يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1278 ( 17 - 24) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

يوسف شاهين تجاوز الثمانين

 
 

ومازال فى شباب نشاطه

 
 

محمد عبيدو

 

  يمكننا ان نلاحظ ان مخرجنا العربى يوسف شاهين هو اليوم الأكبر سناً بين مبدعى الفن السينمائى الكبار فى عالم اليوم. الذين يواصلون ابداعهم فى هذا الفن الذى شكل، ولا يزال يشكل، حياتهم كلها، وربما مبرر وجودهم أيضاً.
يوسف شاهين، مثله فى هذا مثل قلة من المخرجين فى شتى أنحاء العالم، تجاوز منذ زمن بعيد السن التى يخلد فيها المرء الى الهدوء والتقاعد ليعيش فى ذكريات زهو أيامه الماضية. وها هو اليوم، بالذكرى الثمانين لمولده، ويتجاوز عمره فى الاخراج السينمائى 57 عاما، يبدو غضاً ومتحمساً كما كان عند تحقيقه فيلمه الأول "بابا أمين" فى العام 1949. وها هو قد اختار لفيلمه الجديد عنوان “هى فوضى”، وهو عنوان يحمل الكثير من الدلالات والإيحاءات، وفى الوقت نفسه يحمل علامات استفهام عديدة يطرحها شاهين من خلال الفيلم.
شاهين بفيلمه الجديد “هى فوضى” يحاول.أن يستعرض أحوال المجتمع بمختلف طبقاته من خلال شخصية أمين شرطة، هو محور الأحداث، يعمل فى قسم شبرا، ذلك الحى الشعبى المكتظ بالسكان، مسلمين ومسيحيين، فضلا عن الدلالة الاجتماعية التى يحملها هذا الحى الشعبى العريق، وما يحمله من وجود تفاوت طبقى كبير، حيث الفقراء وأصحاب النفوذ والنقود فى مكان واحد لا فصل بينهما سوى بحائط، كما يطلق الفيلم صرخة مدوية محذرا من القوة عندما تصبح فى يد جاهل... وحول مضمون فيلمه الجديد، أكد يوسف أنه لا يقدم أعمالا من الخيال وإنما من الواقع المعيش، مضيفا لها استشعاره كفنان بما سيحدث فى المستقبل، هو دور مهم جدا للفن والفنان، وأن اختياره لعنوان الفيلم “هى فوضى” يأتى ردا على الأحداث السياسية المتلاحقة فى المنطقة، التى هى فى الغالب هى مُصدّرة إلينا، دون أن يكون هناك رد فعل واضح ومحدد، ما يبدو أننا لا نعرف ماذا نريد من القوى الدولية، بمعنى أنه لابد أن تكون لنا مطالب واضحة ومحددة تجاه ما يحدث أو حتى ما نشارك فيه بالرأي، مشيرا أنه إذا لم يكن لك رأى فى كل ما يحدث حولك، فهذا يعنى انك لا تتمسك بحاضر ومستقبل بلدك
أن يكون يوسف شاهين هو المخرج العربى الوحيد الذى ينشر عنه (تاريخ أسكفورد للسينما العالمية) فإنه أهم تقدير للسينما العربية من خلال أحد أهم رموزها.
وقد شهد شاهين الاهتمام العالمى حينما منحه مهرجان كان 1997 جائزة اليوبيل الذهبى عن مجمل إنجازاته. وحياه النقاد والصحفيون فى العرض الصحفى الخاص ثم الجمهور فى العرض العام وحفل الختام. وأصدرت مجلة (كراسات السينما) عددا خاصا فيما شارك فى كتابته نقاد مرموقون
ومن الصعب أن يمر فيلم للمخرج الكبير يوسف شاهين دون أن يكون قادرا دوما على إثارة الجدل وطرح التساؤلات.. هكذا عودنا... ولايزال بإمكانه رغم تجاوزه الثمانين ليثبت أن الشباب الحقيقى هو شباب الروح....
يوسف شاهين من المخرجين الذين يثيرون ضجة لا تهدأ منذ أن يفكر فى فيلم جديد وحتى عرضه‏.‏والكلام عن فيلم ل يوسف شاهين كلام يمتد إلى ما لا نهاية.. فأفلامه تحمل دائما عناقيد مثمرة ولآلئ خفية وبقع ضياء.. يحار المرء فيها..
أسفرت تجربة شاهين الفنية على مدار 57 عاما اختزلها شاهين في‏80‏ ساعة هى مدة زمنا وطولا الشرائط الساحرة التى حملت توقيعه وبصمته وعمره‏(35‏ فيلما روائيا طويلا‏,‏ و‏6‏ أفلام روائية وتسجيلية قصيرة‏)..‏ وعكست موقفه من الحياة والوطن والبشر، واستطاع خلالها أن يحافظ على قدرته على التنفس الفنى ليسبح خارج السياق حينا وبعيدا عن السياق فى معظم الأحيان.
ولد يوسف شاهين فى 26 كانون الثانى 1926 بمدينة الإسكندرية،ورحلته السينمائية بدأت عام 1950 حينما عاد من اميركا شابا ممتلئا بحب السينما حيث كان يدرسها فى كاليفورنيا، ليخرج فى مصر أول أفلامه " بابا امين " وعمره وقتها 22 عاما ليكون أصغر مخرج سينمائى مصري..
وبنجاح " بابا امين " أخرج" ابن النيل " 1951 الذى يروى فيه حكاية الفلاح الذى يهجر زوجته وعائلته وأرضه وقريته ويذهب إلى المدينة بحثا عن المغامرات والمجهول ثم " المهرج الكبير " و" سيدة القطار " و"نساء بلا رجال"
ورغم ان هذه الاعمال بدت مختلفة فى لغتها السينمائية عن السائد حينذاك الا ان شاهين كان يراها تقليدية، وبعد اربع سنوات وتحديدا فى العام 1954 حاول ان يخرج عن هذا الاطار فقدم صراع فى الوادى قدم فيه لأول مرة فى السينما عمر الشريف الى جانب فاتن حمامة و، وظل شاهين يفتش عن احلامه ويصنع افلاما لم يقتنع بها كثيرا حتى قدم فيلما صار من رموز السينما العربية. وهو باب الحديد الذى قام شاهين بالتمثيل فيه،،وكان فيه واضحا فى تعرية البؤس الذى تعانى منه الجماهير عندما تناول لأول مرة فى السينما العربية مسألة الجنس كشكل من أشكال القهر الذى يعانيه الانسان فيلم (باب الحديد) يكرس البداية الحقيقية لمخرج كبير واول نجاح سينمائى عالمى ليوسف شاهين.. فقد تميز فيه بأسلوبه الدقيق الذى لفت الانظار اليه بواقعينه وشاعريته فى آن واحد.. كما كان بداية للعديد من أفلامه التى تعالج قضايا الانسان العربى ومشاكله وهمومه وتطلعاته :
جميلة بوحريد 1985 الذى كان نموذجا لاتجاه شاهين نحو الفيلم الوطنى والقضايا العربية و الناصر صلاح الدين 1963 وجسد فيه الصراع بين الشرق والغرب , بين حركة التحرر العربية والغزو الاستعمارى كرمز يومئ لجمال عبد الناصر.، وعقب نكسة 1967 مثله مثل الجميع اهتز كيان يوسف شاهين وقرر العودة الى مصر بعد ان كان قد اقام فى لبنان، لتبدأ مرحلة جديدة فى حياته الفنية بفيلم الارض الذى يمثل نقطة التحول فى سينما شاهين. كما يقول النقاد، وقام بتدشين المرحلة الجديدة عام 1969 بفلم " الاختيار" , وفيه ابتدأ اهتمام يوسف شاهين بالشكل الفني. وفيه يحلل بجرأة الواقع السلبى للمثقفين العرب ضمن ازدواجيتهم ووصوليتهم التى كانت أحد أسباب الهزيمة..ثم " العصفور " الذى تنبأ فيه بحسه الفنى بأن الشعب سيخرج فى الشوارع رافضا الهزيمة.. ثم جاء " عودة الابن الضال " الذى كان بداية البحث المعمق لدى يوسف شاهين , حيث أن ارهاصاته الفكرية الاولى قد تبلورت له جلية من واقع خبرته الشخصية ومن واقع ومشاكل الوطن, وفى هذا الفيلم يغوص المخرج فى نماذج انسانية معينة يكشف عن طريقها أزمة الحياة فى بلده بعمق..
والافلام الثلاثة السابقة كانت بحثا سينمائيا فى تقصى اسباب الهزيمة والاحلام المجهضة.. وفى أفلامه القادمة حاول يوسف شاهين أن يقدم معادلة صعبة فى الفن , وهى أن يقدم المشاكل العامة من خلال الهموم الخاصة لأبطاله وبشكل جماهيرى ومحاولة بعد الاخرى كان يقترب من حل هذه المعادلة الفنية العسيرة , وكان يقترب من النجاح بشكل أو بآخر , ليوفق تماما فى تحفته الفنية " اسكندرية ليه " 1978 حيث يواصل تشخيص المجتمع متوغلا أكثر فى اتجاهات الشخصيات وأفكارها وقيمها ولكن من خلال تجربته الشخصية وحياته.. و" اسكندرية ليه " يمكن اعتباره رؤية شاعرية لفنان.. أو " بورتريه " وضع خطوطه فنان يتمتع بحب شديد واحساس نادر تجاه مدينته التى نشأ وتربى فيها , عاكسا من خلال خطوطه وألوانه كل انطباعاته عنها فى تلك الفترة , كمدينة للطمح والاحلام والحب والنضال والحرب والجشع زالتمرد والثورة : و" اسكندرية ليه " على هذا النحو اذن , يمكن اعتباره " رؤية ذاتية ".. ولكنها رؤية ذاتية من واقع خيال موضوعى جدا , أى الرؤية الذاتية هنا ليست مستمدة من مجرد انطباعات عابرة أو مذكرات قديمة كتبت فى فترة وقوع الاحداث , ولكنها رؤية تمت صياغتهامن خلال نمو الوعى لدى الفنان طوال أكثر من ثلاثين عاما.
وداخل " بورتريه " اسكندرية ليه , هناك " يحيى " الذى يعبر عن يويف شاهين نفسه – 1942 – والعمر ستة عشر عاما.. الحرب.. التضخم.. غواصات فى البحر المتوسط والموت على رمال العلمين والاسكندرية مسقط الرأس.. عدد الاجانب وقوات جيوش الحلفاء أكثر من المصريين. الشاب المسلم الفقير الذى يقع فى حب الفتاة الثرية اليهودية والتى تهاجر تحت ضغط والدها الى " ارض الميعاد " ليكتشفا الاكذوبة الكبرى.. ويعانيا القتل والذبح والتشريد للألاف المؤلفة من الفلسطينيين سكان الديار الحقيقيين وعندما يكتشفان الخديعة , يبقى الاب ولكن الفتاة تفر وتعود مرة اخرى الى مصر حيث لم يحدث أن اضطهدت من قبل لتجد حبيبها معتقلا بسبب نشاطه الشيوعي.. وهناك يحيى " يوسف شاهين نفسه " الشاب الطالب بكلية فكتوريا الذى يعشق التمثيل والموسيقى ويحاول أداء دور هاملت فى عرض جامعي.. وتكبر فيه فكرة السفر الى أمريكا لدراسة التمثيل.. ويعيش هاجس حلم السفر.. والذى يتجسد له فى النهاية فى تمثال الحرية " وصوله لامريكا بالفعل " والذى ما يلبث أن بغمز لنا – كغانية ملطخة بالأصباغ – غمزة ذات مغزى.
يقول يوسف شاهين فى حوار معه : " فى حياة كل منالحظات ادراك.. هكذا أطلق عليها أو هكذا أسميها لأننى لاأعرف تسمية اخلاى.. بالنسبة لى كانت لحظة الادراك الكبرى فى حياتى وما تزال هى هزيمة حرب يونيو 1967 لا استطيع أبدا أن أنسى هذه اللحظة.. وهى وهى لم تكن لحظة بكاء بل لحظة تنوير.. ادراك.. كان الحلم الامريكى قد انتهى عام 1956 وكان 5 يونيو نهاية الحلم الاجتماعى اذا جاز التعبير أو الحلم بمجتمع جديد بالطريقة التى كان يصنع يصنع بها , وأخيرا انتهى حلم الحياة ذاتها بعد العملية التى أجريتها فى قلبى عام 1977. أردت ان أتحدث عن الاحلام المحطمة فكان " اسكندرية ليه ".
وفى فيلم " حدوته مصرية " 1982 نحن أمام كم غزير من الاحاسيس والمشاعر التى ربما يكون انتقاها يوسف شاهين من حياته الخاصة , ولكن من المؤكد أن كل منا عاشها.. تلك اللحظات الصغيرة المتعلقة بالذات والوطن.. الحياة والموت.. الحرية.. النجاح والاحباط , كل تلك اللحظات التى نعيشها يوميا , تمكن يوسف شاهين من أن يضعها أمامنا بحس فنى وانسانى رفيع وبسيط فى نفس الوقت. من جانب آخر استعراض لتلك الشيكة المعقدة المعقدة من العلاقات مع الذات والعائلة والمجتمع والفن وكيفية تفاعلها كل مع الاخر وتوازنها مع بعضها البعض. كل ذلك عبر فترة تاريخية هامة جدا زحساسة من تاريخ مصر.. مصر والملك والاستعمار ثم مصر وثورة يوليو.
" وداعا بونابرت " اثيرت حوله ضجة كبيرة. وقوبل بالهجوم من قبل البعض وبالمديح من قبل البعض الاخر.. وفى الفيلم يجسد شاهين جدلية اللحظة التاريخية فى جوانبها المضيئة والمظلمة معا , لحظة الايقاظ والاستعباد , الجنرال كافياريللى الذى حاول أن يعرف العرب بالحضارة الفرنسية وفرنسا بالحضارة العربية , نابليون الباحث عن مجده عبر الانتصارات العسكرية , جمود المماليك , مقاومة المصريين ووحشية الاستعمار.. الخ.
ثم فيلمه " اليوم السادس " الذى عاد فيه الى لحظات درامية ببداية القرن والجوع وانتشار مرض الكوليرا الفتاك بمصر..
بعد " اسكندرية ليه " و" حدوته مصرية " قدم يوسف شاهين جزءا ثالثا من سيرته الذاتية فى " اسكندرية كمان وكمان " 1990. الفيلم الاول قدم المخرج فتيا يعايش أحداث القاهرة السياسية فى الثلاثينات والاربعينات ويقرر أن يدرس السينما فى أمريكا , فى الفيلم الثانى سيكمل الحكاية مستعرضا بعض أهم مراحلها فى الستينات والسبعينات. أما فى " اسكندرية كمان وكمان " فانه يصل بها الى الحاضر تماما , الملقى لنظرة متفحصة شاملة لهذه الافلام يدرك لأن أن مسألة الفنان فى الذات القلقة هى واحدة. وأن ما يؤرق المخرج هو البحث عن تطابق معين ما بين المتناقضات القائمة فى تلك الذات وبين الرسالة الفنية التى ينشدها. لكن من خلال النظرة ذاتها , يتبدى أن المخرج شاهين انسان مرهف , موهبة مصقولة , عقل مثقف وشخصية أنانية تتعامل على أنها المحور الوحيد للعالم من حولها. " اسكندرية كمان وكمان " يكشف ذلك كما لم يفعل أى فيلم آخر , وهو يضعنا أمام الفنان ونظرته تجاه ناسه ومجتمعه , ويدعونا الى نوع من المصارحة مع الذات والآخرين..
وتوالت افلامه حتى وصلت الى المهاجر والمصير والاخر حيث حاول تقديم رسالة تسامح فى ذات الوقت يفضح ويدين التعصب والتطرف
ثم فيلمه "سكوت حنصور" 2001 وقد ضم وجوها جديدة من اكتشافه أهمها هى الممثلة التونسية لطيفة والممثل الشاب أحمد وفيق، وقال شاهين أن "موضوع الفيلم هو قصة حب خطر بين فنانة واحد الوصوليين، وقد تم تصوير الفيلم فى باريس بصحبة اوركسترا سيمفونية.
يليق بالبعض أن يروى سيرته، ولا يليق بالبعض الآخر. يوسف شاهين من ذاك البعض الأول، حياته ثرّة، غزيرة المحطات والتفاصيل، ولطالما أتقن كشفها وتعريتها والإفصاح عن طابعها المركّب [تبعاً لشخصيته]، وبخاصة فى ثلاثيته الذاتية المشهورة. وها هو يكمل فصول تلك السيرة فى جديده "اسكندرية... نيويورك " والذى قدمه عام 2004. وقد بلغ الثمانية والسبعين من العمر يمثل يوسف شاهين عبقرية خاصة ومتفردة فى تاريخنا السينمائي‏,‏ ليس فقط بما قدم من أعمال فنية‏,‏ وإنما أيضا لأنه صاحب أول سيرة ذاتية عرفتها السينما العربية‏,‏
وإن تقاطعت سيرة يوسف شاهين مع معظم أفلامه وألمح مراراً الى تلك المرحلة الأميركية المعلّمة فى شخصه وعمله السينمائي، إلا أنّ اموراً كثيرة ظلت طيّ الذات، كأنها تنتظر أوان البوح والخروج من الذاكرة الى العلن المشهدي، فأتت أفلامه تكشف ما ضمر من تلك السيرة الغنية على هدى موقف انسانى وسياسيّ وحضاريّ فرضته التطورات [السياسية فى شكل خاص، وشاهين سينمائيّ سياسيّ بامتياز]، إنما فى ثوب عاطفى نوستالجى لا يخلو من مرارة وأسى ومقارنة بين جيلين وزمنين وقيم انسانية وفنية متبدّلة.
على ان اسكندرية...نيويورك لايقوم على حقائق تفصيلية بقدر مايسترجع مرحلة من حياة المخرج بإضافة احداث متخيلة، فالفيلم هو كلمة شاهين بعد 11 ايلول، او اعلان لموقف بدأ مع فيلمه القصير11 ايلول من ضمن مجموعة افلام قصيرة لمخرجين عالميين وها هو يكمله هنا. فى اسكندرية نيويورك يروى شاهين، بلغة سينمائية تبدو اكثر هدوءاً ورزانة هذه المرة حكاية علاقته بأمريكا من خلال علاقته بالسينما وهذه المرة يبدو التطابق بينه وبين بطله يحيى، اوضح من أية مرة سابقة، اذ ان اسم يحيى موجود على ملصقات افلام شاهين التى تشكل خلفية بعض المشاهد فى لينكولن سنتر فى نيويورك. إن ما يرويه شاهين، هذا فى الاساس هو خيبته إزاء امريكا، ولكن ليس فى المعنى التبسيطى الذى كان متوقعاً، بل فى العمق، قدم يوسف شاهين الحضور الامريكى القمعى فى الفيلم حيث تقترن نيويورك بسطوة النفوذ الصهيوني، وسيطرة اليمين الرجعي، واستشراء النزعات الاستعلائية المعادية لكل ما ليس امريكيا. يبدأ الفيلم بمشهد المخرج يحيى مع صديقه الشيوعى على فى مقهى باب الحديد حيث يصور فيلم باب الحديد عام 1956... مع حوار بينهما حول رفض امريكا تمويل مشروع السد العالي... فيقارن (يحيى) بين رفض امريكا تمويل السد وبين رفضها تمويل فيلمه (الناس والنيل) الذى يمجد جمال عبد الناصر.. يقول يحيى لصديقه ان امريكا هى التى اوقفت العدوان الثلاثى على مصر... لكن صديقه يصحح له هذا الخطأ بأن الانذار الروسى هو الذى اوقف الحرب ونرى ان بطل فيلم اسكندرية نيويورك هو يحيى شكرى مراد الاسم نفسه الذى تكرر فى الفيلمين السابقين لشاهين عن الاسكندرية، وتكراره يدل على تأكيد الرسالة الضمنية التى يراد توصيلها الى المشاهد،كى تلفت انتباهه الى ان هذه الافلام عن يوسف شاهين بوصفها مرايا لحياته...ولذلك يضم فيلم اسكندرية... نيويورك وقائع اساسية دالة من حياة يوسف شاهين : ابن المحامى الذى ذهب الى معهد التمثيل فى باسادينا -لوس انجليس- كاليفورنيا ليدرس التمثيل والمغرم بتمثيل شخصية هاملت التى تشبهه من حيث ما ينطوى عليه من سؤال الحضور فى الوجود، تتوالى احداث الفيلم فى فلاش باك ماراً بأزمنة مختلفة بالوقت نفسه الذى قررت فيه امريكا تكريمه بإقامة مهرجان لأفلامه فى نيويورك... كان يتابع احداث انتفاضة الاقصى فى نيويورك إثر حادث 11 ايلول فيغضب ويقرر عدم السفر لكنه يعود ويسافر ليبين حالة التردد والتمزق التى يعانيها ويسافر تصحبه زوجته (جان) ليروى الفيلم فى فلاش باك قصة حب عاشها شاهين ايام الصبا اثناء الدراسة فى معهد باسادينا حينما التقى بالشابة الحسناء (جنجر) واثمرت علاقتهما عن ابن اصبح راقص باليه مشهور فى نيويورك وكان (يحيى) قد قرر فجأة العودة الى مصر لأن عائلته كانت محتاجة اليه بعد وفاة الأب. ففضلت الأم (جنجر) ان تربى ابنها بعيداً عن ابيه الذى انقطعت اخباره... واستقر فى مصر وتزوج من (جان). يلتقى (يحيى) بعد هذه السنين كلها بجنجر التى احبها وهو شاب والتى ظهرت تجاعيد السنين على وجهها فى مشهد حميمى مؤثر وفى فلاش باك يتذكر شاهين علاقته القديمة بأمريكا منذ كان ينوى إقامة فيها والعمل فى هوليوود، ويتذكر الماضى الجميل حينما كانوا يعجبون برقصات فريد استير واليوم بغلاظة ستالوني، وكان متردداً فى قبول الدعوة بسبب موقف امريكا فى ترك اسرائيل تنكل بالفلسطينيين... ان امريكا الحلم تغيرت.... ويعرف( يحيى) ان له ابناً عمره 20 عاماً...ويجد نفسه فى وضع لا يحسد عليه بين زوجته التى لم تستطع ان تنجب له ابناً وبين حبيبته القديمة ام ابنه التى احبها وهو شاب يدرس فى امريكا... لكن سرعان ما تنشأ صداقة بينهما لأنها على حد قول الزوجة لا تستطيع مناقشتها وهى ام لأبنه يحيى لكن الحلم يتحول الى كابوس حينما يحتقره لأنه عربى متخلف فى نظره. كما أنه ليس ممهدا لتغيير حياته. ويجد (يحيى) نفسه امام معركة لم يكن يتوقعها... لقد تبدد حلم يوسف امام وحشية امريكا التى ترفضه اليوم بمنتهى الوحشية متمثلة فى ابنه...وبالتالى يعلن يحيى رفضه لهذا الابن المغرور حتى ولو كان حلم حياته...وفى المشهد الأخير نرى يحيى يسير وسط زحام نيويورك وقد بدت على وجهه علامات الغضب ويتوه وسط الزحام حيث نستمع لأغنية على الحجار بصوته المليء بالشجن (نيويورك بتقتل كل حنين)، وعرض يوسف شاهين فى ثنايا الفيلم ابرز افلامه فكان يكرر مراراً عرض مقاطع من بعض افلامه السابقة، كما انه يعيد اخراج مشاهد سبق له ان اخرج مثلها.... وحول الفيلم قال يوسف شاهين: ان الحلم الامريكى الذى كان يراوده فى صباه تحول الى كابوس... وإنه اراد فى الفيلم ان يعبر عن تمزقه الداخلى فهو عاش واعجب بأمريكا...فى حين أنه الآن يشاهد التلفزيون ويرى المذابح فى فلسطين والعراق، تاريخ شاهين السينمائى لا ينكره احد، وتجربته الاخراجية لا يختلف عليها اثنان، اما فكره ومنهجيته، فهما ملك له حتى وإن اختلف معه البعض، لكن المؤكد ان الفنان الحقيقى هو الذى يترجم فكره الى اعمال ويقدم قناعاته الشخصية من زاوية تخدم توجيهاته، والفنان الصادق ايضاً هو الذى يجاهر بإخفاقاته ويواجهها، ويصحح من انطباعاته وفكره اذا ما رأى الصواب وباغته الواقع بعكس اعتقاداته......يقودنا هذا المخرج الى تلاوين روحه ويغادر معنا وبنا على حافة الهاوية، إنه فن المغامرة الدائمة، وأفلامه مليئة بالحميمية ومشحونة بالانفعالات والعواطف المتأججة. وأيضاً بالذاكرة والاحلام... وإذا كانت معظم أفلامه تقف عند حافة التمرد فإنه يكفيه أن عاش هذه الحياة الفنية المديدة، محافظاً على تلك البذرة من المقاومة ورافضا الرضوخ للأمر الواقع، وهذا ما يجعله بالفعل شابا فى الثمانين.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة