يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1277 ( 10 - 17) مايو 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

مجتمع المطواة وماء النار

 
 

التماثيل بين الفتوي والقانون

 
 

حلمي سالم

 

  دخلت شابة منقبة متحف الفنان حسن حشمت بالمطرية، وطفقت تحطم التماثيل والمنحوتات، وهي تصرخ في هيستيرية هائجة: حرام يا كفرة، يا كفرة حرام!!
كان هذا المشهد المأساوي ذروة من ذري التداعيات التي أثارتها فتوي الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية بتحريم التماثيل، منذ عدة أسابيع، والتي أثارت لغطا واسعا لم يهدأ، ولنا علي المشهد كله الملاحظات التالية:
1- تذكرنا جميعا ما فعلته جماعة طالبان في أفغانستان منذ خمسة أعوام، حينما حطمت تماثيل بوذا في الميادين، وكانت قبل ذلك قد حرمت السينما والتليفزيون والمسرح وتعليم البنات!
وحينما نضم واقعة تحطيم تماثيل متحف حسن حشمت إلي مثيلاتها السابقات مثل: إزالة التماثيل العالمية من مدخل مدينة الشيخ زايد، ومنع الموديل في كلية الفنون الجميلة مع رفع التماثيل من فنائها فضلا عن وجود أساتذة عديدين بالكلية يرون أن رسم الشخوص الإنسانية حرام، وإطلاق رصاص الرشاشات علي صور معبد حتشبسوت في الأقصر، والقبض علي مجرم تقاضي ربع مليون جنيه من مجهولين من أجل إلقاء ماء النار علي وجوه عادل إمام وشيرين سيف النصر وممثلات أخريات.
أقول: إذا ضممنا واقعة تحطيم متحف حسن حشمت إلي مثيلاتها السابقة، يمكن أن نصرخ مفزوعين لقد نهضت طالبان في مصر!
2- صحيح أن المفتي د. علي جمعة عاد وأعلن - بعد ذلك - بعض الاستدراكات والتعديلات علي فتواه: منها أنها فتوي قديمة ليس هو المبتدئ بها، وأنه كان يجيب سؤال سائل سأله، ومنها أن هذا التحريم ليس مطلقا شاملا، وإنما يخص تماثيل البيوت وحدها، ومنها أن قوله كان رأيا وليس فتوي وعلي الجميع أن يفرقوا بين الرأي والفتوي!.
كل ذلك صحيح لكنه لم يغير من الأمر شيئا، ولم يقلل من الأثر المدمر للفتوي علي نحو ما رأينا وما سنري وإذا كانت الفتوي قديمة، فلماذا يبتعثها المفتي اليوم؟! ولماذا لم يبتعث فتاوي قديمة للشيخ محمد عبده في صدد التماثيل والرسوم، وهي فتاوي مستنيرة تتواكب مع العقل والعصر والتطور؟ ما مغزي استعادة الفتاوي التي تهدد الحياة، وإغفال الفتاوي التي تبني الحياة؟!
ونظرا للوضع الرفيع لمفتي الديار المصرية فإن الناس لن يسهل عليهم التفريق بين رأيه الخاص وفتواه الشرعية، حتي لو طلب هو هذا التمييز، وعند الناس فإن كل ما يقوله المفتي هو فتوي وطبيعي أن يندمغ الرأي بالفتوي في تصريحاته وإجاباته، ذلك أن الناس لن يعقلوا أن يكون للمفتي رأي يخالف فتوي الشرع.
3- إن هذه الفتوي وما تبعها وسبقها من مشاهد ووقائع مأساوية، تؤكد مجددا ومجددا - أن الفاصل بين الفكر الديني المعتدل والفعل الديني العنيف المتطرف هو فاصل مزيف ووهمي وغير موجود جوهريا فالمفكر المعتدل والمفتي نموذج له في تصور الجميع يحرم أو يدين أو يستنكر أو يحكم بالمروق عن الدين، من الوجهة الشرعية النظرية مما يسميه مجرد رأي أو حكم الدين فقهيا فيشهر المتطرف السلاح أو المطواة أو ماء النار وينطلق لتنفيذ هذه الفتوي النظرية وتطبيق ذلك الرأي الفقهي، من أجل أن يحق الحق وينصر الدين، ويغير المنكر بيديه أو بقنبلته وماء ناره وهذا أقوي الإيمان!.
من هنا فإن علي جميع المعنيين بمستقبل الوطن المجرح وتقدمه، أن يعيدوا النظر في هذا التفريق المضلل - الذي سري طويلا في فكر النهضة العربية الحديثة - بين الفكر الديني المعتدل والفكر الديني المتطرف، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، أو دوران في مهمة واحدة.
4- نأتي إلي المسألة الجوهرية، وهي السؤال التالي: ما لزوم الفتوي الدينية، من الأصل، في بلد يحكمه القانون؟ ويزداد السؤال إلحاحا، بعد أن تفشت الفتوي كالنار في الهشيم، وصار كثير من المواطنين لا يقدمون علي عمل أو سلوك أو فعل - صغر أو كبر - إلا إذا استفتوا، ولم يعد مصدر الفتوي مقصورا علي دار الإفتاء أو الفقهاء المتخصصين، بل اتسع مصدرها ليصبح كل شيخ مفتيا، وكذلك شيوخ الصحف وشيوخ المجلات الدينية وشيوخ التليفزيون وخطباء المساجد والزوايا، وآخرون لا نعلمهم الله يعلمهم!
أليس القانون كافيا ليكون مرجعا لسلوك المواطنين؟ وإذا كنا في دولة مدنية تحكمها مؤسسات تشريعية وقانونية، فما ضرورة الفتوي؟ وإذا كانت الفتوي ضرورية، ولا سلوك لنا إلا بفتوي فما ضرورة القانون؟
هذا هو الازدواج القاصم الذي يضرب مجتمعا في الجذر، وقد آن أن نواجه التحدي الصعب: إذا كنا نحكم بالفتوي فلا لزوم للقانون، وإذا كنا بالقانون فلا لزوم للفتوي، ولنعلم أن المسلمين الأولين اعتمدوا علي مرجعية الفتوي، لأن مجتمعاتهم لم تكن قد أنشأت بعد مرجعية القانون.
وإذا لم يستطع المواطن أن يخرج من بيته إلا بفتوي وأن يجامع زوجته إلا بفتوي، وأن يستمع إلي أغنية إلا بفتوي، ويتصرف مع كلابه إلا بفتوي، ويترك امرأته تذهب إلي السوق إلا بفتوي، فنحن في دولة دينية عاتية، وقل علي الدولة المدنية السلام.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة