حين قررت فرنسا الشقيقة اختراع صنف جديد من الجبن
المطبوخ تحت اسم البقرة الضاحكة، انصرفت جهود علماء
الألبان والمنتجات الحيوانية إلي تهجين عدة سلالات من
الأبقار بهدف الحصول علي بقرة قادرة علي الضحك أمام
الكاميرا وأمام جماهير المستهلكين، وفشلت كل الجهود
العلمية الفرنسية في اختراع البقرة المطلوبة وتشابه البقر
علي العلماء مثلما تشابه من قبل علي بني إسرائيل.
واضطرت الحكومة الفرنسية إلي الاستعانة بلفيف من علماء
النفس والفلاسفة والمفكرين لدراسة أسباب عزوف البقر عن
الضحك أو حتي الابتسام، وبعد أبحاث علمية وميدانية شاقة
اكتشف العلماء والمفكرون أن الأبقار لا تضحك بالتهجين ولا
حتي بالزغزغة، وأكد فريق من كبار العلماء أن البقر الفرنسي
لن يضحك إلا في حالتين، الأولي منهما هي تصديره للحياة بين
شعوب العالم الثالث وخاصة في بلدان الوطن العربي، والثانية
هي توفير أقصي سبل الرفاهية في المراعي الفرنسية التي تعيش
فيها الأبقار، وفور إعلان هذه النتائج قررت جمعيات حقوق
الإنسان وجمعيات الرفق بالحيوان وسائر هيئات المجتمع
المدني الفرنسي الاحتجاج بشدة علي الاقتراح الأول، ورفض
الفرنسيون تصدير أبقارهم للحياة في البلدان العربية،
وانتشرت في كل المدن والقري الفرنسية لافتات وملصقات تحمل
شعارا موحدا يتكون من صورة بقرة حزينة مكتئبة مكتوب
بجوارها عبارة: إن شالله عن أبوها ما ضحكت.. كله إلا
العرب!! واضطرت الحكومة الفرنسية إلي الأخذ بالاقتراح
الثاني وتكبدت عدة مليارات من الفرنكات أنفقتها في تجهيز
مزارع نموذجية مكيفة الهواء تعيش فيها الأبقار، ووفرت لها
الرعاية الطبية الفائقة وأجبرت العاملين في المزارع علي
الابتسام في وجه البقر والتعامل معه بمنتهي الذوق والأدب
فضلا عن تخصيص أوقات معينة طوال اليوم لإذاعة مقطوعات
موسيقية كلاسيكية وأغان راقية، مع وضع لوحات فنية من أعمال
كبار الفنانين علي جدران جميع المزارع، ومنع الصخب
والتدخين في سائر العنابر والحدائق والحقول داخل المزرعة،
وبعد عدة شهور من التطبيق الصارم لهذه النظم، نجح
الفرنسيون في الحصول علي الجيل الأول من البقرة الضاحكة،
وقام نقيب الفنانين الفرنسيين بتصوير أولي البقرات
الضاحكة، وتم وضع صورتها علي الإنتاج الجديد الذي انتشر
بسرعة البرق في كل بلاد العالم.
قصة البقرة الضاحكة تتكرر هذه الأيام في جمهورية مصر
العربية، فقد قررت الحكومة المصرية تخصيص نصف مليار دولار
من المعونات والديون الأجنبية لتدريب الموظفين المصريين
علي الابتسام في وجه الشعب، كان المشروع الأصلي يستهدف
تدريب الموظف المصري علي الضحك وليس الابتسام، ولكن
الحكومة لم تتمكن من تنفيذه علي هذا النحو نظرا لأن تكاليف
التدريب علي الضحك تصل إلي ستة مليارات، ولهذا تقرر
الاكتفاء بتدريبات الابتسام التي تتكلف نصف مليار فقط، كما
أن بعض الخبراء اعترضوا علي مسألة ضحك الموظف مع الزبون
حتي لا تتحول المصالح الحكومية إلي مسخرة ويفقد الموظفون
هيبتهم أمام الجمهور.
وبدأت الحكومة المصرية في تنفيذ برنامج التدريب علي
الابتسام منذ بداية الأسبوع الماضي، ففي جهاز الشباب أعلن
الدكتور صفي الدين خربوش رئيس الجهاز المذكور أن الدولة
المصرية تشجع الشباب علي ممارسة العمل السياسي في
الجامعات، ولكن بشرط عدم انضمام هذا الشباب إلي الأحزاب
السياسية أو التعامل معها أو الحديث عنها!!.
وفي وزارة الداخلية أعلن السيد اللواء مساعد وزير الداخلية
أن قوات الشرطة قد اعتدت بالضرب والسحل علي رئيس محكمة لأن
هذا الرجل كاد يفتك بقوات الشرطة وقوات الأمن المركزي
وقوات مكافحة الإرهاب وكان يخوض معهم حرب إبادة، ولهذا
اضطرت القوات المذكورة للدفاع عن نفسها أمام هذا الوحش
الهائج!!.
وفي وزارة العدل قرر السيد الوزير إحالة اثنين من نواب
رئيس محكمة النقض إلي مجلس تأديب بتهمة الشرف والصدق
والنزاهة ورفض تزوير الانتخابات!!.
وفي لفتة كريمة من السيد رئيس الجمهورية، قرر سيادته
المشاركة في المشروع القومي للضحك والابتسام بتصريح تاريخي
قال فيه إن الحكومة المصرية لا تتدخل علي الإطلاق في شئون
القضاة، حيث إن القضاء سلطة مستقلة لا يملك الرئيس نفسه
التدخل في شئونها، أما ما يحدث الآن فهو مجرد خلافات
داخلية شخصية بين بعض القضاة وبعضهم الآخر، وفخامة الرئيس
يناشد الطرفين سرعة التصالح حرصا علي مصالح الجماهير!!.
لم يكتف السيد الرئيس بهذا الإسهام الفذ في المشروع القومي
لإضحاك الشعب، فبعد ساعات قليلة كان خطاب سيادته في عيد
العمال، وقال السيد الرئيس إن حكومته قد قامت ببناء نحو
ثلاثمائة مصنع خلال الشهور القليلة الماضية منذ إعادة
انتخاب سيادته رئيسا للجمهورية، يعني حوالي مصنعين كل
يوم!!!، كما قال سيادته إن عمال مصر سوف يذهبون قريبا جدا
للإسهام في تنفيذ برنامج الرئيس الإيطالي والرئيس الكوري
في كل من إيطاليا وكوريا الشقيقتين، أما الفلاحون فسوف
يذهبون للعمل في الشقيقة إسرائيل بدلا من عمال الشقيقة
فلسطين.. ومازال البحث جاريا عن دول أخري تقبل ترحيل الشعب
المصري الشقيق إليها خلال السنوات الست القادمة..!!.