يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1278 ( 17 - 24) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

الأبعاد السياسية والاقتصادية لتأميم النفط والغاز فى بوليفيا

 
 

ضربة موجعة للاستراتيجية الأمريكية البترولية والأمنية

 
 

د. ألفونس عزيز

 

  محاولات البلدان النامية للسيطرة على مواردها الطبيعية تعدها الرأسمالية العالمية من قبيل الأعمال العدوانية على مصالحها، ولا يغفر لها الاستعمار العالمى ارتكاب هذه الخطايا!
والتاريخ يزخر بالكثير من الأمثلة على ردود الأعمال العنيفة والسلوك الوحشى من جانب الاستعمار العالمى تجاه البلدان النامية التى تتجرأ وتحاول أن تسترد حقوقها فى السيطرة على مواردها الطبيعية وتوجهها لصالح شعوبها.
فمثلا فى أوائل الخمسينيات من القرن الماضى عندما أعلن محمد مصدق، رئيس وزراء إيران الأسبق، تأميم البترول الإيراني، انقضت عليه الولايات المتحدة، الوحشى ودبرت انقلابا عسكريا ضده، قاده أحد عملائها من جنرالات الجيش الإيراني، وأزاحت الرئيس مصدق عن الحكم، وأعدمت وزير خارجيته الدكتور حسين فاطمي، وأيضا عندما أعلن الرئيس عبد الناصر تأميم قناة السويس فى عام 1956 لم تتحمل القوى الاستعمارية وقع هذا النبأ الذى نزل عليها كالصاعقة فقامت الدول الثلاث انجلترا وفرنسا وإسرائيل بالعدوان على مصر، ولكنه فشل بفضل صلابة عبد الناصر وصلابة الشعب المصرى ووقوفه وراءه واستعداده للمقاومة الوطنية ومساندته للجيش فى معركته، وأيضا بفضل مساندة الاتحاد السوفيتى والذى بدأ يدخل معترك السياسة الدولية منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، واستطاع نظامنا الوطنى التقدمى دحر العدوان، ومنذ ذلك الوقت أصبح دخل قناة السويس ممن النقد الأجنبى موردا ماليا أساسيا لاقتصادنا.
وبالأمس القريب عندما أعلن الرئيس الفنزويلى هوجو شافيز تأميم بترول بلاده وتوجيه عوائده للإنفاق على الشعب الفنزويلى فى مختلف مجالات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية وتمويل مشروعات التنمية، بدلا من استحواذ الشركات الأجنبية الجشعة على هذه العوائد، وتكديس الثروات فى خزائنها وتوزيعها على عملائها من الأجانب والمحليين، بادرت الولايات المتحدة بتبدير المؤامرات والاعتداءات للتخلص من الزعيم الفنزويلى ولا تزال حتى يومنا هذا تخطط للإطاحة به.
وهناك الكثير من الأمثلة، سواء فى الماضى البعيد أو القريب أو فى الوقت الحاضر، على التدخلات الوحشية للاستعمار العالمى لضرب أى حركة وطنية، يقوم بها أى بلد نام للسيطرة على موارده الطبيعية، وتتراوح هذه التدخلات من تجييش الجيوش، إلى تدبير الاغتيالات والانقلابات، وإلى استخدام الأمم المتحدة لفرض العقوبات على نظم الحكم الوطنية التقدمية.

تأميم النفط والغاز فى بوليفيا:
فى الاحتفال بعيد أول مايو الجاري، أعلن الرئيس البوليفى إيفو موراليس اليسارى التوجه، تأميم النفط والغاز فى بلاده؛ فقامت الدنيا ولم تقعد وكشرت الولايات المتحدة عن أنيابها وأبدت قلقها وانزعاجها الشديدين، وأعلنت أن هذا الإجراء يسبب اضطرابا كبيرا فى السوق العالمى للبترول، وحقيقة الأمر فإن أحد الأسباب المباشرة لقلق الولايات المتحدة إنما يتمثل فى أن إعلان الرئيس البوليفى هذا القرار جاء مباشرة بعد اجتماع عقده مع الرئيس الكوبى فيدل كاسترو والرئيس الفنزويلى هوجو شافيز، والأمر الذى يعنى قيام محور جديد فى أمريكا اللاتينية يضم كوبا وفنزويلا وبوليفيا، التى تقوم فيها نظم حكم يسارية ووطنية تقدمية، تعرف طريقها جيدا لتحقيق استغلالها الاقتصادى وإبعاد السيطرة الأمريكية عن مواردها الطبيعية.
ويزيد من انزعاج الولايات المتحدة أن هذا المحور الجديد قد يستقطب دولا أخرى تقوم فيها أيضا حكومات وطنية تقدمية، مثل البرازيل والأرجنتين وشيلي، كما يمكن أن تكون هناك على الطريق دول أخرى من المتوقع أن ينجح فيها المرشحون اليساريون فى انتخابات الرئاسة القادمة فى بلادهم مثل بيرو ونيكاراجوا والمكسيك، وقد تفكر هذه الدول فى الانضمام أيضا إلى المحور المشار إليه.
وفى تعليقها على هذه الأحداث أشارت جريدة نيويورك تايمز الأمريكية إلى أن هوجو شافيز لم يعد وحده هدفا رئيسيا للولايات المتحدة للإطاحة به، بل انضم إليه الرئيس البوليفى كهدف رئيسى آخر سوف تعجل الولايات المتحدة بالإطاحة به أيضا.
ومما يزيدد من قلق الرأساملية الأمريكية أن بوليفيا تحتل المرتبة الثانية فى أمريكا اللاتينية بعد فنزويلا من حيث حجم احتياطى الغاز بها، أيضا مما يزيد من قلق دوائر استعمارية أخرى أنه يعمل فى بوليفيا فى قطاع النفط والغاز 20 شركة أجنبية من أهمها شركتا بريتش جاز وبريتش بتروليم البريطانيتين، وشركة توتال الفرنسية.
إزاء هذا الوضع وإلى أن تتاح للولايات المتحدة الفرصة لإزاحة الرئيس البوليفي، تلجأ إلى بث الفرقة وإحداث الوقيعة بين بوليفيا وبعض جاراتها، فمثلا حاولت الولايات المتحدة الإيقاع بين بوليفيا والبرازيل حيث تمتلك الأخيرة شركة بترو براس والتى تعد أكبر شركة تعمل فى مجال الغاز فى بوليفيا، بالإضافة إلى أن البرازيل تعد أكبر مشتر للغاز البوليفي، لكن هذه المحاولة لم تفلح، إذ عقد رؤساء بوليفيا والبرازيل والأرجنتين وفنزويلا اجتماعا لمناقشة النتائج التى قد تترتب على تأميم الغاز البوليفي، واتفق الرؤساء الأربعة على الأسس التى تحدد بموجبها أسعار الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى ضمان تدفق لبلدان أمريكا اللاتينية، ودافع الرئيس البرازيلى عن حقوق بوليفيا فى السيطرة على مواردها الطبيعية وفى الدفاع عن شعبها الفقير.

القرار البوليفى يأتى فى إطار رفض السياسات النيوليبرالية:
ومما يزيد من أهمية أبعاد القرار البوليفى إعلان الرئيس البوليفى أن هذا القرار يأتى فى إطار رفض بوليفيا للسياسات النيوليبرالية التى تفرضها الرأسمالية الأمريكية ومن ورائها المؤسسات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد الدولى والبنك الدولى ومنظمة التجارة العالمية، تلك السياسات المعروفة بسياسات التكيف الهيكلي، والتى يتمثل جوهرها فى إطلاق الحرية الكاملة لآليات السوق فى تحديد اتجاهات الاستثمار والإنتاج، وإطلاق حرية تحديد السياسات النقدية والمصرفية والجمركية سياسات الأجور وتصفية شركات القطاع العام.. إلخ، وحيث أعلن الرئيس البوليفى أن هذه السياسات النيوليبرالية تقف وراء إفقار شعوب البلدان النامية وتردى أحوالها الاقتصادية والاجتماعية..
وترتيبا على رفض الفكر النيوليبرالى أعلن الرئيس البوليفى أن عوائد النفط والغاز ستوجه لتمويل خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية بهدف إعادة هيكلة الاقتصاد البوليفى والارتقاء بمستوى معيشة الفقراء.
مثل هذا التوجه التنموى من جانب الحكومة اليسارية الجديدة فى بوليفيا يزعج مختلف القوى الاستعمارية وذلك أن نجاح التجربة البوليفية، بالإضافة إلى نجاح التجربة الفنزويلية سوف يشجع دولا أخرى ليس فقط فى أمريكا اللاتينية ولكن فى بلدان أخرى فى آسيا وإفريقيا على محاكاة مثل هذه التجارب، الأمر الذى يؤدى حتما فى النهاية إلى إضعاف سيطرة الرأسمالية العالمية على الاقتصاد العالمي.

تعثر الاستراتيجية البترولية الأمريكية:
تعد الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة على السوق العالمى أهم بنود الاستراتيجية الكونية الأمريكية للسيطرة على العالم اقتصاديا وسياسيا.
ومن هنا فإن الولايات المتحدة تحرص تماما على إنجاح استراتيجيتها البترولية.
ولكن فى المرحلة الحالية تمر الولايات المتحدة بظروف صعبة تضعف من فرص نجاح استراتيجيتها البترولية، فمن ناحية فإن فشل الغزو العسكرى الأمريكى للقضاء على المقاومة الوطنية فى العراق يعوق الولايات المتحدة عن تحقيق هدفها فى السيطرة الكاملة على البترول العراقي..
ومن ناحية ثانية لم تحقق الولايات المتحدة أى نجاح فى التعامل مع إيران بسبب الملف النووي، وبالتالى تعثرت خططها فى استغلال النفط الإيراني، أيا كان شكل الاستغلال الذى تخطط له الولايات المتحدة.
ومن ناحية ثالثة فإن طموحات السياسات البترولية لكل من الصين وروسيا يحد تماما من فرص إنجاح الاستراتيجية البترولية الأمريكية؛ فالصين مدفوعة بتحقيق معدلات نمو عالية سعد لضخ استثمارات كبيرة من خلال اتفاقات عديدة عقدتها مع بعض دول أمريكا اللاتينية ودول إفريقية من أجل ضمان تدفق البترول إليها لتنفيذ مشروعاتها التنموية، كذلك تضخ روسيا استثمارات ضخمة فى مشروعات استغلال حقول البترول فى أراضيها ومد أنابيب البترول والغاز الطبيعى لتغطى شبكة واسعة من البلاد تمتد شرقا للصين وغربا لأوروبا..
فى ظل هذه الظروف الدولية غير المواتية لإنجاح الاستراتيجية البترولية للولايات المتحدة يأتى تأميم النفط والغاز فى بوليفيا، والتنسيق مع فنزويلا فى هذا الصدد، ضربة موجعة إضافية لاستراتيجية الولايات المتحدة لتحقيق سيطرتها على البترول العالمي، وبالتالى ضربة موجعة لاستراتيجية الأمن القومى الكونية للولايات المتحدة..
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة