بعد أحداث المنيا السابقة والتي قتل فيها 10 أشخاص سارعت -
في الحال - الأجهزة الأمنية بوصف السفاح الذي ارتكب
الجريمة بأنه متخلف عقليا أو مختل عقليا، وأيضا بعد أحداث
الإسكندرية التي تم الاعتداء فيها علي ثلاث كنائس، أيضا
وكالعادة.. صرحت هذه الأجهزة بأن الفاعل مختل عقليا، هذا
الاتهام وهذا التصرف غير قانوني وغير علمي، إن الطب
والقانون يحتم إثبات ذلك بإيداع المتهم في مستشفي للأمراض
النفسية لمدة شهرين وملاحظته وكتابة تقرير طبي رسمي
وقانوني يفيد بحالة المريض، وعند ذلك فقد تتم محاسبة
ومحاكمة هذا المجرم، لقد أثارت هذه التصريحات المتعجلة
حفيظة الشعب الذي شعر بأن الدولة تستخف بعقله، خاصة بعد أن
أظهرت التقارير الطبية سلامة مختل المنيا، وأنه عاقل تماما
ومسئول مسئولية كاملة عن أفعاله الإجرامية، والغريب أن
يحدث هذا في ظل حكومة ذكية تقول إنها تعتمد علي العقل
والتحليل العلمي، فكيف تنزلق إلي هذه الهاوية الحضارية؟
وما موقف الحكومة والداخلية والأمن الآن بعد ثبوت عقلانية
هذا السفاح؟.. بعد أحداث الإرهاب الأسود في مدينة دهب..
يتسرع محافظ جنوب سيناء ويصرح بأن الموضوع فردي وبسيط ولا
ينتمي هذا الفاعل بفرض أنه فاعل واحد إلي تنظيمات
إرهابية.. حتي عدد المصابين والقتلي كان لا يدري عنه
شيئا.. أليس من الأفضل لهذا المحافظ أن يستقيل؟ حتي بعد
أحداث طابا.. تم التصريح بأن الفاعل أو الفعلة قاموا بهذا
التخريب بصفتهم الشخصية احتجاجا علي الوضع في فلسطين
وغزة!.
أما عن أحداث الإسكندرية ومحاولة إثارة الفتنة الطائفية،
فإن المسلمين قبل الأقباط يشعرون بهذا العار والكثيرون
منهم يعتذرون لإخوانهم الأقباط تجربة شخصية وعامة ويقولون:
نحن نحبكم، فنقول لهم والله العظيم نحن نحبكم أكثر.. وكلنا
في الهم والمعاناة سواء ونتحمل معا المصاعب ونتحمل الفساد
والنفاق وصعوبة لقمة العيش ونقوم معا بمحاولات يائسة
لإصلاح ما أفسدته الحكومات المتتالية، وبعد تكرار هذه
الأحداث الإرهابية ضد الوطن والمواطن والتي تفسد فرحته
بأعياده الدينية والقومية.. بعد كل هذا أقول للمصريين -
أيها المصريون انتبهوا - الخطر يحيط بالوطن، وآن الأوان أن
نتحد ونسعي إلي هدف قومي واحد، لصد هذا الغزو المتطرف من
أناس يرتدون عباءة الدين ولا يقرأون الكتب السماوية
الداعية للسلام ويعتمدون علي التفسير في بعض كتابات السلف
وأود أن أذكرهم بما قال الرسول - صلي الله عليه وسلم - لا
تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحِه،
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: رآنا رسول الله نكتب عنه
أحاديث نسمعها منه فسألنا: ماذا تكتبون؟ قلنا: أحاديث
نسمعها منك يا رسول الله، فقال: أكتاب مع كتاب الله؟ والله
ما ضلت الأمم التي قبلكم إلا بما اكتتبوا مع كتاب الله،
امحوا ما كتبتم.
أما عن الآيات المحكمة، فقد نزلت علي الرسول - صلي الله
عليه وسلم - حسب مناسبات وظروف تاريخية مختلفة تماما عن
الآن.. ولكنها تستغل الآن لأغراض تطرفية وسياسية بغية
استقطاب البسطاء من القوم واستنفار العداء لغير المسلمين..
ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا
(النساء: 83).
أما عن دور الحكومة.. فيا له من دور.. فالتعليم منذ عدة
عقود يقوم علي التلقين وحشو المعلومات مع غياب النشاط
الاجتماعي بين التلاميذ فليس هناك نشاط ثقافي أو رياضي أو
فني يجمع الطلبة معا بعيدا عن الحصص المدرسية ويخلق الألفة
والانسجام والمحبة بينهم ويقربهم لبعض ويجعلهم أعضاء فريق
واحد في مختلف الأنشطة الرياضية والفنية، هذا هو السبيل
الوحيد لزرع روح الود والتقارب بين الأجيال الصغيرة لأن
التعليم في الصغر مثل النقش علي الحجر وعندما يكبرون سوف
لا يفرقون بين بعضهم البعض، وبذلك تكون هناك تربية بجانب
التعليم.
أما عن الحصص الدينية فيجب أن تقتصر علي ما تجود به الكتب
الدينية من التسامح والخلق الرفيع والمحبة وقبول الآخر،
وهي مبادئ متفق عليها في جميع الأديان، والدارس المدقق
سيجد أقوالا وآيات هي بعينها أنزلها الله في جميع كتبه
المقدسة.. كما أن القدوة في أقوال ومواقف الرسول والراشدين
تكفي لبعث روح التسامح والدين الصحيح - أما التركيز علي
نقط الخلاف بين الأديان وانتقاد العقائد الجوهرية لكل
دين.. فهذا لا مجال له في المدارس، ولكن يناقش في مدرجات
الجامعات ودارسي علوم الفقه واللاهوت والأديان المقارنة
فقط.
أما قيام حزب التجمع بتأسيس لجنة للوحدة والوفاق الوطني،
التي تضم مسلمين وأقباطا، فهو عمل رائع وقدوة ونموذج يجب
أن يحتذي به في جميع الأحزاب، والنوادي والمصانع والصحف
والنقابات.. حيث سنجد في كل موقع أيادي متشابكة تأخذ علي
عاتقها نشر المودة والتقريب بين وجهات النظر وفض ما قد
يحدث من خلافات ومشاحنات بين الأفراد.
أما عن الإعلام.. فأنا أتهم المشرفين علي القنوات الأرضية
والفضائية بأنهم أحد الأسباب الرئيسية لإفساد المجتمع
وتشجيع الإرهاب.. وكانت وجهة نظرهم في العقدين الأخيرين هي
إلهاء الشباب العاطل وبقية الشعب عن مشاكل البلد ليعيش في
مناخ غير صحي يؤدي إلي الاكتئاب وبث المناظرات والبرامج
الدينية المتعددة التي تهاجم وتتهكم علي الأديان والعقائد
وتصفها بالكفر.. مما يعد سببا للدعوة إلي العنف ونبذ
المجتمع، ويمكن في مثل هذا الجو المشحون بالفساد الأخلاقي
والتطرف الديني أن يقع الشباب تحت تأثير من يغسل مخه
ويقنعه أنه بقتل الأبرياء سيكون من شهداء الإسلام وينعم
بخيرات الجنة.. وهذا يدعونا إلي تغيير الخطاب الديني
وإفراغه من سموم بعض الدعاة، في أماكن العبادة وجلسات دروس
الدين، وإقناع العامة بأن الدين ينزل لإسعاد البشرية وليس
لسفك الدماء دون تمييز أو توجيه الضربات إلي أهل الذمة
الذي أكد الإسلام حفظ حقوقهم وحماية معابدهم.
ولا أمل للإصلاح إلا إذا قام الرئيس شخصيا وبجرة قلم
بإعطاء الأقباط حقوقهم كاملة في الدولة في جميع مناحي
الحياة دون الدخول في تفاصيل معروفة.. كما أرجو من رجال
الرئيس النزول إلي الشارع والتوجه إلي الكنائس.. وملاحظة
التزاحم الشديد وجلوس المصلين علي السلالم.. لقد كانت
الكنائس في الماضي تقيم قداسا واحدا يوم الجمعة ويوم الأحد
ثم في الخمسينيات بدأت هذه الكنائس بإقامة قداسين يوم
الأحد لمواجهة ازدياد أعداد الأقباط.. ثم تطور الأمر إلي
رفع القداسات يوميا مرة أو أكثر لإتاحة الفرصة للمصلين..
بسبب قلة الكنائس.
عند هذا الحد من كتابة هذه الأسطر قرأت خبر محاولة مختل
عقليا الاعتداء علي الفنان عادل إمام وزملائه الفنانين..
أيضا مختل.. ويبدو أن الحكم في مصر قد أفرخ شعبا مختلا
عقليا.. ولذلك فأنا أنصح كل فرد في مصر بأن يحمل في جيبه
شهادة مختل عقليا.. فقد تنفعه في موقف ما يضطر فيه إلي
الاعتداء علي من يختلف معه، وهي بمثابة تصريح بالقتل.
وفي هذا الجو الذي أصبح فيه المجتمع المصري مختل عقليا..
صرحت الحكومة - مشكورة - بأنها بصدد تدريب عشرات الآلاف من
الموظفين علي الابتسام!.