دخلت حياتنا مفردات جديدة فى قاموسنا اللغوي.. من نوعية
الاحتقان.. والحراك السياسى وإذا كان الاحتقان مفهوما
ومحسوساً.. فإن تعبير الحراك السياسى لم يكن مفهوما.. فهو
حراك إلى أى اتجاه.. ولمصلحة أى طرف؟
إذا كنت أمام مصاب ينزف ويتلوى ألما بين الحياة والموت..
وتصرخ طالبا له سرعة الإنقاذ.. ولكن سيارة الإسعاف لا
تأتي.. والوقت يمر ثقيلا وقاسيا.. ودماء المصاب تنزف بلا
انقطاع من جسده.. فأنت بالتأكيد ستفقد أعصابك أمام هذه
الحالة.. ويعلو صراخك وتشتم وتلعن.. ويزداد غضبك وهياجك،
وربما استخدمت عضلاتك ومددت يديك وقدميك بعد أن طفح بك
الكيل فى انتظار الإنقاذ..
ولكن الإنقاذ لا يأتي.. والمصاب تزداد حالته سوءا..
وتدريجيا تكتشف أنك - ودون أن تدرى - تحولت أمام هذا الوضع
المؤسف إلى شحنة متأججة بالغضب العاصف المدمر!
وها نحن جميعا.. نكاد نصل إلى هذه الحالة..
والأصوات العاقلة تواصل التنبيه والتحذير.. من خطورة ما قد
يحدث.. ولكن لا أحد يسمع!!
والمصاب ينزف.. والإنقاذ لا يأتي..
الوطن مصاب فى أكثر من موقع.. بجرائم الذين نهبوا ثرواته..
واغتالوا أحلامه.. وسدوا الطرق والمنافذ أمام أجيال من
الشباب بالمحسوبية والرشاوى والصراع المرير للبحث عن فرصة
عمل.. وفرصة حياة كريمة.. ولم يعد أمامهم غير الحسرة
والألم.. والانتظار للإنقاذ..
ولكن.. الإنقاذ لا يأتي.. رغم الوعود والتصريحات..
وتتكرر نفس الوجوه.. ونفس الأساليب.. ونفس الكلمات..
منذ أيام قليلة.. قال الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء
فى افتتاح مؤتمر دور التقنيات الحديثة فى مجال الكشف عن
الغش والفساد.. قال مؤكدا إن الدولة ستلاحق المفسدين أيا
كانت مواقعهم أو وظائفهم، دون تفرقة بين كبير أو صغير..
حيث لا أحد فوق القانون..
وهذا الكلام سمعناه من قبل أكثر من مرة.. على مدى السنوات
الماضية.. ولم نر له تطبيقا عمليا ملموسا.. ظل الفساد
والمفسدون أقوى من كل كلمات التهديد والوعيد من الدولة..
رغم أن الدكتور نظيف يعترف فى نفس كلمته فى افتتاح هذا
المؤتمر.. أن انتشار الغش والفساد فى أى مجتمع لا يهدد
المواطن فقط فى معيشته اليومية.. بل يضر بأمن المجتمع
بأسره.. وبمعدلات التنمية والتقدم فيه.
وكأن الدكتور نظيف بهذه الكلمات يخاطب بلدا آخر غير مصر..
فهو أول من يعلم، ويده فى النار، وهو يلملم الأرقام
استعدادا لتدبيج الميزانية الجديدة للدولة والتى سيقدمها
بعد أيام أمام مجلس الشعب.. إن الفساد والمفسدين قصموا ظهر
المواطن العادى فى معيشته اليومية.. وأضروا بالفعل بأمن
المجتمع وبمعدلات التنمية.. بنفس كلماته وظلت ملفات بعض
جرائم الفساد الكبرى فى طى الكتمان.. رغم كل الروائح التى
فاحت حولها.. بالأسماء والوقائع والمستندات.. ولم يعلن إلا
عن بعض الجرائم القليلة التى ما زالت تتداولها المحاكم فى
جلسات لا نهاية لها..
والسؤال الذى كان يجب أن يواجهه الدكتور نظيف إذا كان يريد
الصراحة الكاملة.. لماذا تم التكتيم على بعض الجرائم التى
أضرت بالفعل المواطن العادي، وأضرت بأمن المجتمع ومعدلات
التنمية.. لماذا ظلت بعض أسماء مرتكبى هذه الجرائم
وأفعالهم غير معلنة للرأى العام.. وغير مدرجة فى تحقيقات
المحاكم.. ولماذا لم تحاول الحكومة أن تسترد بعض ما تم
نهبه من ثروات مصر.. ليعود إلى أبناء مصر الكادحين
المطحونين بأزمات وضغوط متواصلة..
ولم يحدد الدكتور نظيف فى كلمته بمؤتمر كشف الغش والفساد..
عن رؤيته كرجل مسئول فى الدولة.. ما هى الأسباب والظروف
التى أدت إلى انتشار الغش والفساد.. هل السبب فى تخبط
السياسات.. أم السبب فى ضعف الرقابة.. وعدم المتابعة.. أم
أن السبب أن الكبار يسرقون بالمليارات ويتمتعون بكل
الرفاهية والحماية.. ويتصدرون المواقع المهمة بكل جرأة
واقتحام.. إذا كان هؤلاء الكبار لا أحد يحاسبهم، ولا أحد
يتصدى لأخطبوط جرائمهم.. فلماذا لا يفعلها الصغار.. كل حسب
موقعه.. وكل حسب مقدرته؟!.
وهكذا.. اتسعت دوائر دوامة النهب والسرقة
وزادت مشاكلنا.. وارتفع حجم الديون..
والمصاب ينزف.. والإنقاذ لا يأتي..!
وحتى وقت قريب.. كنا نلتحف بأغطية الغيبوبة والتسطيح..
دبرها الذين خططوا لإلغاء الوعى والعقل وسيادة الجهل
والأنانية.. ومنطق كل واحد يدلع نفسه.. واللى يفكر كثير
يتعب.. خدها زى ما هي.. وشوف مصلحتك.. وهذه الغيبوبة مع
تسطيح الفكر كانت مقصودة لكى يواصل المفسدون الكبار
جرائمهم دون أن يشعر بهم أحد..
ولكن.. حدثت الإفاقة.. وبدأ الجميع يتحسسون الأرض التى
يقفون عليها... وكانت الأرض حبلى بالبراكين والهزات.. وبدأ
الإحساس بالضياع.. وعلى كل لسان سؤال جسدته كلمات حائرة
إحنا رايحين على فين؟!..
ودخلت حياتنا مفردات جديدة فى قاموسنا اللغوي.. من نوعية
الاحتقان.. والحراك السياسى وإذا كان الاحتقان مفهوما
ومحسوساً.. فإن تعبير الحراك السياسى لم يكن مفهوما.. فهو
حراك إلى أى اتجاه.. ولمصلحة أى طرف؟
وبدأنا نعيش ونرى من حولنا.. إجراءات أمن مكثفة.. ولوريات
محملة بجنود الأمن المركزى تتمركز فى بعض المواقع الحساسة
تتأهب بأسلحتها المشرعة فى وجوه الجميع..
وضغطت كوارث الأزمات المتلاحقة على أعصابنا.. وتشابك
الغلاء مع البطالة وتدنى الدخول ليزيد من حدة الغضب..
وصبغت كلماتنا بنوع غريب من العنف والوحشية لم نألفه فى
الشخصية المصرية..
وأصبح من المعتاد أن تلمح هذه الوحشية والشراسة فى المدارس
والجامعات بين الطلبة وبعضهم.. وبين الطلبة وأساتذتهم..
وبين الأساتذة أنفسهم.. سقطت الفواصل والمحاذير..
وانتقلت هذه الظاهرة إلى جلسات مجلس الشعب بين النواب
وبعضهم.. وبين النواب والوزراء.. وبين الوزراء أنفسهم..
وتجسدت الصورة كاملة فى اختناقات المرور فى شوارع
القاهرة.. تصادمات وشتائم وضرب لا فرق بين راكب المرسيدس
وراكب السرفيس.
وأصبحنا نرى فى بيوتنا.. ما هو ألعن.. من اشتباكات
الأزواج.. واشتباكات الآباء والأبناء.. واشتباكات
الأقارب.. والتى قد تصل إلى جرائم القتل والاختطاف.
ولم يعد أحد قادرا على احتمال أحد.. أو قادرا على السيطرة
على أعصابه وغضبه..
وكأننا نعيش كلنا فوق سطح من الصفيح الساخن.. أو على فوهة
بركان
فقد احتملنا كثيرا.. وصبرنا طويلا..
ونحن أمام مصاب مازال ينزف. والإنقاذ لا يأتي!