أشك كثيرا فيما نسبته بعض الصحف إلي وزير الثقافة الفنان
فاروق حسني من أنه يفكر في إلغاء المهرجان القومي للسينما،
الذي أنهي قبل أيام أعمال دورته الثانية عشرة، والذي يشرف
علي تنفيذه صندوق التنمية الثقافية0 فقد سبق للوزير أن نفي
ذلك منذ عدة سنوات، عندما لاحظ غياب الفنانين عن حضور
جلسات الافتتاح والختام، وبعضهم قد يكونون من بين
المكرمين، بل أنه عدل لائحة المهرجان لترتفع منذ سنوات
قليلة جوائزه ويتضاعف بعضها0 وأصبح مستقرا أنه مهرجان مهم
لفن السينما، سواء حضره النجوم أو تغيبوا عن حضوره0
والمهرجان القومي للسينما هو خدمة تقدمها الدولة ممثلة في
وزارة الثقافة لدعم السينما، في سياق خدمات أخري منها ما
تنفقه علي أكاديمية الفنون بمعاهدها المختلفة، ومشروعات
الأرشيف القومي للأفلام، بعد أن انتقلت كل المنشآت التي
كانت تمتلكها وزارة الثقافة من استوديوهات ودور عرض، إلي
وزارة قطاع الأعمال العام0
لكن كثيرين لا يلتفتون إلي دور مهم، مازالت الدولة تقوم
به، ولولا قيامها به، لربما اختفي تماما من الساحة، علي
الرغم من أهميته، كأحد الأنواع السينمائية المتميزة
والجميلة، وهو الفيلم التسجيلي، التي أتاحت لي الظروف خلال
الأسبوعين الماضيين، أن أمضي عشرة أيام في مشاهدة 94 فيلما
من الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة والأفلام
المتحركة، من خلال مشاركتي في لجنة التحكيم بهذه الدورة من
المهرجان القومي للسينما، ومعظم هذه الأفلام من تمويل
هيئات رسمية مختلفة، يقف في مقدمتها المركز القومي للسينما
والتليفزيون المصري، ومعهد السينما، رغم وجود محاولات
ملموسة لإنتاج القطاع الخاص ممثلا في الأفراد وبعض الشركات
الخاصة0
فضلا عن ذلك تنظم الوزارة كل عام مهرجانا دوليا لهذه
الأنواع الثلاثة من الأفلام، تشارك فيه أفلام عربية ودولية
ومصرية، وتقدم فيه نماذج رائعة من هذا الفن الجميل، هو
مهرجان الإسماعيلية الدولي للسينما التسجيلية0
قدمت هذه الدورة من المهرجان جيلا جديدا من السينمائيين
التسجيليين المشغولين بالهم العام، والذين تملؤهم الرغبة
في شق طريق مميز في هذا اللون السينمائي، برغم الظروف
الشاقة غير المواتية في أغلب الأحيان، ورغم الغبن الذي
يلحق هذا اللون الرفيع من الفنون، الذي لايزال جمهورها
قليلا، بسبب اكتساح الفنون التجارية الرخيصة والمبتذلة لكل
أنواع الفنون0 ومن هنا ينبغي أن تكون السينما التسجيلية
أحد الأنواع الفنية، التي تسهم الدولة في الترويج لها، ضمن
مسئوليتها عن رفع مستوي الذوق الفني العام، حتي يتاح
للمتفرج أن يراها، وأن تصبح جزءا، من ذائقته الفنية0
وفي هذا السياق يصبح من الضروري صدور قانون، يلزم دور
العرض السينمائي بعرض هذا النوع الرفيع من الفنون، قبل
عرضه للفيلم الرئيسي، والأهم من ذلك، أن يهتم التليفزيون،
الذي يلعب دورا مهما في تشكيل الذوق الفني للمواطنين، بعرض
هذه الأفلام وأن يستفيد من هذه الثروة الهائلة التي ينتجها
المركز القومي للسينما والقطاع الخاص، ويعرضها علي شاشته،
ليستمتع بها المشاهدون، وليخلق قاعدة من هذا الفن الجميل،
تسهم في إثرائه وتطويره، والارتقاء بالذوق العام، فضلا عن
أنه يفتح نافذة معرفية للموضوعات التي يطرحها، ويقدم خدمة
للترويج السياحي بشكل جذاب، يخلو من الفجاجة وتحفل بالفتنة
الآسرة والجمال الخلاب، بالإضافة إلي التاريخ الذي تحفظه
الذاكرة التسجيلية، وتنقذه من الاندثار والفناء، وتمنحه
فرصة دائمة للحياة والبقاء0 وتسهم السينما التسجيلية أيضا
في تطوير الفيلم الروائي، وتجريده من الحشو والإطالة،
وتدريب الذين يمارسونها علي التكثيف والتركيز 0
جيل جديد من السينمائيين التسجيليين، قدمته هذه الدورة من
المهرجان تشغله أسئلة الوجود الشائكة، ويسيطر عليه هاجس
البحث عن الحرية والعدالة والمساواة، والتحقق، ويمتلك
أدواته الفنية ببراعة فائقة، وتتنوع فيها مواهبه في
الإخراج والكتابة والموسيقي والتصوير والتحريك والابتكار،
ويقدم الأدلة لمن تنقصه، علي امتلاء هذا الوطن بالكفاءات
والمواهب الفنية الشابة، بطول مصر وعرضها0