في كارثة إنسانية نادرا ما نشاهد مثلها علي شاشات
الفضائيات، يرقد مئات المواطنين علي الأرصفة والطرقات دون
مأوي أو ملجأ بعدما شردوا وهدمت منازلهم بالقوة الجبرية في
حي زينهم بدائرة السيدة زينب، وعلي الرغم من أن القرار
المعلن من قبل الحكومة ومحافظة القاهرة ورئاسة الحي من
وراء هذا الإخلاء القسري هو تطوير العشوائيات بمنطقة زينهم
إلا أن هناك ما يزيد علي 200 أسرة، ما زالت تسكن الأرصفة
والشوارع منذ ما يزيد علي 20 يوما.
فيما لا تزال أعمال الهدم والإخلاء مستمرة يؤكد المواطنون
الذين رفضوا إخلاء أكشاكهم ومساكنهم وبقوا في الشوارع أنهم
قد تعرضوا لأقصي درجات الضرب والإهانة بأيدي رجال الشرطة
وأن أوضاعهم قد وصلت إلي ما لا يحمد عقباه بعد أن بدأت
الأمراض والأوبئة في الانتشار بين الكتل البشرية التي
تنتشر علي جانبي الطريق، هذا بينما وعدتهم المحافظة والحي
بوحدات سكنية بديلة حصل بعضهم عليها لكنهم وجدوها أشبه ما
تكون بالخرابات المعدومة المرافق.
ويؤكد أيضا سكان منطقة طولون بحي زينهم أنهم فوجئوا
بعمليات الإخلاء والهدم دون أن ينذرهم أحد، وقالت زينب
محمد السيد: إنهم طلبوا منا إخلاء منازلنا وأكشاكنا خلال
نصف ساعة، ثم أخذوا أمتعتنا وأثاثاتنا وألقوا بها في
الشارع واعتدوا علينا بالضرب والسب أثناء هذه العمليات
وأصيب عدد كبير منا بإصابات كثيرة، وما نجد أمامنا سوي
الشارع لكي نسكن فيه بهذا الشكل واضعين كل ما نملك من
بطاطين وأغطية فوق رءوسنا حتي تحمينا من البرد وتستر
عوراتنا.
أما الذين حصلوا علي وحدات سكنية بديلة وذهبوا لمعاينتها
فيؤكدون أنهم وجدوها غير صالحة للاستخدام الآدمي وعبارة عن
شقق مساحتها لا تزيد علي 34 مترا خصصت الواحدة منها لأكثر
من أسرة ومعدومة المرافق وخالية من الأبواب والشبابيك،
لذلك فضلوا البقاء والرقود في الشارع علي ألا يذهبوا إليها
ليعيشوا بها.
وقال محروس إبراهيم أحد المتضررين من عمليات الإخلاء
القسري: أخرجونا من أماكننا وضربونا يوم الهدم وألقوا
بأمتعتنا وملابسنا في الشارع، وبقيت أنا وزوجتي وابني منذ
14 يوما ونحن نسكن في الشوارع بلا مأوي، والأكثر من كل هذا
فعندما يحاول أحد من المتضررين أن يتكلم أو يتصدي لما تقوم
به مباحث قسم السيدة زينب فيكون مصيره هو الحبس أو الضرب،
حتي النساء أيضا لم يسلمن من أذي الشرطة أثناء عمليات
الإخلاء فالفتاة زينب مجدي وهي لم تبلغ من العمر الخامسة
عشر عاما أصيبت بجروح وكدمات عديدة بالوجه كما كانت السيدة
زينب عيد من ضحايا أعمال الضرب والعنف التي نفذتها الشرطة
في منطقة طولون والتي فقدت جنينها الأول في أسوأ عملية
إجهاض من نوعها، دفعت رئيس المباحث إلي الاعتذار بعد تأكده
من إجهاضها نتيجة الضرب في منطقة البطن.
أما حسين إبراهيم إبراهيم فهو الآخر أحد أفراد الأسر
المنكوبة فيؤكد استخدام الشرطة والمباحث بأوامر من محافظة
القاهرة ورئاسة حي السيدة زينب لعنصر المفاجأة أثناء
عمليات الإخلاء فيقول: كنت أزور زوجتي في المستشفي وحينما
رجعت وجدتهم قد هدموا مسكننا وأخرجوا محتوياته إلي الشارع،
وهو ما دفعني إلي الذهاب إلي الحي في حالة ذهول وغضب إلا
أنهم هددوني وأخذوا مني قسيمة الزواج والأوراق المطلوبة
وقالوا لي سوف تأخذ وحدة سكنية بديلة بمنطقة النهضة خلال
أيام لكنني لم أحصل علي شيء حتي الآن.
ولم تختلف مأساة محمد علي عبد المقصود عن غيره من المشردين
في الشوارع، فيقول: زوجتي وحدها في المستشفي وأبنائي
ينامون في الشارع وهم طلاب جامعيون سوف يكون الفشل هو
مصيرهم إذا ما استمرت حياتهم بهذا الشكل الفظيع، ولدي بنات
لا ينمن بالليل بسبب خوفنا من دخول البلطجية والمدمنين
عليهن أثناء الليل، فحياتنا باتت أسوأ من حياة المشردين في
الصومال وفي مجاهل قارة إفريقيا..