المرضي النفسيون.. ليسوا في المستشفيات إنهم في كل مكان!
لا أحد يعرف علي وجه التحديد ما جري في مستشفي الأمراض
النفسية والعصبية في طنطا.
كل الذي عرفناه.. أن حريقا قد اندلع في الدور الثاني من
المصحة.. حيث كان الحكماء والعقلاء الذين تنبعث من ملابسهم
رائحة النفتالين.. يقومون بتطويرها وتجديدها وتحديثها..
لزيادة القدرة الاستيعابية من المرضي النفسيين.
وهذه المصحة تخدم ثلاث محافظات.. هي الغربية وكفر الشيخ
ودمياط.. ولا توجد في كل محافظة مصحة نفسية. وإنما توجد
مصحة واحدة لكل منطقة.. ليصبح من المتعذر علي أهالي المرضي
نقلهم أو زيارتهم!
لا توجد قطارات قشاشة ولا مواصلات.. الأمر الذي لا يقدر
عليه سوي أصحاب العبارات التي ترفع علم بنما!
كان في المصحة أثناء اندلاع الحريق 47 نزيلا.. و17 طبيبا
و60 من أعضاء هيئة التمريض.. ولم يكن من بين النزلاء سيدة
واحدة.. مما يعكس الخلل في تمثيل المرأة في المصحات
النفسية.
لا توجد سيدة مريضة.. ولا سيدة طبيبة وعلي رأي محمد عبد
المطلب يا حاسدين الناس.. ما لكم ومال الناس!
كما يعكس العمالة الزائدة.. إذا يزيد عدد الموظفين علي عدد
المرضي.. الذي يمضون ليلهم ونهارهم بين زئير الأسود وعواء
الذئاب.. وصياح النسور.. وهمهمة النمور.. البشرية!
المرضي.. هم الأقلية.. التي تعيش بمعزل عن أهاليها.. في
مصحة يباع فيها العرقسوس داخل كستبان!
أما الغالبية.. فهم من الأطباء الذين يتقاضي الواحد منهم
200 جنيه شهريا.. ينفق منها علي أسرته.. ويدخر
للمستقبل..ما يفيض عن حاجته.
والأطباء وأسرة التمريض لا يحصلون علي بدلات عدوي علما بأن
الغالبية العظمي من هؤلاء الأطباء يتعرضون للعدوي بسبب
مخالطتهم لأناس يعانون من الاضطرابات النفسية بسبب
البرنامج الانتخابي للحزب السرمدي.
المهم.. أنه باندلاع الحريق.. سارع الذين يتقاضي الواحد
منهم 200 جنيه شهريا.. وأعوانهم ممن يتقاضون المرتبات
الأقل.. بمحاصرة المرضي.. وأغلقوا دونهم الأبواب..
للحيلولة بينهم وبين محاولات الهروب.. إلي العالم الرحيب
خارج الأسوار.
وبما أنه لا توجد في المنطقة عربات مطافئ.. ولا خبراء في
الإطفاء.. فقد أخذ الأطباء وهيئة التمريض علي عاتقهم إخماد
النيران.. حتي لا تمتد ألسنة اللهب إلي غرف الإدارة.
نقلوا المرضي إلي فناء المستشفي المحكم الأبواب.. وعزلوهم
عن العالم الخارجي.. وحولوهم إلي ركاب عبارة.. لا تعرف
أسماك القرش الطريق إليها.
وكما قام رجال العبارة السلام 98 بإطفاء النيران التي
اندلعت بها.. حتي مالت علي جانبها.. قبل أن تغوص في
الأعماق.. قام رجال المصحة بنفس الدور حتي باتت الغرف
المحترقة.. غير صالحة لاستقبال المرضي من جديد.
في حالة العبارة أكلت أسماك القرش الضحايا بحكم موقع
العبارة فوق الماء.. أما في حالة المصحة فقد بقي المرضي في
فناء المصحة.. يتجولون.. ويرتبون أمورهم.. بعد أن أنقذهم
الله من المهالك فالله خير حافظا صدق الله العظيم.
وانشغل الذين يتقاضي الواحد منهم 200 جنيه شهريا.. بأسعار
الأسهم.. وأنشطة البورصة.. والإنجازات الهائلة التي تحققها
الحكومة كل مساء.. وتركوا المرضي في فناء المصحة
نسوا أنهم يعملون في مصحة نفسية.
ودارت الأيام.. وقام الزميل علاء عبد الله مراسل الأهرام
في طنطا بزيارة مفاجئة للمصحة.. وكتب ما يلي:
شاهدنا المرضي من النزلاء يتجولون في الفناء بملابس رثة
وسط أكوام من الحجارة ومواد البناء التي يتم استخدامها في
عمليات تطوير المستشفي.. وهناك عدد من العاملين والممرضات
يتجولون وسط المرضي لمتابعتهم.. ولضمان عدم نجاح أي محاولة
لهروب أحدهم من منافذ المستشفي.
وعندما سأل الزميل علاء عبد الله.. عن سبب ارتداء المرضي
لهذه الملابس الرثة.
أجابت إدارة المصحة بالنص الآتي وفقا لما نشرته الأهرام:
إنهم يرفضون ارتداء الملابس الجديدة.. بل ويقومون بتمزيقها
وإتلاف أحذيتهم الجديدة أيضا!
إجابة نموذجية.. لما تعلمته المصحة النفسية من القيادات
السياسية.. وللقارئ أن يتصور إدارة المصحة.. وهي تقدم
للضحايا الملابس الجديدة والأحذية الجديدة.. وهي تنفض
الغبار عن رءوسهم ولحاهم في حنان.. بينما ينظر إليها
المرضي نظرة المتغطرس المتعجرف!
هي تقدم لهم الملابس الجديدة.. وهم يمزقونها!
هي تقدم لهم الأحذية الجديدة.. وهم يطيحون بها في
وجهها..ويرفضون النعمة !
مشهد يمكن أن يدرس في جامعات أمريكا.. كي تخرج علينا
واشنطن.. بأن نزلاء سجن أبو غريب.. يمزقون ملابسهم
الجديدة.. وأحذيتهم الجديدة..وهم الذين لا يستحقون
النعمة.. إلخ
المهم.. أن ما جري في مصحة طنطا.. هو صورة لأحداث تتكرر
أمام عيوننا يوميا.. وتفسر لنا الجملة التي تجري علي لسان
الحكومة.. وهي:
استكمال الإنجازات!
الحكومة تحقق الإنجازات منذ 25 سنة.. ولم تستكملها حتي
الآن..
عزيزي القارئ... إديني عقلك!
علي غرار الملابس الجديدة التي يمزقها نزلاء مصحة طنطا..
أعلن الدكتور عبد الرحمن شاهين.. المتحدث بلسان وزارة
الصحة.. إن وزارته تعد ملفا طبيا دقيقا لحالات المرضي
النفسيين بجميع مستشفيات وأقسام الصحة النفسية سواء الجاري
علاجهم.. أو الذين خرجوا منها مع دراسة أوضاعهم.. وذلك في
إطار جهود الوزارة لمنع تكرار الاعتداء الأخير علي كنائس
الإسكندرية.
كلام.. عاقل.. لا يصدر إلا عن الحزب السرمدي.. ويذكرنا
بتصريحات الدكتور عاطف عبيد عاطف الثاني حول تحويل مقالب
القمامة إلي حدائق دولية.. أو زراعة غابة استوائية في
الإسماعيلية!
والحكومة تتصور أن المرضي النفسيين يعيشون داخل أسوار
المصحات النفسية.. ويتلقون الملابس الجديدة والأحذية
الجديدة من الأطباء الذين يتقاضي الواحد منهم 200 جنيه كل
شهر.. وهذا غير صحيح.. فالمرضي النفسيون.. في كل مكان..
وبين الأطفال!
والدليل علي ذلك ما نشرته الزميلة هالة أبو زيد في صحيفة
الأهرام تحت عنوان:
52% من تلاميذ الابتدائي يعانون من القلق وأعراض الاكتئاب.
وقالت الصحيفة الحكومية أن دراسة علمية أجراها فريق بحثي
بالمركز القومي للبحوث برئاسة الدكتورة زينب منير أستاذة
صحة الطفل.. أظهرت أن 43% من تلاميذ المرحلة الابتدائية
يعانون من أعراض اكتئاب مختلفة تتمثل في الشعور بالحزن
والتشاؤم وعدم التفاؤل مع الإحساس بالوحدة والقلق.. يصاحب
ذلك اضطرابات مختلفة في النوم.
وأكد الباحثون أن هذا الاكتئاب لا يقف عند تأثيره السيئ
علي نفسية الطفل بل يمتد سلبيا علي قدراته الذهنية ويسبب
ضعفا في التحصيل الدراسي وقلة التركيز.
وهذه الدراسة لم تجر علي عينات في توشكي وشرق التفريعة..
وإنما علي عينة من أطفال مدارس الجيزة الحضرية وشارع شارل
ديجول وتتراوح أعمارهم ما بين 8 إلي 10 سنوات!
أي مجموعة الأطفال التي تعيش في رفاهية نسبية بحكم
اقترابها من السفارة الفرنسية.. وحديقة الحيوان!
وأظهرت الدراسة أن 24% من البنين يعانون من الأعراض
الاكتئابية.. يقابلها 19% من البنات.. في حين ارتفعت نسبة
القلق بين الجنسين لتصل إلي نحو 52%!
فإذا كانت أعراض الاكتئاب تظهر بهذه النسبة العالية بين
تلاميذ المدارس الابتدائية الذين تتراوح أعمارهم ما بين 8
إلي 10 سنوات.. فما بالك بهذه النسبة بين طلبة الجامعات
الذين أغلق الحزب السرمدي أمامهم كل أبواب الأمل منذ أكثر
من ربع القرن.
ما هذه النسبة بين العاطلين عن العمل.. وبين الباحثات عن
زوج.. أو بدلة متواضعة للرقص الشرقي!
وإذا كانت هذه النسبة العالية من المكتئبين بين تلاميذ
المدارس الابتدائية في الجيزة.. فما بالك بهذه النسبة في
محافظات سيناء.. والصعيد الجواني؟!
ما هذه النسبة بين ثلاثة ملايين طفل يخرجون للعمل فجر كل
يوم للإنفاق علي أسرهم؟
ثم
أليس من اللافت للنظر.. اتخاذ العمليات الإرهابية الأخيرة
في دهب أسلوب العمليات الانتحارية؟!
وبعد كل هذه الإنجازات التي تحققت علي أرض الواقع تخرج
علينا وزارة الصحة بأنها بصدد إعداد ملف طبي دقيق لحالات
المرضي النفسيين بجميع المستشفيات.. وأقسام الصحة النفسية
في أرجاء البلاد..
هي تعني المرضي في المصحات النفسية.. علما بأن المرضي
النفسيين.. ليسوا في المستشفيات.. وإنما هم في كل مكان..
وإذا تلفت حولك.. في مترو الأنفاق أو في أتوبيسات النقل
العام المعروفة باسم الشرشورة التي تسقط من فوق الكباري
العلوية.. أو طوابير رغيف البردقوش أو في محلات البقالة
التي تبيع لحوم التختبوش التي نستوردها من قبائل الهوتو
والتوتسي.. أو في الشوارع التي انتزعت أرصفتها بعد استخارة
أهل الذكر.. أو حتي بين أولادك الذين يبحثون عن عمل.. أو
زوجتك التي لا تكف عن تبخير منزلك بأوراق الشيح.. ستجد
نفسك بين مجموعة هائلة من المرضي النفسيين.
وستكتشف أنك العاقل الوحيد بينهم..
صح.. ولا.. أنا غلطان؟!.