القطار لا يتحرك.. والقضبان منزوعة.. ومسروقة.. والنوافذ
مغلقة.. والناس تهتز بأمر الحكومة.. كى تعطى الانطباع بأن
القطار يتحرك!
الحكومة.. تطالب الموظفين.. بالابتسام!
يخرج الموظف من بيته.. وهو يبتسم.. ويسير فى شوارع بلا
أرصفة.. وهو يبتسم.. ويقفز فى أوتوبيسات النقل العام التى
تسقط من فوق الكبارى العلوية.. وهو يبتسم.. ويدخل غرفة
مكتبه التى لا يدخلها الهواء.. وتسودها الضوضاء.. وهو يرقص
عشرة بلدي!
موظف على درجة عالية من التخلف العقلي!
ويسمع عن العبارة.. وصاحب العبارة..وشهداء العبارة..
والناجى الوحيد من العبارة.. فيقهقه..
ويسمع عن السفينة كليمنصو.. وبنك الإسكندرية.. وعمر
أفندي.. وقانون الطوارئ.. والرجل الذى قتل خالته.. وزوج
خالته.. وخادمة خالته.. للحصول على شقة خالته.. فيموت على
نفسه من الضحك!
وسمع عن السادة الذين قضوا على صحافة البلد.. وسمعة البلد.
ولم يحاسبهم أحد.. فيبتسم!
الحكومة تبحث عن الموظف السعيد.. المختل نفسيا.
هى تطالبه بأن يبتسم.. وتغنى له انسى الدنيا.. وريح بالك..
دون أن تطالب أى فئة أخرى أن تبتسم..
لم تحاول إشاعة ثقافة الابتسام بين الناس.. أو بين أى قطاع
آخر غير قطاع الموظفين.. الأمر الذى يعكس استضعاف الدولة
للموظفين..
لماذا يبتسم الموظف دون غيره من أبناء الشعب؟!
لأن الموظف أشبه بالدجاجة.. تستطيع الحكومة أن تذبحها
وتسلقها.. وتصنع من مرقتها.. فتة ملوخية..
وهى لا تستطيع أن تفعل ذلك مع الأسد.. كأن تذبحه وتسلقه..
وتأكله هم.. هم..
بل هى لا تستطيع الاقتراب من أشبال الأسد.. ولا حريم
الأسد..
هى تتشطر على الضعفاء..
هى تضع الموظف.. فى ظروف مشحونة بالحرمان.. وتقدم له
مرتبا.. يعجز الاقتصادى الألمانى الشهير إير هارد.. عن
تدبير حياته به.. وتطالبه بأن يبتسم..
وأن يتابع نشرات الأخبار.. وهو يحاكى تحية كاريوكا!
لا شك أننا نعانى من الفساد الذى انتشر بين قطاعات كبيرة
من الموظفين.. ونسمع عن الرشاوى والإكراميات ومذهب إديله
ميه.. يديك طراوة.. وإديله سكر يديك حلاوة.. ولكن ذلك كله
لن يحل بالابتسام.. ولا بإعداد دورات للرقص الشرقي..
المطلوب هو أن تتخلى الحكومة عن السطحية التى تعالج بها
البلاوى التى انهالت على الناس طوال ربع قرن.. وأن تطالبهم
بالاهتزاز للأمام والخلف.. وهم يجلسون داخل عربة قطار سكك
حديدية..
القطار لا يتحرك.. والقضبان منزوعة ومسروقة والنوافذ
مغلقة.. والناس تهتز بأمر الحكومة.. كى تعطى الانطباع بأن
القطار يتحرك..
وبين الحين والآخر يسمع الركاب صفارة.. توت.. توت.. ومعها
صوت عبد الوهاب فى أغنية يا وابور.. قول لى..
أكاذيب لا تمت للواقع بأدنى صلة.. وتخرج علينا الافتتاحيات
الصبيانية فى صحف الحكومة.. لتؤكد للركاب أن القطار ينطلق
بأقصى سرعة وأنهم ينتقلون من محطة إلى محطة.. تحت القيادة
الحكيمة.. إلخ..
وأن الحكومة لا تستطيع أن تفعل.. كل شيء.. وحدها.. وأن على
كل مواطن أن يهتز.. بحماس..
والركاب يهتزون.. ويسفر الاهتزاز عن نتائج غير مرغوبة..
لا القطار تحرك.. ولا الاهتزاز.. حل المشاكل.. بل قد زادها
تعقيدا..
الآن.. نقف على صورة جديدة.. من صور التحايل على المشاكل
والالتفاف حولها.. بدعوة الموظفين للابتسام..
وأن يتظاهر الموظف بالسعادة الغامرة..
علما بأن الاهتزاز داخل عربة القطار التى لا تتحرك أسهل
كثيرا.. من الابتسام.. بلا دوافع حقيقية..
مشاكل الموظف فى مصر.. هى مشاكل المجتمع كله.. لن يحلها
تحويل الموظفين إلى مدرسين.. أو تحويل التكشيرة إلى
ابتسامة..
وإذا كانت الدكتورة درية شرف الدين قد تصدت.. فى العام
الماضى لقرار التدريب التحويلى لبعض الفئات من موظفى
الدولة بقصد تأهيلهم للعمل كمدرسين فى المدارس الحكومية..
فإننا نقف اليوم ضد تحويل الموظفين.. إلى مبتسمين..
الابتسام لن يحل المشاكل..
الابتسام سيحول الموظفين إلى عالم من المجانين..
الناس فقدت ثقتها فى سياسة الحكومة.. وكل واحد راح لحاله
لمتابعة.. كرة القدم التى تجرى بين الحريم!
هل هذه المباريات.. حلال؟.. واحد يسأل..
هل يجوز للمسلم أن يبحلق فى حارسة المرمي؟. واحد تانى
يستفسر!
يرى البعض أن الحكومة لم تسمح للمرأة بتعاطى كرة القدم
فحسب.. وإنما هى نقلتها على شاشات التلفزة.. مما يتيح
الفرصة لبحلقة الرجال فى اللاتى يهرولن على أمواج النسيم..
وهن يسددن الكرات العالية.. فى المرمي..
وبالتالى صرفت الأنظار عن محاكمة القضاة.. وإضراب أساتذة
الجامعات.. واحتقان النقابات.. وغليان الشوارع..
بمعنى أن الحكومة تثير الشهوات من أجل مصالحها فى استكمال
الإنجازات.. وهى تعلم أنه ليس من السهل متابعة مباريات كرة
القدم النسائية.. وحركات الأرداف فى الملاعب.. مع غض
البصر..
إذ كيف للمواطن الصالح أن يغض بصره.. وهو يرى أمامه ما
يقتضى الصيام وعتق الرقاب وإطعام المساكين.. ناهيكم عن
الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير؟!
ويعتمد أصحاب هذا الرأى على ما يسمى ب لذة العين.. على
أساس أن العين إذا رأت.. أشتهى القلب.. وإذا اشتهى القلب..
اشتهى الجسد.. والعياذ بالله..
وكأن فرق كرة القدم النسائية.. لا تضم إلا نانسى عجرم
ونرمين الفقي.. وهيفاء وهبي.. وغيرهن.. من صاحبات القوام
الرفيع!
وحتي.. لو كانت نانسى عجرم.. هى التى تسدد الكرات فى
الملاعب فالمفروض ألا يثير ذلك الشهوات.. لأن كرة القدم
تعتمد على حركات الكر والفر فى الحروب.. وبالتالى فأنت لا
تفرق عند متابعتك للمباراة بين ساق هيفاء وهبى وساق مارى
منيب.. أو سيقان جنود الأمن المركزي!!
المهم.. اللعبة الحلوة..
الغريب فى الموضوع أن الأصوات التى تدعو لمنع الرجال من
متابعة مباريات كرة القدم النسائية.. ترى أن إدمان الرجال
على مشاهدة هذه المباريات لا يقل خطرا عن انفلونزا
الطيور!!
وأن هذه الإنفلونزا سوف تنتشر بين الرجال والشباب..
بالعدوي.. لأن كرة القدم من الأمراض المعدية.. وهى تنتقل
بين الناس.. كالأمراض النفسية.. بالاحتكاك المباشر.. فما
بالك إذا كانت المرأة هى التى تحتل الملاعب؟!!
وأدلى رئيس لجنة الشئون الدينية بمجلس الشعب بدلوه.. وقال
إن كرة القدم النسائية جائزة شرعا.. بشرط عدم التبرج وستر
العورة. وعدم الاختلاط الذى يؤدى إلى الاحتكاك.. وأن تمارس
الرياضة فى مكان مصون لا يراهن فيه الرجال..
وقال الدكتور أحمد عمر هاشم إن الرسول صلى الله عليه وسلم
عندما تسابق مع أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها..
فى الجري.. سبقها هو مرة.. وسبقته هى مرة.. وقال لها : هذه
بتلك..
وأضاف الدكتور هاشم أنه يجوز تنظيم دورى كرة قدم نسائي..
بناء على ما توافر فيه من شروط شرعية.. ومنها منع الرجال
من دخول النادى للمشاهدة.. والتزام النساء بارتداء ملابس
واسعة.. وأن يتولى التدريب نساء أيضا.. فالأصل فى
الأشياء.. الإباحة.. مع ستر العورات.. وهو الأساس..
ومعنى هذا الكلام أنه لا يجوز نقل مباريات النساء على
شاشات التليفزيون التى قد تقع تحت عيون هواة البحلقة من
الرجال.. لأنه إذا كان من الممكن منع الرجال من دخول ستاد
الكلية الحربية أو استاد القاهرة أثناد المبارايات
الحريمي.. فكيف يمكن التحكم فى تليفزيونات المنازل؟!
ومعناه أيضا إفساد مخططات الحكومة بصرف أنظار الشعب عن
قضايا الفساد.. وهروب المفسدين.. بإذاعة مباريات كرة القدم
النسائية..
وعلى أى حال فإن القضية لا تزال.. كغيرها.. محل جدل
ونقاش..
.. البعض معها.. والبعض ضدها.. فى الوقت الذى تسجل فيه
محاضر الشرطة العديد من حالات ضرب الزوجات للأزواج..
الزوجة.. تضرب الموظف.. والحكومة.. تدربه على أن يبتسم..
بالمناسبة.. للعقيد القذافى رأى فى الرياضة يتلخص فى أن
الرياضة كالصلاة.. إما أن تكون فردية.. ويؤديها الشخص
وحده.. وفى مكان مغلق.. وإما أن تكون جماعية.. وفى مكان
مفتوح.. وتجرى على الملأ.. كما فى صلاة الجماعة..
ويمضى الأخ العقيد إلى القول:
النوع الأول يتعلق بالفرد وحده.. أما الثانى فهو يتعلق
بالبشر وعليهم جميعا ممارسته.. ولا ينبغى استبعاد أحد..
فالكل يلعب.. ولا يجوز فى هذه الحالة اللعب بالنيابة كأن
تقوم مجموعة باللعب نيابة عن جمهور المشاهدين.. الأمر الذى
ينطبق على الأكل أيضا.. فمن الخبل والعته أن تطلب مجموعة
من الناس من مجموعة أخرى أن تأكل نيابة عنها.. أو أن تدخل
المجموعة الأولى إلى المطعم لتأكل.. وتدخل معها المجموعة
الثانية كى تتفرج عليها وهى تأكل..
على أى حال نحن ندعو الله سبحانه وتعالي.. أن يأتى اليوم
الذى تصبح لنا فيه فرقة كروية نسائية.. نناطح بها الأمم..
ونتحدى بها عروش الكرة..
يارب..
نحن نستطيع احتمال الجوع.. والحزب السرمدى والحرمان
وطوابير رغيف البردقوش ولكننا لا نحتمل الحياة بلا فريق
نسائى لكرة القدم..
نحن لا نطلب المستحيل.. ولا نطلب كباب حلة..
طبق فول مدمس.. يكفي.. يارب!