لابد من صنعاء وإن طال السفر تلك العبارة الشهيرة ظلت
تراود مخيلتى منذ أن اتصل بى الصديق الشاعر اليمنى على
المقرى يدعونى للمشاركة فى ملتقى صنعاء الثانى للشعر
العربى الجديد، ذلك الملتقى الذى جاءت دورته الأولى مواكبة
للاحتفال بصنعاء عاصمة ثقافية للوطن العربى فى أبريل 2004،
بدعوة من الأديب خالد عبدالله الرويشان وزير الثقافة
والسياحة اليمني.
ولأننى ممن يعشقون السفر فإننى جهزت نفسى لرحلة مختلفة،
وهذا ما حدث بالفعل منذ أن صعدنا إلى سلم الطائرة مع الوفد
المصرى الذى ضم مجموعة متميزة من النقاد والشعراء كان على
رأسهم الناقد د. صلاح فضل والناقد د. محمد عبدالمطلب
والشعراء حلمى سالم وأحمد الشهاوى وعزمى عبدالوهاب ومصطفى
عبادة وكريم عبدالسلام وفارس خضر وفاطمة ناعوت ونجاة على
وهبة عصام الدين ولحقت بنا بعد ذلك هدى حسين، وقد خففت هذه
الصحبة كثيرا من وعثاء السفر وعند هبوطنا من الطائرة
قابلتنا صنعاء بطبيعتها التاريخية الضاربة فى جذور
الأسطورة، من خلال مبانيها ذات الطراز الواحد الموشاة
بنقوش تمتد جذورها إلى الممالك القديمة من حمير وسبأ،
بالإضافة إلى العمارة الإسلامية، التى تبرز فى نقوش
النوافذ والأبواب إنها عمارة التاريخ التى تتسم بالبساطة
وتشبه إلى حد كبير ما حاول تنفيذه شيخ العمارة المصرية حسن
فتحى تحت مسمى عمارة الفقراء، وإن تميزت البيوت اليمنية
بالغنى الحضارى فنادرا ما تجد مسكنا مبنيا على الطريقة
الحديثة اللهم إلا فى حدود ضيقة للغاية، فوحدة البناء
المعمارى ترافقها وحدة الحفاظ على الزى الرسمى تعبيرا عن
الحفاظ على التقاليد العربية الرصينة.
عبق التاريخ بالإضافة إلى ذلك فإن الشخصية اليمنية حين تقترب منها
تحس بما يمكن أن يسمى ب الجوار الروحى حيث التقارب فى كثير
من الطباع مع الشخصية المصرية، وهناك حب خاص لمصر، وعلى حد
تعبير أحد الشعراء اليمنيين فإن كثيرا من الخصال المصرية
والتاريخ المصرى يسكن فى اليمن، فهناك نصب تذكارى للجندى
المصرى فى وسط مدينة صنعاء والذى أقيم تخليدا لذكرى
الشهداء المصريين الذين شاركوا فى حرب اليمن فى الستينيات
من القرن الماضي، وهناك شوارع فى قلب العاصمة اليمنية تحمل
أسماء لزعماء مصريين خاصة جمال عبدالناصر فأكبر مدرسة
ثانوية هناك تحمل اسم مدرسة جمال عبدالناصر الثانوية، وإذا
أردت أن تقرأ صفحات التاريخ اليمنى فإن زيارة واحدة إلى
بوابة اليمن التى تقع على أطراف صنعاء تكفى لمعرفة ما
تحمله المدينة من جينات حضارية مميزة.
وبالتوغل فى شوارع السوق القديم المعبقة برائحة البن
والزعتر والتوابل، مما يذكرنا بما كانت تقوم به مدينة
صنعاء القديمة من احتواء حضاري، حيث كان هذا السوق رباطا
تجاريا قويا يربط الشمال بالجنوب ويجتمع فيه التجار
القادمون من الهند والصين ودول جنوب آسيا، بالإضافة إلى
تجار الشمال القادمين من مصر والشام والدول الأوروبية،
وهذا يذكرنا بالسورة القرآنية الكريمة لإيلاف قريش إيلافهم
رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من
جوع وآمنهم من خوف، فقد كانت القوافل تأتى إلى هذا السوق
فى رحلة الشتاء محملة بالبضائع من كل صوب وحدب، ثم تخرج
بما لذ وطاب من البضائع الأخري، وكذلك كانت تفعل السفن
التى تخترق البحر الأحمر والمحيط الهندى لترسو على شواطيء
عدن.
أبناء البردوني وعلى المستوى الثقافى إذا ذكر اليمن فإنه تتبادر إلى
الذهن مجموعة من الأسماء البارزة فى عالم الأدب والتى رسخت
لفكرة الحداثة على مستوى الرؤية وعلى مستوى الشكل التعبيرى
أمثال البرّدونى ومحمد عبدالولى ومحمود الزبيرى وعبدالعزيز
المقالح والذى يتبنى الآن التجربة الشعرية الجديدة، ويكتب
عنها بدأب شديد دون نفى لها بل يصفها دائما باسم القصيدة
الأجد، ونراه دائما يحتفى بكل قصيدة نثر تكتب هناك، على
خلاف كثير من الشعراء الكبار عندنا الذين حاربوا هذه
القصيدة بأطرها التجريبية، لكن المقالح يضرب لنا مثلا
واضحا فى الاحتواء ومحاورة الآخر، ويملك من قناعة الرؤية
ما يجعله قادرا على الاعتراف بهذا الشكل الإبداعى بأنماطه
التجريبية.
لذا كان تكريمه فى الملتقى الأول تعبيرا عن هذا الجهد
المتفرد والذى مازال يقوم به من خلال مركز الدراسات
والبحوث اليمنى من خلال إصداره لمجموعة من الكتب التى
تناقش قصيدة النثر، وقد أهدانى الصديق الشاعر محمد حسين
هيثم نائب رئيس المركز والأمين العام الأسبق لاتحاد كتاب
اليمن، عدة دراسات فى هذا الصدد منها كتاب الناقد العراقى
د. حاتم الصكر عن قصيدة النثر فى اليمن بالإضافة إلى عدة
دواوين أصدرها المركز للشعراء الجدد.
تجارب جديدة وربما جاء المحور النقدى الذى أقيم لمناقشة قصيدة
النثر فى اليمن وشارك فيه مجموعة من الباحثين والشعراء
أمثال محمد الشيبانى وأحمد السلامى وإبراهيم طلحة ود. صبرى
مسلم وعلى ربيع ليطرح كثيرا من الإشكاليات حول الشعر
الجديد هناك، بالإضافة إلى الأصوات الشعرية اليمنية
المبشرة والمترسخة أمثال على المقرى وعبدالكريم الرازحى
وسوسن العريقى وعبدالوهاب الحراسى وصلاح الشامى ومحمد
القعود، ونبيلة الزبير وعلى الدهيس وعمرو الأريانى ونادية
مرعى وهدى أبلان الأمين العام لاتحاد الكتاب اليمنيين، وهى
صاحبة تجربة متفردة على مستوى الكتابة والإدارة أيضا.
وهنا تضرب اليمن مثلا صادقا على تفرد تجربة المرأة العربية
على مستوى الإبداع، فرغم أن المجتمع اليمنى مجتمع تقليدى
محافظ ككثير من المجتمعات العربية إلا أن تجربة الإبداع
النسائى هناك تضرب بجذورها فى الواقع الاجتماعى لترصده
وتناقشه عبر قصائد تمتح من ماء الحداثة.
والظاهرة التى تستحق الإشادة هناك بحق هى ما يقوم به خالد
الرويشان وزير الثقافة من نشر أعمال المبدعين الشباب، ونشر
الأعمال الكاملة لشعراء الأجيال السابقة، بالإضافة إلى نشر
بعض دواوين للشعراء الشباب العرب، والذين توافدوا على
الملتقى الثانى من كل صوب وحدب من العراق وتونس والجزائر
وسوريا والبحرين والسعودية والكويت والإمارات والأردن
ولبنان وسلطنة عمان وليبيا ليشهدوا منافع لهم حيث قصيدة
النثر تتحول من الهامش إلى المتن، جاءوا ليعرضوا قضيتهم من
خلال قصائد تجريبية بعيدا عن التنظير النقدى والنظريات
المعلبة.
وجاء تكريم الناقد الكبير د. كمال أبوديب ليؤكد المنحى
الذى اتخذه الملتقى فى تكريم رواد الحداثة العربية.
ويبقى أن نشير إلى ضرورة إقامة مثل هذا الملتقى سنويا وهو
ما أكده البيان الختامى للدورة الحالية، كذلك ضرورة تعميم
مثل هذه الفكرة على مستوى الدول العربية، بدلا من الإقصاء
المتعمد للتجارب الجديدة، وفى تجربة اليمن ووزير ثقافتها
المثل والقدوة، حتى لا نسير فى واد وعربة التاريخ فى واد
آخر.