الناقد توفيق حنا أول من قَدّم الأبنودى ودنقل للساحة الأدبية
نجيب محفوظ وراء دخولى إلى عالم النقد الأدبي
عيد عبدالحليم
توفيق حنا ناقد مصرى ينتمى إلى جيل الخمسينيات قدم
عددا كبيرا من أدباء مصر الذين أصبحوا - الآن - ملء السمع
والبصر أمثال الشاعر عبدالرحمن الأبنودى والقاص يحيى
الطاهر عبدالله والشاعر أمل دنقل وغيرهم.
وفى الفترة الأخيرة آثر توفيق حنا العزلة وهاجر للإقامة
بالولايات المتحدة الأمريكية.
وخلال زيارته الأخيرة للقاهرة كان لى معه هذا الحوار:
- كان لك تجربة فريدة مع أدباء الستينيات خاصة أمل دنقل
وعبدالرحمن الأبنودى، وكنت أول من أطلّع على تجربتهم
الإبداعية.. حدثنا عن تلك التجربة؟
-- على كل حال كنت قد رقيت مدرسا أول للغة الفرنسية فى
مدرسة قنا الثانوية، ورغم أن قنا تعتبر بالنسبة للترقية
منفى نظرا لأنى من أبناء محافظة القاهرة وكنت أعمل مدرس
لغة فرنسية فى المدرسة الخديوية التى أمضيت فيها سبع سنوات
من أخصب سنوات حياتى.
ذهبت إلى قنا وأخذت أسرتى معى وكأنى سوف أعيش هناك طيلة
العمر، أحببت قنا وأبناءها، وقيل لى - بهذه المناسبة - أن
كل من أحب قنا من المنقولين إليها لا يمكثون بها طويلا،
وفعلا لم أبق فى قنا إلا سنة واحدة.
فى هذا العام كنت بجانب قيامى بتدريس اللغة الفرنسية
وإشرافى على المدرسين الآخرين، أوجّه تلاميذى من أنحاء
المحافظة إلى دراسة القرية التى نشأوا بها باعتبار أنها
قريتهم وتعد وطنهم الصغير تمهيدا لتأكيد الانتماء للوطن
الكبير، وكان من تلاميذى - فى السنة النهائية للتوجيهية
عام 1956 - كل من عبدالرحمن الأبنودى وأمل دنقل، ونبهنى
الصديق عبدالرحمن الأبنودي بعد ذلك أن محمد صفاء عامر كان
ضمن المجموعة.
ومن أهم الأشياء التى فوجئت بها - ذات يوم - أن أمل دنقل
أحضر لى بعض المفردات التى تتردد فى قريته وما يقابلها من
مفردات عربية، ومازلت أحتفظ بهذه الأوراق.
وفى هذا العام كنت أقد أرسلت للأستاذ الكبير يحيى حقى
عندما أصبح مديرا لمصلحة الفنون خطابا عن فكرة تكوين لوحات
شعبية تحوى كل مفردات التراث الشعبى، وأرفقت بهذا الخطاب
حكاية يا ليل يا عين لتربط كل مفردات اللوحة الشعبية ووصل
الخطاب إليه، وقد ذكر فى كتابه يا ليل يا عين أنه ترك كل
الأفكار التى كان يفكر فيها وأخذ فكرة يا ليل يا عين من
الرسالة التى أرسلتها وحوّرها، وكانت أساسا لاستعراض يا
ليل يا عين الذى قدم بدار الأوبرا الذى قام بإخراجه المخرج
الكبير زكى طليمات، وأشترك الصديقان الراحلان على أحمد
باكثير وزكريا الحجاوى فى صياغة الأشعار والحوار لهذه
التجربة، وقدمت عام 1956، وشاءت الأقدار أن تتوقف بسبب
العدوان الثلاثى على مصر وبعد ذلك احترقت الأوبرا فى بداية
التسعينيات واحترق معها كل ما يتعلق بهذه التجربة الفريدة.
علاقة دائمة
- وماذا عن تلاميذك، كيف أحسست بموهبتهم؟
-- نقلت إلى القاهرة وكنت دائم الاتصال بعبدالرحمن
الأبنودى، كان يرسل لى نشاطه ومحاولاته الشعرية، وكنت قد
اشتركت فى تحرير مجلة الشهر مع الراحل الصديق سعدالدين
وهبة وكانت مشاركتى تحت عنوان ندوات وفى مقدمة نشرى
للندوات كنت أرجو أن أقدم كل الندوات الأدبية والشعرية فى
جميع أنحاء مصر، وقدمت نشاط بعض الأدباء والشعراء من قنا
وكانت تضم عبدالرحمن الأبنودى وآخرين، وقلت إن فى مصر 4500
قرية فلو تمكنا أن نقدم أديبا وشاعرا وقصاصا لأمكننا أن
نقدم للوطن آلاف الأدباء والشعراء والروائيين وقد شجع هذا
الأبنودي أن يأتى إلى القاهرة، وجاء معه أمل دنقل وكنت
مؤمنا بأعمال الأبنودي فقدمته فى رابطة الأدب الحديث التى
كنت عضوا بها، وأذكر من المشرفين على هذه الندوة عبداللطيف
السحرتى ود. محمد عبدالمنعم خفاجى، وكانت خطوة جريئة منى
أن أقدم شاعرا يكتب قصائده باللغة العامية إذ كانت الرابطة
كلاسيكية التوجه، ولكن لعلاقتى الطيبة مع المشرفين
بالرابطة رحبوا بهذه الخطوة، وكان أن نجح الأبنودي كل
النجاح فى لفت نظر المستمعين نظرا لقدرته الإبداعية، وحتى
اليوم لازالت علاقتى بعبدالرحمن الأبنودى علاقة متينة
وقوية ولا أنسى - أبدا - وفاءه لما قدمته له.
- ولكن كيف بدأت علاقتك بالأدب وبالنقد تحديدا؟
-- الواقع أننى كنت مترددا أن أكتب، وقلت إن الكاتب حتى
يكون له حق أن يشارك فى الكتابة لابد أن يكون مزودا بكل ما
قدم فى العالم من أدب وفن وكل ألوان الإبداع، ذلك حتى يمكن
أن يضيف شيئا جديدا، ومع هذا بدأت الكتابة عندما قرأت
رواية زقاق المدق وأعجبت بها كل الإعجاب وكانت سببا فى
بداية علاقتى بالصديق الكبير نجيب محفوظ، فكتبت عن هذا
العمل العظيم وكانت مجلة الرسالة الجديدة قد قامت بنشر
دراستى عنها فى عددها الأول تحت عنوان محاولة نقدية فى
بداية الخمسينيات.
وبعد ذلك حاولت أن أكتب عن ملامح الشعب المصرى وعن
المأثورات الشعبية وكانت هذه هى البداية.
كتب لم تنشر
- رغم العشرات من الدراسات الأدبية والنقدية على مدار أكثر
من خمسين عاما لم تفكر فى إصدارها فى كتب تحفظها للذاكرة
الإبداعية؟
-- الواقع أننى كنت مترددا كل التردد أن أكتب كما قلت، وقد
كانت لى تجربة قديمة إذ جمعت بعض المقالات وجعلت عنوانها
الصمت والكلمات وأخذها الصديق الراحل د. غالى شكرى وأعطاها
لأحد الناشرين لكنه لم يتم نشرها ولا أدرى هل ممكن أن تكون
هذه التجربة هى التى منعتنى من محاولة أخرى للنشر واكتفيت
بنشر مقالاتى فى معظم المجلات الأدبية فى القاهرة وفى
بيروت، وأعتبر أن هذا تقصير منى فى عدم محاولة نشر أعمالى
فى كتب، لأن الكتاب عبارة عن تحقيق للشخصية الأدبية
للكاتب.
وبهذه المناسبة إذا كنا نتكلم عن زقاق المدق كان من
بداياتى أنى نشرت حكاية يا ليل يا عين فى جريدة الجمهورية
فى سبتمبر 1954 قبل أن أرسلها إلى يحيى حقى.
التراث الشعبي
- مقال لا تنساه؟؟
-- تابعت نشر مقالاتى عن التراث الشعبي فى مجلة الفنون
الشعبية والتى لا أدرى لماذا توقفت، ولعل من أهم ما نشرته
فى هذه المجلة مقالة طويلة عن قرية مارى جرجس قام بها
الباحث الجاد الدكتور نسيم حنين، وكذلك ترجمة باللغة
الشعبية المصرية لرباعيات الخيام قام بها حسين مظلوم، كذلك
كنت أول من كتب عن ديوان الأرض والعيال للأبنودى وأدخلته
فى سياق حول الدراسات الشعبية نظرا لأن الظروف كانت لا
تسمح بالكتابة عن العامية.
- كان النقد فى الخمسينيات والستينيات يشهد طفرة نوعية
لكتابات تهتم بالنص الإبداعى وبيان دلالاته مما أنتج
مجموعة متميزة من النقاد، كيف ترى - الآن - حال النقد
المصرى من خلال قراءاتك ومتابعاتك؟
-- الواقع أنه مما لا شك فيه أن عقود الأربعينيات
والخمسينيات والستينيات قدمت للأدب المصرى شعرا ونثرا
وإبداعا ونقدا، وألاحظ أن كل مظاهر الحياة الأدبية لا تسير
كما يجب أن تسير إلى تقدم وإلى الأمام، وأشعر أن هناك
تخلفا واضحا فى تطورنا السياسى والاجتماعى والأدبى، وهذا
لا يعنى عدم وجود نقاد كبار يجاهدون ضد هذا التخلف.