي مع نشر القصص الفائزة نشراً شعبيا معنى إضافيا.
وتصبح كل مؤسسات النشر مدعوة لأن تطلق مبادرات مشابهة، وكل
الصحف السيارة لأن تعتنى عناية خاصة بصفحات الثقافة فلا
تبقى كما الحال الآن أول الصفحات التى يجرى الاستغناء عنها
عند أى طارئ وهى أيضا آخر الصفحات فى الجريدة أو المجلة.
ومؤسسات الإعلام المرئى والمسموع مدعوة بدورها لأن تضع
الإبداع الشاب على خريطتها وفى ساعات المشاهدة الحقيقية،
فلا تحصر نفسها -كما هو الحال الآن غالبا- فى التعامل مع
كبار الكتاب والأدباء الذين حققوا وجودا إعلاميا وكونوا
جمهورا واسعا نسبيا من القراء فضلا عن اهتمام السينما
والتليفزيون بإنتاج أعمالهم.
أما هيئة قصور الثقافة فيقع عليها العبء الأكبر خاصة فيما
يتعلق بالمبدعين الذين يعيشون فى الأقاليم ومحنتهم كبيرة
لأنهم لأسباب مركبة يعجزون عن التواصل المباشر مع منابر
النشر فى العاصمة، كما أنهم لا يستطيعون الانتقال إليها
وبينهم مواهب كثيرة جدا أكثر مما نتصور جميعا. وأنا على
ثقة أن الكثيرين من هؤلاء الموهوبين قد تبددت طاقاتهم فى
السعى للنشر دون جدوى وتوقفوا فخسروا وخسرنا.
إن البلد الذى يهدر طاقات أبنائه الموهوبين - لا فى مجال
الإبداع الأدبى وحده وإنما فى مجالات أخرى كثيرة - بلد يضع
مستقبله فى مهب الريح.