من الخصائص التى اتسم بها الإسلام وسعى لتثبيت أركانها
سواء بالآيات القرآنية أو الممارسات النبوية هى خاصة العدل
والإنصاف، فقد ترسخت قيمة العدل كعصب للشريعة كما أن
التوحيد عماد العقيدة مع نبذ الظلم بكل أشكاله، قال تعالى
ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب
للتقوى المائدة :8 وفى هذه قرر علماء الإسلام أن أمور
الناس تستقيم فى الدنيا مع العدل الذى فيه اشتراك فى أنواع
الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم فى الحقوق وإن لم تشترك
فى إثم، فالدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم
والإسلام، ومن الحقوق التى داستها سلوكيات متعصبة داخل
الكيان الوطنى الواحد حق المواطنة بين أبناء الأديان
المتعددة والثقافات المختلفة بما شكل تهديدا لمستقبل
التعايش السلمى بين أفراد الشعوب ومعوقا رئيسيا لأسس
النهضة والتقدم، وفى الآونة الأخيرة تصاعد دخان طائفى كثيف
بفعل أعمال مهووسة لأناس فاقدى العقل والهوية الوطنية
بالاعتداء على الكنائس والمساجد كشفت عن تلوث فكرى خيم على
العقلية الوطنية بطرفيها إلا ما رحم ربي!!، فدخل المجتمع
فى لحظة كارثية مسكونة بالرعب من مواجهات تقوم على أسس
دينية وكوارث فكرية وطائفية لم تعد تصلح معها نفس الأساليب
القديمة فى المعالجة الاستعراضية بنفس الوجوه والمشاهد
العبثية فى وقت لابد أن نستدعى الحكمة والأناة وإعمال
العقل بالتفتيش الدقيق فى جذور تاريخية قامت عليها تعالم
الإسلام والمسيحية كمشكاة تضيء طريق الإنسانية فى وحدة
وتكامل واستقرار بما يمثل مرجعية حاكمة على السلوكيات،
وإذا كنا نلوم بعض العناصر المسيحية التى تسعى لتأجيج
صراعات - بفعل ممارسات فردية - لتفكيك البناء المجتمعى فى
لحظة فارقة من تاريخ الوطن بعيدا عن صوت الحكمة الكنسى -
من البابا وغيره من القساوسة - الذى يمثل روح التعاليم
المقدسة للسيد المسيح فى نشر المحبة والتعاون والمودة
والصبر، فإننا نهيب بكل المسلمين ألا يتناسوا - فى غمار
الهوس الدينى لبعض الأفراد والجماعات - الدور الإيجابى
والفاعل الذى قدمه النصارى للإسلام والمسلمين فى حياة
النبى ص؛ فلا ينساقوا إلى معارك مطلوب استدراجهم إليها
بسرعة ضوئية للإطاحة بالجميع فى نهاية المطاف، إن الخطاب
الإسلامى المعاصر فى حاجة إلى إبراز الدور الذى لعبه
قساوسة وملوك نصارى فى تثبيت دعائم الرسالة الإسلامية فى
بداية ظهورها! لتكون مرجعية - للشباب المفتون بجماعات ذات
أهواء وأغراض سياسية - فى أهمية احترام أخوة الوطن مهما
كانت ثقافته أو ديانته، بعد نزول الوحى حدثت حالة من الهلع
والفزع للنبى لغرابة ما سمعه ورآه وكما يذكر البخارى أن
النبى ص بعد رؤية جبريل ذهب ليتردى من قمة الجبل ليتخلص من
قهر الخوف من ملامح الجنون الذى اتهم نفسه به! إلا أن الله
تعالى قد هيأ له فى ذلك الوقت العصيب راهبا نصرانيا حكيما
هو ورقة بن نوفل الذى طلب سماع رؤية النبى ثم علق أمام
السيدة خديجة بأن ما رآه النبى هو الناموس الذى جاء موسى
وبشره بأنه نبى هذه الأمة وما آتاه هو جبريل صاحب موسى
وعيسى وأمره بالثبات والاطمئنان، وكان لكلام القس النصرانى
الأثر الإيجابى فى نفسية النبى الخاتم فقال فيما ذكره
الحافظ أبو بكر البزار بإسناد جيد عن عائشة لا تسبوا ورقة
بن نوفل فإنى رأيت له جنة أو جنتين وهو قمة الاعتراف
بالآخر الدينى فى سماحة نبوية إيجابية، وكيف يتجاهل
المسلمون - برغم تركة الممارسات المتخلفة لكثير من الخلفاء
فى تكريس التفرقة بين المواطنين - ما صنعه النجاشى ملك
الحبشة لخدمة الرسالة المحمدية وتشكيل ظهير جغرافى لحماية
مجتمع مكة الناشئ فى أحضان العصبية القبلية؛ فمع بداية
الدعوة وبعد مرور سنوات خمس زاد تعرض المسلمين للضرب
الشديد والإهانة البالغة وأصابهم من البلاء ما لم يقدر على
دفعه عنهم حتى صاحب الرسالة فقال لهم: لو خرجتم إلى أرض
الحبشة فإن فيها ملكا لا يُظلم عنده أحد، وهى أرض صدق حتى
يجعل الله لكم مخرجا فخرج المسلمون مخافة الفتنة وفرارا
بدينهم وكان الملجأ والملاذ لحماية المسلمين هى أرض
النصارى بأهلها المتسامحين والمعترفين للمسلمين بحق
المواطنة، ولا سيما بعد الحوار الذى دار بين ملك الحبشة
وبين كبير المفاوضين المسلمين جعفر بن أبى طالب والذى ضرب
به المثل للحوار الهادف فى كيفية البحث عن مناطق التحرك
المشترك إزاء الآخرين، والتأكيد على تكامل الأديان وضرورة
معرفة الخرائط العقائدية وبنية الأفكار الخاصة داخل كل
ديانة، وفى الوقت الذى تأمر إخوة اللغة والنسب من قريش
لاستئصال شأفة المهاجرين المسلمين على شرف نسبهم القبلي
وهو ما قام به عمرو بن العاص داهية العرب عندما عمد إلى
الوقيعة بين المسلمين والنصارى بحجة اختلاف الرؤى المعرفية
والثقافية لبعض العقائد الدينية فى محاولة دنيئة لزرع
الفتنة الطائفية، ولكن حكمة الرهبان والقساوسة وعدل الملك
شكلت منصة صواريخ فكرية تنويرية تحطمت عليها النزعة
الطائفية فقال النجاشى بعد أن رد كيد المتعصبين الحانقين
على حق الاختلاف من العرب وغيرهم مرحبا بالمسلمين وبمن
جئتم من عنده أشهد أنه الذى نجده فى الإنجيل وأنه الذى بشر
به عيسى بن مريم ثم أطلق صيحة المواطنة انزلوا حيث شئتم
لقد كان مهاجرو الحبشة بمثابة خط دفاع استراتيجى فى حالة
سقوط خط الدفاع الأول فى مكة أثناء مرحلة التعذيب
والاستضعاف، فلو تخلى نصارى الحبشة عن المسلمين لشكل ذلك
انهيار معنويات الصابرين فى مكة بأنه لا أمل فى استيعاب
الأرض للرسالة الجديدة، وبالتالى قدم النصارى للمسلمين
مقومات الصمود والتصدى لكفار قريش لحين تكامل عناصر القوى
وهو ما حدث بعد ذلك نتيجة الشعور النفسى الإيجابى الذى
تولد عند المسلمين لأنهم صاروا بسند روحى وفكرى وجغرافى
وبالتالى تعززت الوحدة الشعورية للمسلمين فكان النصر
واقتضت العدالة التى اتسم بها النبى الأكرم مكافأة الرجل
الذى اعترف بحق المواطنة للمسلمين رغم قلة عددهم فى
بلاده!! بالدعاء للنجاشى والصلاة عليه بعد وفاته وهو
اعتراف رسمى من النبى بأحقية أصحاب الأديان الأخرى فى
الحياة الآمنة فى الدنيا والآخرة، فهل يحافظ النصارى على
روح المحبة والتضحية فى سبيل راحة غيرهم كما فعل أسلافهم؟
وهل يعترف المسلمون بحقوق القبط بعد المساندة التاريخية
العظيمة التى قدمها لهم إخوانهم المسيحيون للحفاظ على
هويتهم الإسلامية؟