يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1277 ( 10 - 17) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

جحا يتمرد

 
 

والبحر يخفي وراء الموج طوفانا

 
 

د. رفعت السعيد

 

 
لكل داء دواء يستطب به
إلا الحماقة أعيت من يداويها
وتربع جحا مرتاحاً بينما عيناه تلتقطان تململ هؤلاء الجالسين ومشاعر الألم المكبوت بسبب الخوازيق، فأتت الشفقة علي غير ما هو متوقع إلي نفس جحا التي تمتلك غضبا ورفضا لأهل مجلس الحكم جميعاً00 فرفع رأسه حتي يري وجه رئيس المجلس المعلق قرب السقف0 وبعد أن تنحنح واعتدل قال : يا سيدي مادامت الحالة الطارئة قد جري تمديدها، واستمرت معها الكمامات والقيود فإنني أعتقد أنه لم يعد ثمة لزوم للخوازيق التي وزعت علي الكثيرين، فهي أولا لم يعد لها مبرر، فالأفواه مكممة والأيدي مقيدة بفعل استمرار الحالة الطارئة0 ثم إن هذه الخوازيق قد صرفت عليها أموال كثيرة، والخوازيق الديجيتال مستوردة وقد دفع ثمنها بالعملة الشديدة الصعوبة0 ولهذا أقترح أن تشكل لجان جرد لهذه الخوازيق واستردادها من مستلميها وإيداعها في المخازن الأميرية، فربما نحتاج إليها عندما يجري تعديل دستور الحكم بحيث يصبح بإمكان آمر الشرطة الحكم علي المعارضين والمعادين بالاعتقال مدي الحياة وساعتها سيصدر قانون جديد لتركيب خوازيق بمقاسات أكبر وستكون الحاجة للخوازيق أشد0
وفيما يبتسم الوجه المعلق في السقف ويوشك أهل المجلس علي إطلاق صيحات الاستحسان اختطف شهبندر التجار السلم الخشبي الذي يحتفظ به آمر الشرطة وصعد علي درجاته مسرعاً وهمس في أذن رئيس المجلس بصوت تعمد أن يكون نصف مسموع حتي يطال آذان أهل المجلس جميعا0 كانت الهمسات مفزوعة وأتت متحشرجة من فرط الخوف: يا سيدي، هذا الرأي خطأ وخطر، فالسيد فلان أسس شركة لاستيراد الخوازيق وتعاقد بالفعل علي صفقة خوازيق ديجيتال.
كما أن الدكتور علان قد افتتح سلسلة محلات سوبر ماركت مخصصة لبيع خوازيق متطورة، وممغنطة بحيث تعرف طريقها إلي مكانها الطبيعي وتلتصق أوتوماتيكيا، كما أن المهندس ترتان أنشأ سلسلة محلات لإصلاح الخوازيق وشحن بطارياتها00 وهكذا يا سيدي فإن اقتراح عم جحا فيه خراب لبيوت كثيرة وسوف يؤدي إلي تشريد عديد من العمال، ونحن كما يعلم الجميع نبحث عن المزيد من فرص العمل0
وانتهز آمر الشرطة الفرصة فاختطف السلم الخشبي من تحت الشهبندر حتي أوشك أن يطرحه أرضا، وصعد سريعاً ليقول بصوت عال : أنا يا سيدي أؤيد الشهبندر، لكن الأهم من هذا وذاك هو أن الكثيرين متمسكون بالخوازيق، وسوف يرفضون التخلي عنها فقد عودتهم علي حسن الانصياع، وهي كما نعلم جميعا تأديب وتهذيب وإصلاح0 فلماذا تلجأ إلي إجراءات تمس مشاعر الجماهير، وتتنافي مع مطالبهم0 وصاح رئيس المنادين : أن التقارير تقول بصحة هذه المعلومات، وقد أجرينا استطلاعا للرأي فأكد 3ر90%من الذين تم سؤالهم أنهم يعتزون بخوازيقهم ويتمسكون بها تأكيدا لكامل ولائهم وشديد تأييدهم وتمام استعدادهم لمزيد من الخضوع وكثير من الخنوع00
وإذ أبدي جحا تعجبه من هذه الأكاذيب ووجه حديثه إلي أهل المجلس جميعا : هل يمكن لعاقل يتمسك بالكرامة أن يتقبل بالرضاء والهناء هذه الخوازيق أم إنكم قد اعتدتم عليها فصارت إدمانا بلا شفاء؟
ثم وجه سؤالا لأهل المجلس وهو يراهم يخفون ألمهم من أثر الخوازيق المحشورة فيهم حشراً00 هل تقولون إنكم مبسوطون ومرتاحون من هذه الخوازيق التي تضعون؟ فصاح الجميع في صوت واحد : آه0
فتمتم جحا قائلاً: والله أنها صيحة ألم يكتمها الجبن والنفاق0 والله أنكم تستحقونها00 وتستحقون أكثر منها0
وهنا رفع الفقيه عقيرته صائحا: احترم الشرع يا جحا0 فانتفض جحا : وهل الخوازيق ضمن الشرع؟ فقال الفقيه: الدين الحنيف يعلمنا أننا أدري بشئون دنيانا، وأن العقد شريعة المتعاقدين فمادام الناس قد أرتضوا استخدامها فإن لهم ذلك0 وإذ يحاول جحا أن يعترض مؤكدا أن تظاهر المكره بالرضاء لا يعتد به، بل إن أبا حنيفة قال إن طلاق المكره باطل، وهكذا فإن إكراه الناس علي قبول ما لا يرتضون وما يفرض عليهم المذله هو يا مولانا مناف للشرع0
لكن الفقيه غضب صائحاً: هذا فسق00 وخروج عن الشرع00 فصاح الجميع وهم يتأوهون من الألم لكن النفاق كان أقوي من أي ألم00 الحق ما قاله مولانا؛ وأسكتوا جحا0
ثم إنه وبعد همسات بين رئيس المجلس وشهبندر التجار وآمر الشرطة، قال رئيس المجلس بحزم لم يتعود عليه، ولم يزل لا يستطيع إتقانه: الأصل في الحالة الطارئة هو الكمامات والقيود، أما الخوازيق فتبقي من قبيل زيادة الخير00 خيرين0
فتمتم جحا: بل هو زيادة القيد00 قيدين0
وبلهجة حاول رئيس المجلس أن يتظاهر بأنها آمرة قرر الانتقال لجدول الأعمال0
فتحدث آمر الشرطة قائلا: في الجلسة السابقة تذكرون أننا قررنا نشر إعلانات عن طريق المنادين نطلب عديداً من المختلين عقليا كي يجري تدريبهم وتعليمهم علي أفضل السبل لممارسة هوايتهم في القيام بإيذاء النصاري والتهجم عليهم دون أدني مسئولية علي أحد0
همهم أهل المجلس: هذا صحيح0 وواصل آمر الشرطة أننا فوجئنا بآلاف مؤلفة من الذين يأتون مؤكدين أنهم مختلون عقليا ويريدون الحصول علي رخصة بذلك بحيث يمارسون مهمتهم في إطار من القانون0
فسأل جحا: ومن أين أتي كل هؤلاء؟ فأجاب آمر الشرطة :كثير منهم من جماعات التطرف، لكن لا بأس بذلك0 وتدخل الفقيه الضرورات تبيح المحظورات0
لكن جحا صاح: وهل نسكت علي هؤلاء المتطرفين0 ألم تقولوا يوما إنهم خصومنا؟ فرد آمر الشرطة : هم خصومنا ولكن لا بأس من أن نتعاون علي فعل الخير00وهم نشطون جدا في هذا المجال إلي درجة أنهم افتتحوا فصولاً ليلية للتدريب علي الخلل العقلي0
00 رسم رئيس المجلس ابتسامته الباهتة المعتادة، وقال : لا بأس مادمت تري ذلك، ثم قال ملتفتا إلي كبير المنادين وشهبندر التجار: يجب أن تستعدا بكميات كبيرة من القبلات حتي توزع بعد تنفيذ المطلوب ليتبادلها الضارب والمضروب علي أن يتم تبادل هذه القبلات علي أوسع نطاق، وهذه مهمة كبير المنادين ورجاله0 ثم أشار بإصبعه الطويل جدا إلي شهبندر التجار00 أنت مسئول عن تدبير كميات كافية من القبلات حتي لو اقتضي الأمر استيراد كميات من الخارج0 فتدخل وزير الركايب والانتقالات: الحمد لله يا سيدي فإن البنك الذي اشتريناه بتراب الفلوس وبهدف إنعاش الأوضاع قد تنبه لذلك منذ أمد طويل وتعاقد علي استيراد سواطير ديجيتال وسكاكين مسنوتة، كما إن ابن خالتي وأشار إلي أحد الجالسين قد فتح بالفعل اعتماداً لاستيراد خمسة وسبعين مليون قبلة00 سوف توزع بأسعار متهاودة جداً حتي يتبادلها كل المواطنين بعد كل واقعة اغتيال0
فرك رئيس المجلس يديه سروراً وحبوراً وقرر الانتقال لجدول الأعمال0
فرفع ناظر الكتاتيب يده في تردد، فهو لم يتعلم بعد أصول الحديث في مجلس الحكم، فأذن رئيس المجلس مشجعاً بابتسامته التي أصبحت باهتة أكثر فأكثر، تلعثم ناظر الكتاتيب فقال: تعلمون يا سادة أن حالة التعليم لا تسر عدوا ولا حبيب، وأننا بحاجة إلي تحسين جودته بحيث يصبح مثل كل الإمارات والسلطنات الراقية0 ولهذا تري لجنة العلماء المتخصصة في فهم كل شيء إنشاء جماعة تقوم علي تحقيق جودة التعليم لتصبح من أرقي الأصناف، فقال جحا: ولكنك تعلم أن الكتاتيب السلطانية التي يصرف عليها من بيت المال، أصبحت في حالة بائسة، والناس في أمر إصلاحها يائسة، والتلاميذ يتخرجون فيها وهم لا يعرفون كتابة أسمائهم، فتدخل آمر الشرطة قائلا: أشهد أنني زرت بعض الكتاتيب فوجدتهم منضبطين وبأوامر النظام ملتزمين، وبحمده يسبحون، وقال الفقيه: وأنا مررت علي بعض هذه الكتاتيب فوجدت تلاميذها يكتبون أسماء أعضاء المجلس بخط جميل يحمل كل معاني التوقير والاحترام00 فصاح جحا: أنا اتحدت عن التعليم وتحصيل العلم وليس عن النفاق0
فاصفرت وجوه أهل المجلس00 وبلع وزير الكتاتيب ريقه بصعوبة، وقال : المهم يا عم جحا نحن نريد أن نرتقي بجودة التعليم فهل تمانع؟ فرد جحا: لا والله، إنما أردت أن أقول أن الارتقاء بجودة التعليم يحتاج من أهل هذا المجلس تخصيص الأموال وتحسين الأحوال، وتعليم الأولاد العلم الصحيح المفيد، وأساليب اختيار الرأي السديد، وكل اكتشاف جديد، لكنكم الآن تعلمونهم عبر الحفظ والنقل، وإنكار العقل فتزيدونهم جهلا علي جهل0
فتململ وزير الكتاتيب وازداد ارتباكاً فوق ارتباك وقال : إن الكتاتيب السلطانية سيفرض عليها أن تتزين وعلي مبانيها أن تتحسن دون أن يدفع بيت المال مليما0 أما مسألة الحفظ والنقل فهذا موروث يقينا شرور الانزلاق لاستخدام العقل، وما أن نطق الوزير بكلمة العقل حتي صاح البعض نعوذ بالله من شرور العقل وقال الفقيه يا ناس ألا تعلمون أن النفس أمارة بالسوء فاتقوا شرور التفكير فإنه والعياذ بالله يقود إلي التكفير0
صاح جحا: يا ناس00 بلا عقل لا أمل0 فصاح أهل المجلس لا نريد عقلا ولا أملا0 وهنا عطس آمر الشرطة عطسة عالية الصوت فارتج المكان وارتجف السكان وبرزت أنيابه وأخرج سيفه من جرابه وصاح : ألا إن هذا السيف يخرج من جرابه كلما سمع كلمة عقل أو فكر، فهذه كلها أفاعيل شيطانية، تستهدف العداء للحضرة السلطانية0
عاود جحا الصياح : يا جماعة لا تهربوا من أصل الحكاية0 وإذا كان العقل عندكم معطلا فذلك شأنكم ولا أمل في إصلاح حالكم، وإذا كانت الناس تقول إن العقل زينة، فإن الجهل الجهول هو زينتكم ألم يقل الشاعر:
ويهضم فينا الإمام الحكيم
ويكرم فينا الجهول الغبي
فصاح رئيس المجلس : تأدب يا جحا، فرد جحا مترنماً وكأنه يغني
ويا لهفي كم يقتل العقل نابغا
وكم عاش بالجهل الغبي جهول
حسم رئيس المجلس أمره وصاح لندخل في أصل الموضوع، وليتكلم وزير الكتاتيب ولا يقاطعه جحا وإلا أمرت بإخراجه من المجلس0
قال وزير الكتاتيب: سنطلب من الكتاتيب السلطانية أن تحسن أحوالها وأن تدبر أموالها بنفسها فبيت المال لم يعد ملزما بأي تحسين، وإذا لم تستطع أن تفعل ذلك من دون أن تكلفنا شيئا فسوف تدمج في كتاتيب حسنة المظهر والهندام يمتلكها أصحاب المقام ولا يقترب منها الأوباش من أبناء العوام0
فقال جحا: ما معني كلمة تدمج؟
وهنا سكت الجميع فقد أمسك جحا بالجرح الحقيقي وهو ما تمني الجميع ألا يراه جحا00
وإذ استمر الصمت وجدها جحا فرصة وقال يا سادة تدمج يعني أن تعطي بلا ثمن للأكابر وأصحاب المقام بحيث لا يكون هناك مجال لتعليم أبناء العوام0 فهل هذا ما تريدون؟
صاح الفقيه: الهبة وردت في الشرع0 فرد جحا ساخطاً: أنت حر في أن تهب ما تملك0 لكن هذه الكتاتيب ليست ملكا لأحد وإلا فهاتوا إعلام الوراثة الذي يقول إنكم ورثتموها عن آبائكم وأجدادكم0
تململ رأس رئيس المجلس المعلق قرب السقف وقال : كفي يا جحا00 ألا تشعر أن جميع أهل المجلس يكرهونك فقال جحا هازئاً:
الله يعلم أنّا لا نحبكموا
ولا نلومكموا أن لم تحبونا
00 وانتفض جحا خارجاً من المجلس دون استئذان وهو يقسم أنه لن يعود إليه ثانية وعلا صوته وسط السوق
أسير بدار الظلم أعياه آسره
أما من فتي في الناس حر يناصره
أفي الناس أحرار، وفيهم أحبة
فما لأخيكم لا يري من يؤازره
00 وفيما هو يسير مهموما متجها نحو صديقه الشيخ ناصح الكتبي ليبلغه بقراره بالابتعاد عن مجلس الحكم، الذي أصبح يسميه مجلس الظلم، أتاه من بعيد صوت هادئ جميل لكنه يدوي في كل أنحاء السوق0
في الأفق غيم00 وراء الغيم همهمة
وطيف صبح بدا في الليل بركانا
صوت النوارس خلف الأفق يخبرني
البحر يخفي وراء الموج طوفانا
لا تسأل الحلم عمن باع00 أو خانا
واسأل سجونا تسمي الآن أوطانا
فاندفع جحا نحو البحر ليدفع الموج حتي يصبح طوفانا00 وليمنح طيف الصبح قوة كي يصبح بركانا0
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة