يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1278 ( 17 - 24) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

هل الإعلام العربى قادر على حماية الثقافة؟!!

 
 

د. عواطف عبد الرحمن

 

  الواقع أن الثقافة العربية لم تكن مستهدفة بصورة مباشرة كثقافة فى مرحلة الصراع الأيديولوجى شرق - غرب بل كان هذا الصراع يخدمها على نحو ما باعتباره صراعاً ضد الأجنبى سواء كان شيوعيا أو رأسماليا الأمر الذى كان يعزز الهوية الوطنية ويخدم الثقافة القومية أما العولمة فقد حملت بعض المخاطر الثقافية التى تهدد المنظومة العربية التراثية والمعاصرة من خلال البرامج التليفزيونية والمسلسلات الوافدة وبرامج الإنترنت والتى يزداد تأثيرها السلبى خصوصا فى ظل عدم الالتزام بالمواثيق الدولية التى تنص على احترام الطابع المميز للثقافات مثل إعلان اليونسكو 1978 وقرار الجمعية العامة 1982 الذى ينظم قواعد استخدام الأقمار الصناعية فى البث التليفزيونى المباشر، وتتمثل أهم إشكالية تثيرها قضية الأقمار الصناعية فى كيفية التوفيق بين حقوق الاتصال للأفراد والجماعات والحفاظ على الهوية الثقافية خصوصا فى ظل الانتهاك المتواصل من جانب الدول الكبرى للمواثيق الدولية فى هذا الصدد..
ولا شك أن الاختراق الثقافى الذى أصبح يمثل أحدث آليات الهيمنة العولمية المعاصرة لا يعد أمراً مستحدثا فى العالم العربي، بل تشير قراءتنا للتاريخ العربى الحديث والمعاصر إلى أن عملية الاختراق الثقافى للوطن العربى قد اختلفت أشكالها باختلاف المراحل التاريخية وطبقا لحاجة المشروع الاستعمارى فالأمة العربية كانت من أوائل الشعوب التى سقطت ومنذ وقت مبكر من التاريخ الحديث فى دائرة استهلاك الثقافة التى تنتج فى المركز الأوروبي، واستطاعت المركزية الأوروبية فرض ثقافتها والظهور بمظهر المتفوق على الثقافات الأخرى ومنها الثقافة العربية التى وجد عدد كبير من روادها ومفكريها أنه لا بديل أمامهم عن اقتباس الثقافة الأوروبية وتعلم لغاتها والانبهار بتراثها العقلانى الليبرالى والنقل الحرفى لمؤسساتها الإدارية والمالية والسياسية والتربوية.. وقد ترتب على ذلك ظهور انساق جديدة للثقافة العربية المرتبطة والتابعة لثقافة المستعمر الأوروبى ولغته وذلك على حساب اللغة العربية والتراث العربى الإسلامي.. وقد تبنت هذه الأنساق وروجت لها النخب العربية التى نهلت من الثقافة الأوروبية وتعلمت فى جامعاتها؛ مما أسفر فى النهاية عن فقدان المشروع الثقافى العربى لاستقلاليته وتحول مشروع النهضة العربية الشاملة إلى قاعدة لتبعية أوروبية شبه كاملة..
فقد عجزت النخب الثقافية فى الوطن العربى عن صياغة مشروع ثقافى حضارى مستقل فى مواجهة المشروع الثقافى الاستعمارى الوافد وبدلا من ذلك تمت المصالحة معه على نفس أرضية التبعية التى تكرست فى المجالين السياسى والاقتصادي.
ويلاحظ فى هذا المجال أن النفوذ الثقافى الأوروبى الذى كان سائدا فى الوطن العربى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية بدأ ينحسر لصالح النفوذ الأمريكى الذى تغلغل وترسخ فى الوطن العربى عبر مجموعة من القواعد الثابتة أبرزها الكيان الصهيونى الإسرائيلى وعززها على المستوى الثقافى فروع الجامعات الأمريكية والبرامج والمسلسلات التليفزيونية والإذاعات والسينما والفيديو والإعلانات والمطبوعات وغيرها من وسائل الإعلام وأدوات الثقافة الوافدة، وقد أصبح من الصعب الفصل بين مشاريع السيطرة العسكرية الخارجية وأدوات الاختراق الثقافى والقوى الداعية له والمستفيد منه على المستوى المحلي، وإذا كانت الأيديولوجية الاستعمارية الأوروبية قد رسخت مفهوم التفوق الثقافى الأوروبى على الثقافة العربية فعطلت ظهور ونمو المشروع الثقافى العربى المستقل وظهرت بدلا منه الصورة الكاريكاتيرية الممسوخة التى قامت على محاكاة وتقليد النخبة الثقافية العربية للثقافة الأوروبية بكل مفرداتها وتمايزاتها، فإن مرحلة الهيمنة الثقافية الأمريكية الراهنة فى ظل العولمة تشكل خطورة أشد، فهى من جهة أبقت على الأيديولوجية السابقة التى نشرتها أوروربا فى مرحلة تفوقها وقبل أن تجبر على الرحيل الشكلى من الوطن العربي، ولكنها من جهة أخرى زادت من تبعية العالم العربى فتحولت التكنولوجيا المتقدمة إلى نمط استهلاكى مقابل تحول التراث الوطنى والقومى إلى مادة للسياحة وللدعاية والإعلانات..
ولعل أبرز ما يميز الاختلال الثقافى للدول العربية أن ثقافاتها المحلية أصبحت أكثر عرضة لخطر التفتيت الثقافى بل إن هذا الخطر قد بدأ يفعل فعله فى بعض أجزاء الوطن العربى وذلك بانبعاث النعرات العشائرية والطائفية مما يهدد التماسك الوطنى للعديد من الدول العربية.. أمثلة البربر فى الجزائر - الأكراد فى العراق - جنوب السودان - الدروز والموارنة فى لبنان.
إذن ما العمل لمواجهة هذه التحديات التى تحاصر الإعلام العربى فى عصر العولمة؟
هناك مستويان للمواجهة، المستوى الاستراتيجى ويشمل السياسات والخطط التى تتبناها الهيئات والمؤسسات القومية فى الوطن العربى لمواجهة الاختراق الثقافى الغربى والصهيونى وهيمنة آليات العولمة الثقافية ويستلزم ذلك ضرورة أن تبادر الجامعة العربية إلى تبنى استراتيجية ثقافية فاعلة وقادرة على تجاوز الثنائية والانشطار الثقافى فى الواقع العربى الراهن وقادرة على مواجهة الاختراق الثقافى من خلال ثورة ثقافية شاملة ومتعددة المراحل تستهدف إعادة بناء التراث الثقافى العربى من الداخل لأن أى محاولات جادة لتجديد الثقافة العربية لا يمكن أن تتم إلا من داخلها.
ويتطلب ذلك ضرورة الاستفادة من الجوانب الإيجابية للتراث فى إطار الدراسة النقدية للتاريخ الثقافى للوطن العربى وتوظيف هذه الجوانب فى إطار مشروع حضارى يستند إلى بنى اقتصادية واجتماعية مناهضة تماما للبنى التقليدية السائدة حاليا ولا يتحقق ذلك إلا بنشر العقلانية كإطار فكرى وكأسلوب للعمل فى العلاقات السياسية بين الحكام والشعوب والعلاقات الاجتماعية بين الأفراد وبين الدول العربية على المستوى القومى ثم مع العالم الخارجى على المستوى العالمى كما ينبغى التأكيد على ضرورة احترام حقوق الإنسان العربى واعتباره قيمة حضارية فى حد ذاته وليس رقما مهملا فى خانة الطوائف والقبائل وأقبية السجون والاعتراف من جانب الحكومات بحق جميع القوى الاجتماعية والسياسية والأقليات الثقافية فى المشاركة فى إدارة شئون أوطانها والتمتع بعوائد ثرواتها القومية، ويضاف إلى ذلك ضرورة العمل على تدعيم دور المجتمع المدنى فى مواجهة المحاولات الدائبة من جانب الحكومات وشبكات المصالح الدولية والمحلية لتحويل العالم العربى إلى مركز للتخديم على السوق العالمية التى تسيطر عليها القيم الاستهلاكية وتحكمها قوانين العرض والطلب حيث يتحول المواطن العربى فى إطارها إلى كائن استهلاكى عالمى وتتوارى سماته الحضارية وتمايزه الثقافي.
أما المستوى الإجرائى للمواجهة الثقافية:
فهو يتضمن الوسائل والأساليب التى يتبناها كل قطر عربى على حده وبقدر ما تبرز أمامنا الأهمية القصوى لرسم السياسات والخطط التى تترجم التصور الاستراتيجى العام للمواجهة الثقافية إلا أن هناك ضرورة مماثلة لتحديد أبعاد هذه السياسات وما تتطلبه من إجراءات عملية قابلة للتنفيذ ويمكن إيجازها على النحو التالي:
1- صياغة سياسات قومية إعلامية وتعليمية وثقافية تراعى الجمع بين خصوصيات كل قطر عربى والالتزام بالثوابت العربية المستقاة من تاريخ حركة التحرر الوطنى العربية والتراث الثقافى العربى الإسلامى والحرص على ترجمة هذه السياسات إلى برامج مشتركة تلتزم الدول العربية بتنفيذها تحت إشراف الجهاز الثقافى للجامعة العربية وأعنى به المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
2- إعداد دراسات وبحوث توضح خريطة الخدمات الثقافية التى تقدمها وسائل الإعلام العربية وعلى الأخص الإعلام المرئى والمسموع والاستعانة بنتائجها فى إعداد الاستراتيجية الثقافية البديلة.
3- إعداد كوادر إعلامية عربية مؤهلة ومدربة ومسلحة بالرؤية الثقافية العربية المشتركة مما يزودها بالقدرة على مواجهة التحديات الثقافية وفى مقدمتها الاختراق الثقافى العولمى والغزو الثقافى الصهيونى ولن يتحقق ذلك إلا من خلال سياسات عربية مشتركة فى حقل التعليم الإعلامى وبرامج مشتركة للتدريب على استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال بما يلبى الاحتياجات الاتصالية والثقافية للجماهير العربية فى الريف والحضر.
4- الاهتمام بإعداد برامج إعلامية مشتركة لمحو الأمية فى الوطن العربي، وبرامج نسائية وشبابية وللأطفال العرب مع مراعاة أن تحوى هذه البرامج المضامين الثقافية القادرة على تحقيق أهداف المشاركة الجماهيرية كبديل للإعلام الرأسى الاتجاه السائد حاليا فى الوطن العربى والقادم من أعلى إلى أسفل.. ومن النخب المثقفة إلى الجماهير ومن العواصم إلى الريف ومن الحكام إلى المحكومين.
5- تشجيع الاتحادات المهنية فى مجالى الإعلام والثقافة على استئناف أدوارها فى توثيق وتنشيط العلاقات الثقافية والإعلامية ذات الطابع الشعبى والجماهيرى مثل اتحاد الصحفيين العرب واتحاد الكتاب العرب.
6- تبدو الأهمية الملحة للتنسيق والتكامل الإعلامى بين الدول العربية خصوصا فى مجال تكنولوجيا الاتصال سواء كان الهدف نقل التكنولوجيا رغم مخاطرها فى تكريس التبعية التى سبق الإشارة إليها أو توطينها، كذلك الحرص على السماح بتوزيع الصحف فى مختلف أنحاء الوطن العربى دون التقيد بالتقلبات السياسية التى تتعرض لها العلاقات العربية فى بعض الأحيان..
7- تشكيل لجان قومية من الخبراء الإعلاميين والمثقفين العرب للإشراف على اختيار البرامج والمسلسلات التليفزيونية العربية والأجنبية التى تتميز بمستوى إبداعى رفيع وتوجه حضارى إيجابى وثقافى كى تتاح لها فرصة البث والانتشار على المستوى العربي.
8- التعجيل بإخراج مشروع الوكالة العربية للأنباء إلى حيز النور مع مراعاة اختيار كوادر إعلامية متخصصة للإشراف على إدارتها وتشغيلها وذلك ضمانا لتحجيم الدور الذى تقوم به وكالات الأنباء العالمية فى تكريس التبعية الإعلامية والثقافية فى الوطن العربي.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة