يعجز القلم واللسان عن استخدام مفردات لغوية لبيان
وشرح وقائع ازدحم بها تاريخ المسلمين قديما وحديثا كشفت عن
عمق الفجوة بين الإسلام كفكرة مثالية ترسخ العدل والمساواة
والمحبة والإخاء وبين التدين البشري والفكر الإسلامي
المنبثق من توليدات عرقية وقبلية طائفية اصطحبت بالشعارات
الإسلامية وتقمصت دور المصلحين لإنقاذ ديار الإسلام من
ممارسات وأفكار سلطوية استحوذت علي عقول فئة اختزلت
الإسلام في فهوماتها، وأصبحوا هم رموز الإسلام بعد إقصاء
أهل الحكمة والرشد العقلي!! وكانت المعارك والفتن بين
المسلمين قد قادتها جماعات وحركات اتسمت باللسان الذاكر
والعقل الماكر!! وبذلوا مجهودات كثيفة لأسلمة البلاد
وإخضاع العباد بزعمهم، وهم في حقيقة الأمر كانوا يغرسون
بذور الفوضي لتكتوي الأمة بنار التشرذم والفرقة رغم وجود
قناديل مستنيرة في الفكر والسلوك إلا أن تأثيرهم بات خافتا
رقيق المعالم بعد أن تعرضت الأمة إلي لصوصية معرفية من
أناس التحفوا بالدين ليشعلوا الأرض بالصراعات بعد وفاة
النبي الأكرم، لتمتليء الساحة الإسلامية بغبار العداوة
والأنانية التي لا يصلح قلوبهم إلا هواؤها الفاسد، فداست
حقوق الآخرين لحساب أطماع دفينة وطائفية مقيتة.
وإذا كانت شمس الوطن تشرق علي البر والفاجر، ويفيض خيره
علي الأخيار والأشرار والسعداء والأشقياء، فإن الحرية
الفكرية والسياسية والتعبيرية ينبغي أن ينعم بها الجميع في
ضوء حقوق المواطنة التي تقوم عليها الدولة الحديثة، وليس
من حق فئة أو طبقة أن تهيمن علي الحياة الثقافية أو
السياسية بفرض أجندتها بالقوة أو الحيلة وإنكار حق الآخرين
- في الوطن أو الأرض عموما - في الوجود كما تريد العولمة
فعله الآن!! وكما كشف نوايا الإخوان تصريح غير مسئول من
أحد كبار قادتهم د. عصام العريان كما نشرته جريدة روزا
اليوسف في 7/4 حول مناداة الإخوان للرئيس مبارك بإطلاق
رصاصة الرحمة علي النظام الحزبي في مصر والتعددية
السياسية!! لكي يتسني لمصر الدخول في مرحلة انتقالية تمهد
لحياة ديمقراطية مستقرة؟!! وهو مؤشر علي انقلاب إخواني علي
الحياة المدنية والدستورية، إنه التناقض الموروث في الفكر
الإسلامي بين الشعار المرفوع والتطبيق غير المشروع!! ونقل
مفاهيم الإسلام من التسليم لله فيصبح الجميع أمامه سواسية
إلي التسليم بالحق المطلق لفئة أطالت السجود وأجادت القنوت
وارتفع صوتها بالقراءات للتشويش علي أسماع الآخرين فتلتبس
الرؤي علي الناس ولا يظهر في الكادر إلا من خاطبوا الوجدان
الشعبي بالمنهج التغييبي بعيدا عن العقل وموازينه في حتمية
العودة إلي النص الأصلي وتقديس حق العقل البشري في الفهم
وفق تكييفات بيئية ومجتمعية ومعرفية تتساوق مع العصر
الحاضر المعيش، بما يسهل تصفية الآخرين ليخلوا لهم الطريق
في تحقيق جموحهم الفكر ليرتوي ظمأهم الاستبدادي في تحويل
الناس إلي قطيع من الأراذل ينساقون وراءهم لتحطيم الموروث
الإنساني الثقافي والحضاري بنهم عجيب، أريد حياته ويريد
قتلي.. كلمة حكيمة قالها الإمام علي بن أبي طالب
لعبدالرحمن بن ملجم - الذي قتله بعد ذلك - وقد رأي أمارات
الغدر تفوح من تصرفاته وتعبيراته ونظراته، وهي ما تتماثل
مع التصريحات الإخوانية! وعلي الرغم من تحفظاتنا الكثيرة
علي ممارسات النظام الحاكم وطريقة إدارته للحياة السياسية
بتقزيم الأحزاب السياسية وتحجيمها من أن تعيد تنشيط
ذاكرتها الجماهيرية لتحقيق وجود إيجابي في الشارع السياسي،
بما يخدم تقدم الوطن ونهضته.
إلا أننا نحمد له اعترافه مع الأحزاب والقوي السياسية
بتنوعها الفكري والأيدلوجي بأحقية الإخوان في التواجد
السياسي رغم الحظر الورقي! إلا أن عقيدة الفوضي البناءة
التي تسربت جينيا إلي الأجيال الإخوانية من ظهر الخوارج
تأبي إلا الاستظهار رغم المحاولات المستميتة من الإخوان
للظهور بالغلاف الديمقراطي وقبول التعددية، وها هو تصريح
الدكتور العريان وحوار مرشد الإخوان مع الأستاذ سعيد شعيب
الأخير والذي امتلأ بالمساخر!! يفضح الوقائع والأحداث التي
نحتار في فهمها انطلاقا من الأرضية الإسلامية البعيدة عن
هذا العبث الفوضوي غير الرشيد، في تصور الإخوان الساذج
وجهلهم المركب بالخريطة الإقليمية والدولية ومعطياتها
الجديدة، أنهم سيأتون للسلطة بصناديق الاقتراع بعد إخلاء
الساحة من خصومهم السياسيين بإطلاق رصاصة الرحمة بعد حشوها
ببارود الإسلام هو الحل، وهو ما يعني تجذر النزعة الطائفية
وحب السلطة وكراهية الآخرين لدرجة اللعنة! لأن العوامل
الاجتماعية والعرقية والمعرفية التي تحكم الجين المستنسخ
من فترة الصراعات والفتن في العصر الإسلامي الأول حملها
أناس اتصفوا بالورع والتقوي خداعا وتدليسا لفرض أجندتهم
الفكرية وضرورة إقصاء الآخر حتي الإسلامي منهم واحتلال
مكانة دون سند شعبي أو شرعي!!، في مرحلة الانتقال
الديمقراطي فترة الإمام علي بعد المبايعات والمشاكسات
الإسلامية من صحابة كبار حول ما زعموه من حقوق دستورية
لهم!! قام ثلاثة من قادة حركة إسلامية علي رأسهم شيخ
القراء في مصر عبدالرحمن بن ملجم اليمني.. الذي عينه عمر
بن الخطاب شيخا للقراء بعد فتح مصر!! نظرا لإجادته
القراءات علي يد زعيم المجتهدين معاذ بن جبل (كما ذكر ذلك
د. عبدالله خورشيد في كتاب القرآن وعلومه في مصر - طبعة
دار المعارف 1970) واتفق مع آخرين يحملون نفس المشروع
لأسلمة المجتمع علي هواهم وفهمهم! لإطلاق رصاصة الرحمة علي
كبار قادة المسلمين الذين تحكموا - في ظنهم - في مقدرات
الساحة الإسلامية وكلهم من قريش الإمام علي ومعاوية وعمرو
بن العاص فأرادوا إقصاءهم للقفز علي الحكم في ظل نار
الفوضي الطائفية التي يدخل فيها الوطن، وعندما تمر الحركة
السياسية في مصر بمرحلة مخاض سياسي لميلاد حرية سياسية
تنكافأ فيها الفرص لقيادة المجتمع نحو التقدم يأتي الإخوان
بمشروع استئصالي للآخر كما فعل الخوارج في التاريخ
المفجوع!!.