يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1277 ( 10 - 17) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

من حكم ارتداء قميص النوم..

 
 

إلي شرعية توريث الحكم!

 
 

عبد الستار حتيتة

 

 
قالت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، إن الرئيس مبارك يريد أن يضع الإدارة الأمريكية بين خيارين لحكم مصر من بعده، الأول هو التلويح بإمكان صعود التيارات الدينية الإسلامية إلي الحكم، والثاني هو توريث ابنه جمال الحكم. في عددها الصادر 4 مايو الجاري0
ولا بد أن نشير هنا إلي أنه كان من مظاهر ضعف الدولة العراقية قبل الغزو الأمريكي في عام 2003، انتشار الخزعبلات والشعوذة وظهور الفرق الدينية الشعبية التي أوهمت الناس بمزايا الصبر علي المكاره، والدعاة الرسميين الذين قتلوا كل أمل في التغيير وتداول السلطة بعيداً عن البيت الرئاسي لصدام حسين.
وفي مصر بدأت خلال السنوات الأخيرة موجة من الخرافات والتطرف وتعدد المراجع الدينية وانتشار التعصب والجدل الفارغ في وسائل الإعلام وفي الدواوين الحكومية بالقاهرة والمحافظات.. ويسير علي الجانب الآخر من هذه المظاهر الخطيرة سيناريو توريث الحكم بخطوات حثيثة!
والعامل المشترك بين العراق ومصر هو أن الدولة العراقية في السنوات الأخيرة لحكم صدام حسين لم تكن قادرة علي إدارة البلاد، ولا تلبية الحاجات الملحة للمواطنين، وهو الأمر نفسه الذي لاحظه العشرات من أعضاء الحزب الوطني الحاكم في مجلس الشعب وفي أمانات الحزب بالمحافظات، فلا وظائف، ولا رقابة، ولا تنمية، ولا محاسبة.
وحين رفع الإخوان المسلمون شعار "الإسلام هو الحل" في الانتخابات البرلمانية الماضية في مصر كادوا يفوزون بنصيب الأسد من مقاعد البرلمان، حيث أصبح اللجوء إلي الدين هو الحل الوحيد أمام المصريين للخروج من النفق المظلم للفقر والعنوسة والمهانة وحكم الفرد الأوحد.
وحتي أواخر التسعينيات من القرن الماضي حيث سنوات الضعف الشديد في العراق، كانت جماعة الإخوان المسلمين في بغداد والمحافظات الأخري أكثر نشاطاً من ذي قبل، خاصة مع تزايد الحصار الذي كان مفروضاً علي ذلك البلد العربي الذي كان فيما مضي رمزاً للتقدم العلمي والتحديث.
وفي العراق أيضاً ظهرت في العقد الماضي موجة دينية متطرفة تمارس نشاطها وكان تقود تلك"الموجة الإسلامية" فرق دينية لا تتورع عن تكفير بعضها البعض.
ومثل "هذه الموجة" بدأت تنتشر وتتوسع في التربة المصرية مع تزايد عدد العاطلين عن العمل وارتفاع أسعار السلع الضرورية للملايين من المواطنين الفقراء ومن محدودي الدخل.. من جانب، وتنامي الخطاب الديني المتطرف، وضاعت في وسط هذا الخضم أي فرص حقيقية للحوار، وتم استبعاد كل مظاهر النقد الجاد، وانكمشت الحياة الحزبية والنقابية حتي تكاد تختفي ولا يبقي منها غير مجموعة جمال مبارك في الأمانة العامة للحزب الوطني.
وإذا كانت مجموعة جمال مبارك تعتقد أنه من السهل أن تقفز علي مقعد حكم الدولة عبر انتخابات رئاسية صورية يديرها البوليس والمتواطئون في بعض الأجهزة الأمنية الكبيرة، فإنه لا بد من التنبيه إلي خطورة هذه اللعبة التي ستدفع بالرافضين لمبدأ التوريث، إلي التيار البديل، والتيار البديل هو الجماعات الدينية المتطرفة التي أفرزتها سياسات الإفقار والقمع وقتل الأحزاب الشرعية.
وأدت سياسات المجموعة المسيطرة علي الحزب الحاكم في الأعوام الخمسة الأخيرة إلي انصراف الغالبية العظمي من المواطنين اليائسين إلي الفرق الدينية المتطرفة لمجرد أنها تزعم أنها تريد الحكم ب"كتاب الله وسنة نبيه"، وأن "الإسلام" و"تطبيق الشريعة" هما الحل.
ولن يصحو المصريون علي ما يبدو علي الخلافات الجوهرية بين تلك الفرق الدينية إلا بعد أن "تقع الفأس في الرأس"، وهو ما يعاني منه العراقيون اليوم.
ولم يكن المواطن البسيط في العراق - كما في مصر - يدرك أن هناك أي خلافات تصل إلي حد التكفير بين مدرسة الإخوان المسلمين ومرشدها العام مهدي عاكف، والمدرسة الجهادية برئاسة الشيخ أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري، ومدرسة أفندية الفضائيات وقاعات المحاضرات الرسمية الغربية برئاسة عمرو خالد، وطارق رمضان.
وشهد العراق قبل سنوات من الغزو الأمريكي لبلادهم موجة من تداول الكتيبات الدينية التي تتضمن الفتاوي مِن كل مَن هب ودب، وانتشار واسع لأشرطة الكاسيت التي تحمل خطباً ودروساً ممن يطلقون علي أنفسهم ألقاب "الشيخ" و"الأخ" و"العلامة".
وبعد فوات الأوان وجد الشعب العراقي أن الشيخ أبي مصعب الزرقاوي، وهو من مدرسة الشيخ بن لادن، يحمل السلاح ضد إخوانه في الدين، وعلي رأسهم الحركة الإسلامية الإخوانية برئاسة محسن عبد الحميد وصلاح الدين بهاء (الأخير كان ممثلاً للإخوان الأكراد!!)، اللذين شاركا في مجلس الحكم المعين من المحتل الأمريكي للعراق (الأول كان رئيساً للمجلس).
ووجد الشعب العراقي أن كلاً من الجهاديين والإخوانيين المتنازعين، يختلفان اختلافاً جذرياً عن الحركة السلفية المحافظة، وعن جماعة التبليغ والدعوة، وأن لكل منهم منهجه وتوجهاته وسلاحه الذي يرفعه في وجه الفصيل المخالف له، دون أن تكون هناك أي فرصة للحوار للخروج من الأزمة الطاحنة التي يعيشها الشعب العراقي المغلوب علي أمره.
هذا علي الساحة السنية فقط فما بالك والأمور تتطور إلي التناحر وهدم المساجد بين السنة والشيعة.
وفي مصر انتشرت في السنوات الأخيرة موجة طبع ونشر وتوزيع الكتيبات وشرائط الكاسيت واسطوانات الكمبيوتر التي تتضمن خليطاً من الدروس والخطب لتيارات دينية متفرقة ومتعارضة، ومع تراجع أي أمل في التغيير أو تداول السلطة، ازدادت حدة الظاهرة إلي درجة يمكن معها أن تجد الآلاف من الشباب ومن طلاب الجامعات قد انصرفوا عن الأحزاب، وأصبحوا يضعون مهدي عاكف وأسامة بن لادن وعمرو خالد في سلة إعجاب وافتتان واحدة، باعتبارهم تيارا إسلاميا موحد ضد الظلم والطغيان، علي الرغم من أن الجناح الجهادي في هذا التيار يعلن تكفيره للجناح الإخواني، والاثنان يختلفان عن الجناح السلفي الدعوي.
ويقول الدكتور أيمن الظاهري في الكتاب الذي وضع الإعداد له وعنوانه"الحصاد المر":ومما يؤسف له حشد الإخوان لآلاف الشباب المسلم المغرَّر به في صفوف الانتخابات وأمام صناديق الاقتراع بدلاً من حشدهم في صفوف الجهاد في سبيل الله تعالي كما أمرهم الله تعالي، فبدَّلوا أمر الله بأوضاع الكافرين وأنظمتهم".
ويري الظواهري في ذات الكتاب أن الإخوان تستخدمهم السلطة الحاكمة في ضرب قوي المعارضة، مشيراً إلي:"استخدام الملك فاروق للجماعة في ضرب حزب الوفد"، و"استخدام جمال عبد الناصر للجماعة في صنع شعبية الثورة حيث استثناها من قانون إلغاء الأحزاب"، و"استخدام السادات للجماعة في ضرب التيار الشيوعي والناصري باتفاق صريح"، و"استخدام حسني مبارك للجماعة في ضرب التيار المتطرف (الجماعات الجهادية)".
ولو كان كتاب الظواهري قد تم تأليفه في هذه السنة لتضمن بنداً آخر هو استخدام مجموعة جمال مبارك للإخوان المسلمين في طمس معالم الحياة الحزبية خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
علي الرغم من أن الكتاب ذاته يشير قي مواضع أخري إلي قيام الإخوان بعمليات تخريب واغتيالات، إلا أن الخلاف بين الجناح الجهادي والجناح الإخواني علي ما يبدو ينحصر في أن الجناح الأول يأخذ علي الإخوان ما أسماه طريقتهم في تحين الفرص بالتقرب من الحكام علي حساب المسلمين!!
وكما انتشرت في العراق مظاهر التدين والزعيق الخطابي في شرائط الكاسيت وفي كتيبات الجيب، انتشر في مصر الأمر ذاته، وزاد عليه مواقع الانترنت، ورسائل الإيميل، والصحف الخاصة الممولة من الخارج. وتستطيع أن تلتقي في عربات مترو الأنفاق بسيدات منقبات يتشحن بالسواد وهن يوزعن أدعية دخول الحمام والخروج من البيت، وتفاسير دينية لشيوخ لا يعرف أحد متي أصبحوا شيوخاً ولا من أين جاءوا.
وفي الجامعات والمدارس والبيوت سوف تجد الحديث الديني المتطرف بين الزملاء والأخوة والأقارب والزوار يتناول الكثير من الأمور المضحكة التي لا تدخل في صلب الحياة العملية اليومية، من قبيل علاج مرض السكر بترتيل أدعية الشيخ الفلاني، والتبرك بالجلوس في حضرة الشيخة الفلانية، وفضل التوبة عن التمثيل، وحرمة العضوية في الأحزاب السياسية، وحكم ارتداء المرأة لقميص النوم أمام زوجها، والطريقة التي يتسلل بها الشيطان بين جسد الرجل وزوجته إذا لم يقرأ أي منهما الدعاء الخاص بالخلوة(أي بالممارسة الجنسية!).
وهذه الظاهرة المخيفة والغربية علي المجتمع المصري وتقدمه أصبحت موجودة بين كل شرائح المجتمع بفقرائه وأثريائه. وسوف تجد مثل هذا اللغط في التاكسي والميكروباص والحافلات والمؤسسات الخاصة والعامة بموظفيها وموظفاتها..
وبدلاً من البحث عن حل لحالة التردي الاقتصادي والسياسي والنقابي والاجتماعي في الدولة، ينصرف حديث غالبية المواطنين إلي الفساد الذي لا أمل في القضاء عليه وإلي توريث الحكم الذي أصبح قدراً قادماً لا فكاك منه، وإلي الغلاء الذي سيتفاقم، وإلي البطالة الجاثمة علي قلوب الخريجين الجدد. ثم يبتهل المتحدثون الساخطون علي نظام الحكم إلي السماء مطالبين بتقديم الحلول، وهم ربما لا يدركون أن السماء يمكنها أن تعاقبهم علي تراخيهم وركونهم إلي الحلول الجاهزة، وترسل لهم طائرات بي 52 التي تلقي بالقنابل المدمرة، كما حدث في العراق!
هل يوجد خطر علي كيان الدولة من هذه الفوضي والتخلف.. نعم يوجد خطر كبير. لكن من هو المستفيد من بذر الجهل والفتنة والشقاق علي الوطن. إنه العدو.. والعدو الذي يهمه أن يحطم أركان الدولة المصرية، كما حطم أركان الدولة العراقية، معروف بالاسم، وبالخطط والبرامج المعلنة:إسرائيل وأمريكا وال"لوبي" التابع لهما في مصر.
الأخطر من كل ذلك هو أن هناك في مصر طبقة موجودة في مؤسسة الحكم ترعي بقصد أو بدون قصد الفكر المتطرف وتتغاضي عن الملايين من كتيبات الجهل وشرائط الفتنة المعروضة علي الأرصفة بل إن برامج في التليفزيون الرسمي للدولة تعرض برامج وتفسح مساحات للشعوذة والتخاريف من قبيل حكم سماع الموسيقي واقتناء التماثيل والاشتغال بالفن وشرعية خروج المرأة إلي العمل.. الخ.
وتوجد مقار مشبوهة ومعروفة للأجهزة المعنية في الدولة يتم فيها ممارسة كل ما فيه تهديد لأمن الدولة، ولا أحد يقترب منها، أو يسائلها أو حتي يردها للصواب، علي الرغم من مخالفتها لأحكام القانون وللدستور وللاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر. وكأن هناك "لوبي" خفي يقوم بعملين في وقت واحد، الأول هو تسفيه كل ما هو جاد، والثاني هو تقديم كل أمر سفيه باعتباره قضية جادة0
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة