كشفت زيارة قام بها وزراء الاستثمار والصناعة والقوي
العاملة، إلي كفر الدوار، الأحد الماضي، عن مدي التردي
المذهل الذي آل إليه حال مصانع المدينة، والخراب الذي حاق
ب قلاعها الصناعية الثلاث: الغزل الرفيع والنسيج + صباغي
البيضا+ الحرير الصناعي، ولم يكن ممكنا بأي شكل إخفاء
التدهور، ولذلك قال المهندس رشيد محمد رشيد عقب الجولة،
إننا في محنة ما شاهدناه مثير للحزن ولا يسعد أحدا، إن هذا
الوضع غير مقبول بأي معيار، احنا تقريبا لازم نبني من أول
وجديد0
وقال محسن الجيلاني رئيس الشركة القابضة إن مصنع الحرير
متوقف بالفعل منذ سبع سنوات ومصنع الفسكوز متوقف منذ تسع
سنوات لعدم الجدوي0 (القرار الصحيح في أي بلد محترم في
العالم هو التصفية وتأهيل العمالة لعمل آخر أو إقامة مصنع
جديد لكن ذلك لم يحدث)؛ وقال د0 محمود محيي الدين أن
مديونية المصانع الثلاثة المتراكمة بلغت 7ر4 مليار جنيه،
منها 35ر2 مليار جنيه للبنوك والباقي للكهرباء والمياه
والتأمينات والضرائب0
وأكدت عائشة عبد الهادي أن أجور عمال الغزل والنسيج هي أقل
الأجور في قطاع الأعمال العام فضلا عن غياب الأمن الصناعي
والزي والعلاج الجيد (وقالت للعمال إنهم لابد أن يعملوا
لتزيد أجورهم)0
وفي تلقائية شديدة قال عامل أصله من قنا ويبلغ من العمر 56
عاما، إن الشركة كانت : مربيانا ومعلمانا ومجوزانا
ومحججانا، ودلوقتي علشان تدخل مصنع الحرير الساعة 8 بالليل
لازم يكون معاك سلاح أو شومة لأن فيه ديابة وتعابين0
وبينما انهالت شكاوي العمال علي المسئولين كافة، وعلي
الصحفيين، بحيث بدا أنه بالشركات 18 ألف مشكلة بعدد عمال
المصانع الثلاث (الحوافز والأجور وإرهاق العمل في المغازل
التي تعمل والتجارة في الشقق وشكوي من مستشار العيادة ومن
عدم الترقي إلخ) فإن عددا من العمال أبدوا وعيا رفيعا في
الحس بالملكية العامة وأهمية صيانة المال العام وتطويره،
وقد ترك أحدهم زملاءه يسردون مشاكلهم الشخصية، واستحلف
المحرر أن يزور مخازن رواكد القماش والملابس والبياضات
ليري كيف يتم رمي المليارات فيها ظلما علشان يسرقوها بعدين
أو تبوش في مكانها، وبدوره طلب المحرر من وزير الاستثمارات
يزور المخازن، وقد أذهلنا أن الكراتين المعبأة بإنتاج مضي
عليه 12 عاما، بها بضاعة رفيعة المستوي، ومازالت تصلح
للتسويق، وكان أسخف ما حدث أن المسئول برر ركن الإنتاج بأن
الأبعاد بتاعة الملاءات والبياضات وأكياس الألحفة لم تعد
مناسبة للمستهلك المحلي، وأن مستوردا أجنبيا كان قد طلبها
واعتذر، وإزاء سخرية الوزير أضاف عذرا آخر هو أنهم خافوا
من بيعها بأسعار رخيصة حتي لا يحرقوا السوق0
وفي هذا الإطار قال محسن الجيلاني أنه يوجد بالمصانع
ماكينات تم شراؤها عام 1980 وتم ركنها كما هي دون أن تعمل
إطلاقا، كان منظر الخراب مدويا في صباغي البياضات والحرير،
حتي بجوار لافتة بالرخام الأخضر مكتوب عليها : افتتحه
الرئيس المؤمن (مصنع بوليستر) محمد أنور السادات في
27/6/1981، لكن المهندس رشيد محمد رشيد قال إننا سنترك
الماضي، والمهم أن ننطلق للإصلاح من هذا الواقع في اللحظة
الراهنة، وقال د0 محمود محيي الدين إن الماضي تم الحكم
عليه من أهالي كفر الدوار فهم يعرفون أن رئيس الشركة
الفلاني كويس وأن ذاك سييء، ولا أعاد الله أيامه، ويمكن أن
يستكمل المهمة الكتاب والمؤرخون والاقتصاديون المعنيون
بالصناعة، وإنه من الأفضل ألا تنشغل بالماضي، وأن نهتم
بتنمية المصانع في إطار تنمية شاملة للمدينة0
وطالب محرر الأهالي بالبناء للمستقبل انطلاقا من الحساب
علي الماضي حتي لا يعاد إنتاج الخراب والمأزق مرة أخري،
وقد استكمل ذلك بحوار جانبي مع أحد الوزراء أكد فيه أن
التداخل البشع بين الحزب الوطني والمصانع، وتوظيف الشركات
لخدمة الأغراض الانتخابية لمسئولين ليسوا فوق مستوي
الشهبات، والحلول الكرتونية الشكلية للمشاكل مع دفن وترحيل
المشاكل الأصلية وهي التحديث التكنولوجي والإداري
والتسويقي، هي التي أدت إلي هذا المأزق، وهناك في الطريق،
قضايا فساد معروفة بطلها الرئيسي نائب سابق (مرحوم ) للحزب
الوطني لكن البوصلة تشير إلي أن الحكومة ستمضي في خطتها،
وهي ترتكز علي اقتطاع نحو 100 فدان مرفقة من المصانع
الثلاث وتخصيصها بأسلوب لم يتم تحديد بعد، للقطاع الخاص،
لإقامة مشروعات جديدة وأنشطة مكملة عليها، رهانا علي أن
دخول كفر الدوار الكويز، سيجعل لذلك جاذبية كبيرة، ومن هنا
أيضا تبرزا أهمية قراءة التاريخ، فالصناعة الناجحة التي
أقامها طلعت حرب قامت علي التناقض مع المشروع الاستعماري،
لكن ما يريدون عمله اليوم، يقوم علي التكامل معه، فهل ذلك
هو طريق النجاح، وهل تلهم مثل هذه الحلول الشعوب0
لم يتطرق أحد إلي التدهور الثقافي في المدينة التي ظلت حتي
منتصف الثمانينيات مدينة نظيفة رغم فقرها الشديد، وبها
حركة مسرحية وثقافية وفنية قوية0 وقد هالني أن مسرح شركة
الغزل الرفيع أصبح مجرد صالة أفراح مزينة بخلفية ذات ذوق
ردئ، وأن السينما الواقعة خلف الملعب لا تعمل، بل وحتي
ملعب كرة القدم تدهور وأصبح المطب فيه (يبلع جمل)، وانخفست
حدائق مساكن المهندسين، وتردت أوضاع هذه المساكن الأنيقة
التي بناها طلعت حرب، وغطت العشوائيات كل شيء، ومن ثم لم
يكن عجيبا أن نري في الممرات شعار الإخوان المسلمون هم أمل
الأمة معلقا علي أكثر من حائط، عنوان التدهور مواز في
الوعي العام، وقد رأينا وجها آخر لإنسداد الأفق الثقافي
والعقلاني، فيما قاله شاعر من العمال (زجال) هو أحمد
الأصور0 ترحيبا بالزائرين علي الرغم مما بدا علي السطح أنه
رجل ضد البيع، فقد أخذ يشيد بالوزير والمحافظ والرئيس الذي
هو حصانتنا ويقول 00 إحنا العنابر والمكن والمعاش لو كان
مبكر والنبي تراعوا الظروف والتمن) ويقول أيضا (حتي لو
مرار يا صاحب البيع والاستثمار احنا معاك في المشوار)0 وقد
رأيت مثل هذا النوع من الشعراء من قبل في مصانع كفر الزيات
وغيرها، لكن الطريف أن د0 محمود محيي الدين دفع بالهزل إلي
نهاياته فانشد زجلية، يعارض فيها الأصور قال فيها: يا أحمد
يا شاعر البيع والخصخصة مش غية0 دول ضرورة علشان المركب
تقوم بيك وبية)0