انتهت التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة في حريق قصر
ثقافة بني سويف الذي مات فيه بصورة مرعبة ما يزيد علي
خمسين مواطنا بينهم بعض أفضل شباب وشيوخ المسرح من مخرجين
ومؤلفين ونقاد وممثلين وممثلات وذلك قبل عام ونصف العام.
ومن يقرأ نصوص بعض هذه التحقيقات سوف يصل إلي نتيجة تقول
إنه ما من أحد مسئول، وأن حالة الخراب والترهل القائمة في
قصور الثقافة وبيوتها ومؤسساتها هي نبت تراكم طويل، وأنها
ليست إلا عينة شاء حظ ضحاياها أن تكون ممثلة أبشع تمثيل
لوضع عام في المؤسسات الحكومية الكائنة في قاعدة الهرم
الوظيفي، وأقول القاعدة لأن القمة تعرف جيدا كيف تحمي
مصالحها وترتب أفضل ترتيب لنفسها من حيث المكافآت والأجور
الباهظة والمكاتب الفخمة المكيفة والتي يدهش المرء من وجود
مثلها في بلد فقير ومديون، ولكنه الانفصال التام بين القمة
والقاعدة والذي هو سمة العلاقة بين الشعب وحكامه المرتاحين
جدا لأوضاعنا والذين يبدو أنهم لا يعرفون أي شيء حقيقي
عنها لأنهم يعيشون في مملكتهم وارفة الظلال والآمنة.
كان قد تم تشكيل لجنة بمعرفة رئيس جامعة المنيا تضم تخصصات
مختلفة حددت لها النيابة العامة أسئلة بذاتها تجيب عنها،
وبالفعل أعدت اللجنة تقريرها، وقامت النيابة باستجواب
أعضائها فردا فردا، وأكدت عدم ملاءمة القاعة للعروض
المسرحية، وكذلك عدم وجود احتياطات الأمن الصناعي بداخلها.
ويمكن لنصوص التحقيقات التي نشرت بعضا منها الزميلة أخبار
الأدب أن تشكل مادة خصبة لنص مسرحي عبثي لا يحتاج إلا لبعض
التدخلات من مؤلف موهوب، ذلك أن التحقيق قد وصل إلي عدم
وجود أي مسئولية علي أي من القائمين علي شئون الثقافة
الجماهيرية وقطاع المسرح علي نحو خاص رغم ما كشف عنه من
مركزية مميتة.
كذلك فإن الروح السائدة في أوساط الموظفين تنبئ عن كارثة
حقيقية إذا ما حررناها من المخاوف المشروعة التي انتابت
الجميع لدي المثول أمام النيابة حيث بذل كل منهم جهدا
كبيرا لكي يبرئ نفسه، ويثبت أنه ليس هو المسئول ولو
مسئولية بسيطة عما حدث، وأنه لم يكن بوسعه بحكم موقعه أن
يمنع حدوث الفاجعة.
جاءت إجابات الموظفين علي الأسئلة وكأن هناك تعميما
بيروقراطيا قد لقنهم إياها شأنها شأن عملية الغش الجماعي
التي يمكن كشفها بتطابق حرفي للإجابات في لجنة واحدة.
سئل أحد الموظفين: ما قولك فيما جاء بتقرير جامعة المنيا
عن عدم وجود احتياطات الأمن والسلامة داخل تلك القاعة؟
فرد الموظف:
- أنا ماليش رأي والمدير العام هو الذي يملك القرار.
ويلقي رئيس الهيئة السابق بالمسئولية علي عاتق الموظفين
الأصغر منه ونجد أنفسنا ونحن ندور في حلقة مفرغة ما من أحد
مسئول وما من أحد إلا وهو خاضع خضوعا كاملا لمن هو أكبر
منه، ما من أحد حر كمواطن ومسئول في الوقت نفسه ليكون
بوسعه أن يعين الأخطاء والأخطار، أو بإمكانه أن يجادل
ويقبل ويرفض ليكون رأيه هذا عاملا في منع وقوع كوارث كتلك
التي حدثت ناهيك عن تطوير المؤسسات وتحسين أدائها.
إنه ليس الفساد الذي يتلقي الحماية مثلما هو الحال في قضية
غرق العبارة، أو مجرد تآكل الآلات وقدمها كما هو الحال في
تصادم القطارات وتهالكها، ولكنه هنا الاستبداد المخفي،
الاستبداد الذي يضرب في أعماق التكوين الإنساني للمواطنين
ويشوههم ويبطل لديهم روح النقد والمساءلة، ويبث فيهم خوفا
مميتا من الحرية، وينتهي بهم إلي اعتناق مبدأ ابعد عن الشر
وغني له.
وقد أنتج تزاوج الاستبداد والفساد هذه الحالة التي لن
نخطيء كثيرا إذا ما اتجهنا إلي تعميمها حالة العزوف عن
المشاركة في الشأن العام، تلك الحالة التي جعلت الأحزاب
الديمقراطية نخبوية عاجزة عجزا مركبا عن التواصل مع
الجمهور الواسع وتبذل جهودا مضنية من أجل تحريك الساكن
وخدش الصمت وإثارة المياه الراكدة ساعية لتعبئة وتنظيم
جمهور خائف، يمشي بجانب مظاهرة ضد ارتفاع الأسعار فيحييها
وينتقل إلي الرصيف الآخر.
كنت مع عدد من الزميلات والزملاء المسرحيين وبعد زيارة
لمكتب النائب العام مع أسر بعض ضحايا محرقة بني سويف قد
وعدت باسمهم أما احترق ابنها الشاب في المسرح إننا لن نسكت
أبدا حتي يحصلوا علي حقوقهم كافة، وإننا لن نسمح أبدا
بإغلاق هذا الملف، وأجد نفسي الآن وبعد أن قرأت ما قرأت في
موقف الكذابين الذين يطلقون الوعود ويعجزون عن الوفاء بها
فقد تلكأت في أروقة البيروقراطية واللامبالاة كل مقترحاتنا
لمساندة هذه الأسر، - ولا أقول تعويضها - فما ضاع منها
ومنا لا يعوض أبدا، ويلفني الآن حزن غامر لا فحسب لأن
غالبية الذين التهمهم الحريق كانوا أصدقائي ولكن لأن
بلادنا قد وصلت إلي هذا المنحدر بلا رحمة.. وعلينا أن نبدأ
من الأول.. من الأول كما رددت بطلة فيلم باب الشمس ليسري
نصر الله من الأول.